كتاب مفتوح إلى الرئيس عباس.. (بقلم/ رافت فهد مرة)

سيادة الرئيس محمود عباس/ رئيس السلطة الفلسطينية

أكتب لكم هذه الرسالة بعد الانتصار الكبير الذي حققه شعبنا الفلسطيني وقوى المقاومة، وبعد الانتصار المميز في معركة غزة، التي كانت معركة كل فلسطين، ومعركة جميع المقاومين المخلصين الشرفاء، ومعركة أمتنا وأحرارها المسلمين والمسيحيين.

أكتب لك هذه الرسالة، بعد الانتصار في غزة على أشد هجمة وحشية صهيونية استهدفت أهلنا الآمنين الأبرياء، استخدمت فيها آلاف الأطنان من المتفجرات، وآلاف القنابل، وأكثرها تطورا في القتل، وأشدها دقة، لدرجة أن كمية المتفجرات التي أطلقت فاقت ما استخدم في جميع الحروب مع العرب.

وقد بلغ الحقد والإرهاب الصهيوني مستوى لم يبلغه من قبل، دون أي رادع أو وازع، ليظهر الاحتلال أنه لا يمتلك أدنى ذرّة من الأخلاق، وليثبت جيشه أنه لا يمتلك أية ذرة من القيم، لأن كل غاراته واعتداءاته كانت على أهداف مدنية، من منازل ومستشفيات ومدارس ومساجد.

وكان الاحتلال ينتقم من الأطفال والعائلات والأشجار، حتى الأموات في المقابر لم يسلموا من عدوانه الهمجي، لدرجة أن أشد أصدقاء الاحتلال لم يتحملوا إرهابه هذا، بل أكثر من ذلك أن اليهود أنفسهم وضحايا النازية والناجين من المحارق لم يستطيعوا تغطية إجرام نتنياهو وإرهاب حكومته، إضافة إلى الشعوب الأوروبية والأفريقية وأميركا اللاتينية.
أكتب لك سيادة الرئيس، بعد انتصار غزة، بعد هذا الإنجاز العسكري المذهل الذي حققته المقاومة الفلسطينية، التي فاجأت الاحتلال بتخطيطها وبأسلوبها في إدارة المعركة والتحكم بمجرياتها، والسيطرة على الميدان، والتطور العلمي في قدراتها، وبعدما فاجأت العالم بالسلاح النوعي الذي قال عنه أحد الجنرالات الصهاينة إن كتائب القسام أدخلت سلاحا جديدا خامسا إلى الحرب، بعد أسلحة الجو والبر والبحر والمدرعات، وهو سلاح الأنفاق، الذي حاصر قوات الاحتلال المتقدمة في أكثر من محور، وقتل من نخبة النخبة، في معركة واحدة، ما عجزت عن قتله كل جيوش العرب.

وكنا نسمع صرخات جنود الاحتلال، واستغاثاتهم عبر وسائل الإعلام، مثل الجندي الصهيوني في “ناحال عوز” الذي كان يصرخ “أمي.. أمي”.

في معركة غزة، كان جنود الاحتلال يهربون، يصابون بالذعر، بالهستيريا، يرفضون أداء الخدمة، يتمردون على الأوامر، يعلنون معارضتهم للذهاب إلى “أرض الموت”.

في معركة غزة، هرب المستوطنون الصهاينة، تفرّقوا داخل وطننا المحتل، فقدوا الثقة بجيشهم وكيانهم وقيادتهم، تحطمت أمامهم الأسطورة، تهشمت أمام أعينهم نظرية الحماية، سقطت نظرية الردع، انهارت نظرية التفوق، تهاوت صفات “المنتصر” “الذي لا يُقهر” “أقوى جيوش المنطقة”.

أكتب لك سيادة الرئيس، بعد الانتصار في غزة، حيث عادت فلسطين القضية الأساسية، وأعاد صمود شعبنا وتضحيات أهلنا ومقاومينا فلسطين إلى مكانتها العالمية، ومنطلقاتها السليمة، وخصائصها الثابتة باعتبارها قضية حق وعدل وحرية، في مواجهة الظلم والإرهاب والاحتلال.

كما استطاع الفلسطينيون أن ينتصروا على الاحتلال، فوقفت معهم وإلى جانبهم شعوب العالم في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا الشمالية والجنوبية، وعادت المسيرات في هذه الدول تذكّر بوقفة العالم إلى جانب الحق الفلسطيني ومقاومته طوال سبعين عاما، وهي مشاهد تضامنية افتقدناها منذ اتفاق أوسلو عام 1993، وجريمة الاعتراف بـ”إسرائيل”، هذا الكيان المنبوذ، قبل أن يفتح له الاتفاق باب الاعتراف الواسع بحجة أن الفلسطينيين اعترفوا به، وهو ما أحرج معظم الشعوب والأنظمة الصديقة.

أكتب لك سيادة الرئيس، بعد الانتصار في غزة، أن التضحيات الفلسطينية الغالية، وأن الدماء التي سالت، وأن عرق وتعب المجاهدين، يجب أن يصان، وأن يستثمر وألا يفرّط به. وأن هذا النصر التاريخي الذي تحقق على الصهاينة وهدد مصير الاحتلال، والذي تستطيع أنت أن تقرأه وتجده وتلمسه في مواقف قادة الاحتلال، وتحليلات معلقيه، وتعليقات سياسييه، يجب أن يُحفظ ويُصان ويُستثمر.. وأن أولى الخطوات لذلك هي ما يأتي:

1- الاعتراف بهذا الانتصار، وبالدماء التي أريقت دفاعا عن الأرض والإنسان، واحترام تعب المجاهدين، وعطاءات الشهداء والجرحى والأسرى والنازحين، ومشاعر أهلهم الذين صمدوا وضحّوا، واعتبروا هذه التضحيات ثمنا للحرية والتحرير والعودة. وكانت عائلات الشهداء والجرحى، والعائلات التي دمرت منازلها، هي أكثر العائلات تمسكا بالمقاومة وإنجازاتها، وأكثرها حرصا على تحقيق إنجازات ومكاسب سياسية توازي ما بُذل من دماء وأموال.
المطلوب الاعتراف بالانتصار، أو بانتصار، لا فرق، لأن لهذا الاعتراف معنى سياسيا كبيرا، ويبدو أن فريقك لا يعترف بالانتصار، لأنهم لا يريدون أن يعترفوا، لأن الانتصار يحرجهم، ويضعفهم سياسيا، ويعطي مصداقية لإستراتيجية المقاومة، نقيض التفاوض والاعتراف والتنسيق الأمني. عليكم أن تعترفوا بأن المقاومة انتصرت وهزمت الاحتلال.

2- إن أهم خطوة يجب أن تكون في السياسة، فالسياسة هي التي تحمي وتحفظ التضحيات والانتصارات، أو هي التي تفرط بها وتبيعها في سوق الصفقات.

وإن أهم موقف سياسي اليوم يتمثل في مسائل الدفاع عن الأرض والإنسان، والإسراع في الإعمار والإغاثة وفتح المعابر، وحرية حركة العمال والمسافرين والمزارعين والصيادين، وانتقال الأموال، وتسديد رواتب الموظفين، والتعويض للمتضررين، وربط الوزارات في الضفة وغزة ببعضها، وتشغيل المرافق وبناء ما تضرر من البنية التحتية.

وهذا يجب أن يكون من خلال موقف قوي يمنع الاحتلال من التلاعب أو التجاوز أو الضغط.
3- بعد معركة غزة، من المفترض أن تتم حماية اتفاق المصالحة، وتشغيل الحكومة الوفاقية، بكفاءة وبدون تمييز، وعقد اجتماعات القيادة الفلسطينية الموحدة، وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وإحداث تغيير جذري في عمل هذه المؤسسات من النواحي الإدارية والتنظيمية، ووقف التنسيق الأمني، ووقف اعتقال كل مقاوم ووطني وشريف في الضفة الغربية، وكل شاب أو فتاة يواجهون الاحتلال، يرفعون علم فلسطين، يُلوّحون براية خضراء.

عليك أن توقف ملاحقة المقاومين للاحتلال بالسلاح أو بالأساليب السلمية، أو بالحجر، أو نشطاء التواصل الاجتماعي، الذين لم يسلموا من ملاحقة أجهزتك.

4- بعد معركة غزة، والانتصار الفلسطيني، تبين بشكل واقعي وموضوعي أن المقاومة توحد الفلسطينيين، وتجمعهم، وترفع رأسهم، وتحيي فيهم الروح المعنوية.

إن الفلسطينيين، في الداخل والخارج، إسلاميين ويساريين، وطنيين وقوميين، مسلمين ومسيحيين، توحدوا حول فلسطين والمقاومة، بشكل ليس له مثيل، لم نشاهد مستواه من قبل، توحدوا على الأهداف والوسائل، على المشروع، على جوهر القضية الفلسطينية.

إن الوحدة الوطنية هذه المرة كانت وحدة شعبية حول المقاومة، وإن مظاهر الابتهاج والفرح عند قصف تل أبيب وديمونا، أو عند أسر جنود الاحتلال، هي استفتاء على مشروع سياسي، أكثر مما هي على حدث، وإنها تعبير عن هوية وعن مشروع وطني جامع، أكثر مما هي تعبير عن نصر عسكري، وإنها إعلان ولاء لخط المقاومة الهادف إلى إزالة الاحتلال وعودة جميع اللاجئين.

لعلك -سيادة الرئيس- قرأت أن شعبنا لم يقف هذه الوقفة، بهذا الشكل من الوحدة والتضامن حول اتفاق أوسلو، ولا حول الاعتراف، ولا حول لقاءاتك بالاحتلال، ولا حول سياساتك التفاوضية، ولا حتى دعما لسلطتك ولا حتى يوم انتخابك.

إن لم تقرأ -سيادة الرئيس- ما في قلوب وعقول الفلسطينيين، فأنت “سيد خطأ” سيادة الرئيس.
إن ما في قلوبهم وعقولهم يحكي عن تمسك بالأرض، وتحرير الوطن واعتزاز بالهوية.
هل تعرف -سيادة الرئيس- لماذا كانت هذه الفرحة في نفوس شعبنا؟!
لقد كانت فرحا بالانتصار، فرحا بإذلال الاحتلال، فرحا بالانتقام من آسري أبنائنا، فرحا بالثأر من العدو الذي هدم المنازل، وصادر الأراضي، وأحرق أشجار الزيتون، ودنّس المقدسات الإسلامية والمسيحية، واعتقل آلاف الأبطال والشرفاء، وعذب الأطفال، وحاصر أهلنا في غزة، ونكل بأهلنا في الضفة والـ48، ومنع عودة اللاجئين.

هل تعرف لماذا كانت هذه الفرحة؟!
لقد كانت فرحا برؤية جنود الاحتلال مهزومين، مقتولين، مأسورين، ممزقين، هؤلاء الجنود الذين يعتدون على الأبرياء، والذين تحميهم أجهزتك الأمنية في الضفة الغربية وتمنع شبابنا من الوصول لهم.

إن شعبنا شعر بالنصر، لأن مقاومتنا انتقمت لشهداء دير ياسين وصبرا وشاتيلا وقبية وكفر قاسم والطنطورة والخليل.

لأن شعبنا شاهد المستوطنين يفرون كالفئران من الخوف، يختبئون في المجاري والملاجئ، يصرخون من الرعب، ويفرون من مناطق لم تكن أرضهم.

إن عيون أهلنا تنبض بالفرح، لأنهم شاهدوا أرضهم أمام أعينهم، وشعروا اليوم حقيقة وواقعا بإمكانية النصر القريب، الممكن، القادم، وإمكانية العودة إلى بيوتهم وأرضهم.
سيادة الرئيس
نحن أمام منطق تاريخي، إن أدركت وأحسنت قراءته وفهمه واستيعابه، أرحت نفسك وأرحتنا. وإن لم تحسن قراءته واستيعاب دروسه، أدخلتنا في نفق مظلم جديد، وفي صراعات داخلية، وسوف تدمر ما أنجزه المقاومون، وتخرّب ما صنعه شعبنا، وتفرط بهذه التضحيات الرائعة التي ليس لها مثيل.

إن لم تحسن قراءة هذا التحول، ستؤخر علينا النصر، وستعيدنا إلى مربع الصراعات والانقسامات.

الشعب صار في مكان آخر.. هل تدرك؟
فلسطين رجعت إلى عالمها.. هل تعي؟
المفاوضات فاشلة.. هل تستوعب؟
المقاومة هي الحل، لعلك تقتنع!

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: