كانوا يقولون إنّها ثورة و الآن يعترفون بأنّه انقلاب.. (مقال/ الأديب و الكاتب محمد الجوادي)

على مدى العقود الماضية وبفضل تماهي التجارب الإنسانية، أصبح من الممكن للمحلل السياسي أو المؤرخ أن يستنتج مما يصدر -ولو بصفة عابرة- من تصريحات على لسان أية قيادة من قيادات الانقلابات العسكرية ما ينبئ بطبيعة نظرتهم إلى ما يريدون أن ينجزوه بصفة عاجلة، أو ما يمكنهم أن يحققوه، وما لا يريدون العمل من أجله، أو الدخول في مجاله.

وينطبق هذا أيضا على النظم شبه الدكتاتورية والشمولية التي ترث الانقلابات العسكرية أو تشبهها، وفي هذا الصدد (وفي ميدان قريب مما نتحدث عنه ربما يقرب لنا الصورة)، فإن طول خبرة المصريين المعاصرين بعقاقير التخدير الصحفي ومسكنات الألم الإعلامية، جعلتهم يعرفون أن التذكير بالحفاظ على الاستقرار الاجتماعي هو اللفظ المرادف لتوكيد استمرار حكم “المجموعة” المنتفعة من الأوضاع التي رسخها النظام القائم.

كما أن التبشير بالإصلاح الاقتصادي يعني مباشرة انبعاث النية في تحريك بعض أسعار السلع، وأن التحريك نفسه لا يعني إلا الرفع، وأن إعلان التسعيرة الجبرية يعني ببساطة تقنين وجود السوق السوداء، وربما إعادة وجود هذا السوق إذا كانت قد انتهت، وأن الحديث عن سعر رسمي للدولار يعني أن هذا السعر ليس هو سعر التداول ولا الحقيقة.

أما في المجال السياسي على عمومه، فقد فتحت التجارب المريرة أعين المصريين على المعاني الحقيقية لكثير من الشعارات الملتبسة: فالحديث عن هيبة الدولة لا يعني إلا القمع، والحديث عن أمن النظام يعني القتل بلا مبرر حقيقي، والحديث عن تأمين منشآت عسكرية يستدعي مباشرة إدراك توجه النية إلى قتل المتظاهرين حتى إذا لم يقتربوا من أي سور!! فليس بعد أي شارع مهما طال أو اتسع إلا سور عسكري!! والحديث عن سمعة الوطن يعني عدم السماح بانتقاد المخطئ لأن “المغتصب” المصري لا يخطئ ما دام قد تمكن.

على أننا نتجاوز في حق علوم التاريخ إذا لم نسارع إلى الاعتراف بأن المثقف الواعي -حتى ولو لم يكن مؤرخا- يمكنه بسهولة التفريق بين ثلاثة طرز من الحركات أو النظم الانقلابية، وعلاقات القيادات الانقلابية في هذه الطرز بالخطاب الإعلامي، وما تعكسه هذه العلاقة اللفظية من طبيعة علاقة قادة الانقلابيين بعضهم ببعض.

وهنا نجد أنفسنا أمام ثلاثة أنواع من الانقلابات:
ففي الحالة الانقلابية الأولى -التي هي (فيما تصوره عن نفسها) تبدو وكأنها الأقرب إلى السياسة  والعمل السياسي، ومفاهيم الصراع الاجتماعي- تأتلف مجموعة من الضباط من أجل الانقلاب (أو باللفظ الأرق أو الأكثر تجملا وقبولا: من أجل التغيير) حتى ولو لم تكن رؤاهم متحدة فكريا.

وهنا تكون الأهداف المعلنة -مهما تعددت وتباينت- أهدافا رحبة وذات مغزى، بل وتبدو مرتبطة حقيقة بالتقدم والإنسانية، وتكون أغلب التصريحات حريصة على التبشير بالازدهار والتقدم، وعلى إثبات نجاح بعض الخطوات، والمضي في العمل من أجل تحقيق نجاحات أخرى.

وفي الحالة الانقلابية الثانية -التي لا تقل شيوعا، وهي الحالة التي تصف نفسها بالتصحيح (أو الثورة التصحيحية أو الحركة التصحيحية)، فإن التصريحات تعلن بوضوح أن الانقلاب يستهدف تصحيح وضع معين، مثل الانتقام لهزيمة أو خيانة (فعلية أو مصورة أو مفبركة على نحو متقن). وهنا تكون التصريحات أكثر تحديدا وأشد حزما وتركيزا على قدرتها على تحقيق الهدف (الوطني أو الطائفي) الذي فشلت القيادة الوطنية القائمة (التي سوف تصبح بالانقلاب: سابقة) في تحقيقه.

أما في الحالة الثالثة -التي لا تمثل إلا مجرد انقلاب عسكري على الممارسة الديمقراطية نفسها- فإن التصريحات تعبر بوضوح وبلا لبس عن رفض أنواع وصور عديدة من الممارسات الديمقراطية، وتنسب إلى هذه الممارسات مشكلات اقتصادية وأمنية لا علاقة لها بها.
وفي المقابل فإنها تصور بطريقة محمومة ما تحسه (كذبا) من شدة الظمأ إلى الحسم والانضباط وهيبة الدولة، وتصل في تصويرها هذا إلى حدود غير مقبولة فكريا ولا إنسانيا، من قبيل الجهر بعبادة “البيادة” وتقديس “الكاب”… إلخ.

وعلى سبيل التقريب أيضا، فإنه إذا كان ما حدث في العراق في 1958 وفي مصر في 1952 من النوع الأول، فإن انقلاب هواري بومدين في منتصف الستينيات وحافظ الأسد في بداية السبعينيات من النوع الثاني، كما أن انقلاب السيسي -ومن قبله بعض الانقلابات العسكرية السودانية- من النموذج المجسِّد والموضِّح أيضا للنوع الثالث.

ومن العجيب أن الخطاب السياسي لهذا النوع من الانقلابات يمكن اختزاله في عبارتين: الأولى هي أن النجاح السياسي مرفوض، والثانية هي أن النجاح الاقتصادي مستحيل.

ولأن السياسة الواقعية لا تعرف الفراغ المطلق، فإن الأمر يصبح بحاجة إلى التغطية على الفشل في النجاح الاقتصادي بالحديث عن مشروعات كبرى، واستغراق الطاقة المعنوية والسيولة المادية في هذه المشروعات.

وكذلك يصبح الأمر بحاجة إلى التغطية على رفض النجاح السياسي باصطناع ما يصور على أنه نجاح في العلاقات الخارجية، أو الإفراط في مقابلة الرؤساء الأجانب، أو اصطناع صورة براقة من حركية الدبلوماسية النشطة فيما لا يعدو أن يكون تحركات شكلية، حتى ولو كانت حركة بلا بركة، أو بالأحرى فيما لا يعدو أن يكون حرثا في البحر.

وفي المقابل، فإن النجاح السياسي -الذي يتمثل في الخطو نحو الديمقراطية وفي طريقها- يصبح في تصريحات قائد الانقلاب (أيا ما كان اسمه) أمرا لاحقا، ولا يعدو أن يكون فيما يرويه من ذكريات (عابرة أو مروية) سلوكا معطلا للإنتاج، وليس في مصلحة البلد ولا مصلحته هو ولا مصلحة المواطنين.

ومع أن مثل هذا القائد قد قـُدّم وصُوّر في بداية الانقلاب على أنه جاء بمظاهرات وصلت إلى أرقام غير مسبوقة سينمائيا، فإن موقفه مع الأيام لم يخرج عن أربعة محاور واضحة وضوح الشمس في توجهها بعيدا عن النجاح السياسي.

أولها وأخطرها: أنه عبّر بأقصى شفافية عن أنه يؤمن بأنه غير مدين لأحد، فهو: الحابس (للرئيس)، المنقلب (عليه)، القوي (على جنوده وقادته)، الفاضض (للاعتصامات)، المُدَسْتِرُ (لما لا حاجة إليه من دستور بديل)، الممثل (لكل الأدوار التي تتطلبها المسرحيات المضروبة أو المصكوكة). وهو يؤمن أيضا إيمانا عميقا بأن كل ما عداه باطل، وهو يؤمن أيضا بعمق أنه هو وحده يمثل عنصر النجاح الفعلي والوحيد لما حدث من تغيير في السلطة ووجود للانقلاب.

وثاني هذه المحاور هو أنه ينطلق من عقيدة أن حكم الوطن حق موروث وموّرث للعسكريين لا لغيرهم، وأن الوصول إلى السلطة بقوة الديمقراطية (متمثلة في أصوات الشعب) هو خروج على النص الذي آمن به، وبالتالي فإنها شكليات تالية لا تغير من الحقيقة الجوهرية شيئا.

وفي المقابل وعلى العكس، فإن الشكليات المناقضة في المرحلة التالية للاستيلاء على السلطة بقوة السلاح لا تسلب هذه الحقيقة الجوهرية شيئا، وببساطة شديدة فإنه يجاهر بأن صوت الشعب لا يمنح سلطة!! كما أنه لا يسقط نظاما!!

وثالث هذه المحاور أن المظاهرات كانت وسيلة للتغطية على قراره بإخراج الرئيس الشرعي من السلطة، لكنه لن يسمح لها بأن تخرجه هو تحت أي ظرف من الظروف، حتى ولو اقتضى هذا قتل الآلاف أو سجن عشرات الآلاف أو نفي مئات الآلاف، وحتى لو تنامى تكرار المواجهات العنيفة في كل يوم وليلة!!

ورابع هذه المحاور أنه لا يؤمن بتاتا بحرية التعبير، ولن يسمح بها تحت أي ظرف من الظروف..، لأنه في عقيدته يعرف ما لا يعرفه الناس عن أنفسهم وعن مصلحتهم وعن استحقاقهم، أو بالأحرى عن عدم استحقاقهم للديمقراطية.

ويرتبط بهذه المحاور محور موازٍ في معاملة الخارج، يتمثل اختصارا في احتقار شديد وعميق وغير معلن  للمجتمع الغربي، يتوافق -بل يتطابق- مع ما هو معروف للعامة من عقيدة ثابتة عند كثيرين من أبناء الطبقة البعيدة عن الثقافة، وخاصة في المجتمعات الشعبية القاهرية.

وهي عقيدة غريبة تذهب إلى القول بأن المجتمعات الأوروبية تقوم أخلاقها العامة وأخلاقها السياسية أساسا (وفقط) على الصور المتعددة من العهر السياسي والاقتصادي والأخلاقي، ومن ثم فلا خوف من هذه المجتمعات الغربية ومسؤوليها على مثله من الحكام!! ولمَ لا؟؟ وهو الغني القادر على تقديم الرشوة مما يتحكم فيه أو مما يتملكه.

وهكذا ينظر الانقلاب إلى قدرته الفائقة على استدراج المجتمع الغربي إلى تأييده والاعتراف به، والإشادة بهمته في القضاء على طلائع الإسلام السياسي!! وكأن الإسلام السياسي وباء يمكن أن ينحسر بالسلاح.

ومن العجيب أن وباء الكوليرا الذي هو وباء مروع قد أثبت -على مدار ذُرى انتشاره- أن كل الأسلحة الطبية واللوجستيات من نقل وعزل لم تقدر لا على حصاره ولا على انحساره، لكن القائد يرى نفسه وفعله استثناء من حركة التاريخ!!

وهكذا فإن الانقلاب أصبح الآن لا يبحث عن نجاح سياسي حقيقي على أي مستوى: لا في الداخل ولا في الخارج. وبعد أن جلس الانقلابيون في الكراسي -التي قتلوا أهاليهم من أجلها- أصبح أقصى ما يمكن أن يصل إليه اهتمامهم بالرأي العام هو أن يلتقط مصورو وكالات أنباء (يصفهم نظامهم بأنهم مختارون ومرحب بهم ومكافَؤون مقدّما) صورا لترحيب صناعي في الغردقة!!

بل إن الانقلاب قد فرط الآن (تماما وعلانية) فيما كان قد بدأ فيه من أن يحضر انقلابي ما (مهما كان شأنه الضئيل في نظر الانقلابيين أنفسهم) مؤتمرا في الغرب، ليتحدث فيه عما يسميه الأمل في نجاح تجربة التحول الديمقراطي في مصر!! بل لقد اختفت الآن تماما العصبية المفتعلة التي كنا نواجهها من أنصار الانقلاب حين كانوا يقولون: إنها ثورة وليست انقلابا!!

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: