كسر حاجز الخوف طريق لقهر الاستبداد.. (مقال/ الكاتب جهاد صقر)

كسر حاجز الخوف طريق لقهر الاستبداد.. (مقال/ الكاتب جهاد صقر)

أهم إفرازات سحق إرهاب الثورة المضادة لثلاثية أحلام شعوب الربيع العربي “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”، تشكُّل حاجز من الخوف لدى الشعوب، منعها من استحضار مضامين تلك الثلاثية لتمسي نسيا منسيا.

واقع الشعوب -إذن- حاجز، بل أسوار من الخوف عصيّة على الكسر والاختراق، شُيِّدت بإتقان يحول دون تكرار أنصاف ثورات ربيع عربي يوما ما، أما عملية التشييد ذاتها فتطلبت تجميع ما لا يخطر على البال من أدوات الاستبداد بشكل غير مسبوق.

وجد العربي الجديد نفسه معها أمام إمبراطورية من الرعب عنوانها ثورة مضادة ضمت أشكال الدولة الشمولية التي عرفها الإنسان، واستحقت بجذورها الضاربة محليا وعربيا ودوليا وصفها بالمؤامرة الكونية.

فمن دولة بوليسية يكون فيها الشرطي مجرما والمجرم شرطيا، إلى دولة الحكم العسكري الذي يتحكم فيه العسكري في مفاصل الدولة ومشاريعها، بل وصناعة الخبز فيها، إلى دولة محاكم التفتيش حيث تجتمع وظيفة الجلاد والقاضي في شخص واحد، إلى دولة “مافيا” الخطف والقتل خارج نطاق القانون النظري على الورق، إلى دولة البلطجة بنسختها العربية الحديثة، إلى الدولة العميقة بمصالحها المتقاطعة بين مراكز القوى وثلة اللصوص القدامى والجدد.

يقود التسلسل ذاته إلى دولة الاستبداد الوظيفية، التي تقوم بالمهمة نيابة عن استعمار عصر العولمة والهيمنة الدوليين، إلى دولة المخابرات التي تضم ما يزيد على عدد أصابع اليدين والقدمين من لافتات الأجهزة الاستخبارية الجوية والبحرية والبرية التي تتنصت حتى على هواء الشهيق والزفير معا. تكامل فريد لمنظومة إرهاب شامل بشقيه: إرهاب الدولة وإرهاب التنظيمات العابرة معها والمصنوعة -هي الأخرى- على عين أجهزة الاستخبارات.

طوفان رعب الثورة المضادة أعاد تشكيل شعوب الربيع العربي إلى فريقين: أولهما مُدجّن تحت سوط إرهاب دولة أو إمبراطورية الرعب. وثانيهما عصيّ على التدجين، له في خصخصة المعارضة والثورة تحت لواء التنظيم العابر نصيب؛ ثنائية فرز فريدة تسد الآفاق أمام الطريق الثالث، طريق المعارضة والثورة خارج قناتي الدولة الفاشلة والتنظيم الصاعد.

مثل هذا الاحتكار من قبل ثورة مضادة للسلطة والمعارضة في آن واحد، يندر أن يجد المرء في التاريخ له مثيلا، وإن كانت المعارضات الشكلية في ظل الأنظمة الشمولية هي المثال الأقرب، لكنها معارضات “مايكروفونية” غير مسلحة بالصوت والصورة والرشاش والدبابة كما هي الحال مع خصخصة معارضة اليوم في ظل الثورة المضادة.

إن منظومة استبداد بمثل هذا القدر من التغول على كرامة الإنسان وحقه في دولة قانون بعيدة المنال، لشاهد حي على نجاح الثورة المضادة في بناء الشعور الجمعي في أن كسر حاجز الخوف من “الإرهاب المركّب” مستحيل.. خوف يصبح معه مجرد التعبير عن الرأي في الشأن العام مصدر رعب، ناهيك عن التفكير في تغيير الأوضاع -إن لم نقل إزاحة الاستبداد نفسه- ليغدو اليأس الجمعي من جدوى أي تغيير عبر الحراك الثوري حقيقة لا تتزحزح.

إن الخوف الإنساني من مظاهر البطش والتنكيل شيء فطري، فكيف الحال إن قُدمت للوعي الإنساني من حالات البطش والتنكيل والتعذيب والقهر ما يندى له الجبين؛ عبرة لمن يعتبر ومن لا يعتبر؟

خوف تراكمي بهذا القدر على المستوى الفردي، وحاجز خوف شاهق بهذه الضخامة على المستوى الجمعي كيف السبيل لعلاجهما، بما يعيد لروح الثورة على الواقع بريقها، مقدمة لمواجهة منظومة دول الاستبداد، على طريق إقصائها من المشهد والذاكرة؟

تتعدد الوصفات بين بث الشعور بالأمل والتخلص من اليأس بين الناس، غير أن أقصر طرق الإجابة تكمن في الاستفادة من كينونة الإنسان ككائن اجتماعي يتعاظم شعوره بالأمان وسط مجموعة تتشارك معه الأهداف والأحاسيس، وهي خاصية بشرية تغري أنظمة الاستبداد بتبديدها -بكل ما تقدمه لأصحابها من إحساس بالحماية- بوسائل التفرقة على قاعدة “فرق تسد”، ومنها إشاعة الاستقطاب الطائفي والمجتمعي والطبقي، وما شيطنة الطرف الآخر -باستعداء باقي مكونات المجتمع ضده- سوى نموذج متجدد تعيشه مجتمعات الربيع العربي.

الروائي خالد إسماعيل يرى “أن الثورة فعل تراكمي كمي يؤدي إلى تراكم كيفي، يتمثل في عودة العمل الجماعي بين المواطنين بما يكسر حاجز الخوف من السلطة ويعزز التمسك بالحق، دخولا لقاموس جديد في حياة الطبقات الشعبية من مفرداته كلمات: مسيرة ومظاهرة ووقفة”.

صحيح أن أنظمة الاستبداد تخطت الخطوط الحمر والصُّفر في مقابلة مفردات مسيرة ووقفة ومظاهرة بأخرى من قبيل مقتلَة وإبادة ومجزرة، بما يقوي جدار الخوف الماثل بين الطرفين، لكن يبدو أن تلك الأنظمة تناست أن سلاح الخوف متغير ذو حدين، وأن مربط الفرس هنا هو “الأمن” المتغير هو الآخر.. شعور طرف بالأمن يقابله اهتزاز لهذا الشعور في الطرف المقابل، والعكس صحيح عند انقلاب الموازين.

والواقع أن التجربة المصرية في الحشد فريدة في كسر حاجز الخوف لدى الجماهير، إذ يتم فيها الاتفاق على تجمع الثائرين السلميين في مكان محدد، لتنطلق المسيرة داخل الأحياء مع دعوة المارة لعدم الخوف والانضمام للجموع المتزايدة بهتافات تحمس المشاعر مما يزيل مشاعر الخوف تدريجيا، يضاعف من ذلك قرب الناس بعضهم من بعض وتواصلهم -لا تفرقهم- إلى أن تنتهي التظاهرة بصلاة جماعة.

قد تُسقط أزمة اقتصادية أو فضيحة اجتماعية حكومة -لا نظاما- في الأنظمة الديمقراطية، أما أنظمة القهر والاستبداد فلا يسقطها برمّتها سوى اهتزاز منظومة الأمن التي عليها تحيا وعليها تموت، ومن أوجه اهتزاز منظومة الأمن فقدان المستبد السيطرة على التجمعات السكنية والحيوية.

وبما أن شعور الثائرين والمنتفضين بالأمان -عند سيطرتهم على منطقة ما- جمعي تصاعدي، يظل هذا الشعور قابلا للتصاعد وسيادة الموقف ككرة ثلج متدحرجة تشيع على امتداد الطريق حمى الخروج الأزلي من سيطرة المستبد الأمنية.

باقي القصة معروف؛ ارتخاء قبضة إرهاب الدولة المنظم في احتواء الموقف، يقابله دفع الثورة المضادة بكل ثقلها وراء إرهاب التنظيم العابر بمسمياته المختلفة، مغدقة عليه من السلاح والمال ما يفتقده الثوار، وما يجعله سيد الموقف.

وحول هذه النقطة يقول الباحث الألماني يوخن هيبلر “إن زعزعة بلد -مهما كان حجمه وثقله الجيوستراتيجي- ليست رهنا بانتفاضة أغلبية شعبية، بل يكفي 2 أو 3% من السكان من خلال أعمال عنف متفرقة أن يبثوا الخوف والذعر في القلوب” لدى البعض، وإشاعة الاطمئنان والثقة لدى البعض الآخر.

إن توسع الثورة المضادة وإفراطها -بلا رادع- في حلول دموية بوجه مسيرات شباب سلمية لن يدوم طويلا، وكما فشل خيار “الدعشنة” في استقطاب الكثيرين كما كان متوقعا، يصبح السيناريو الأقرب لمستقبل الحدث اعتماد سلمية شباب الثورة كل ما يلزم من وسائل القوة لحماية ثورتهم، وكل ما من شأنه منح الثائرين والمنتفضين الشعور بالأمان في الميدان على قاعدة البادئ أظلم.

ما يهم هنا تفنيد عدد من المغالطات التي لا يفتأ يروجها إعلام الثورة المضادة ويرددها بعض المخدوعين دون وعي:

أولها، النتائج الكارثية لعسكرة الثورة مع إيراد الثورة السورية شاهدا وهي مغالطة فادحة، وكأن سلمية من قدموا أعناقهم لهولاكو حالت دون تشييد أهرامات من جماجم من تركوا السلاح والمقاومة في العراق والشام، وكأن ستة شهور من سلمية الثورة في سوريا شفعت للناس دون أن يستحيلوا جثثا تحت الأنقاض أو خشبا مسندة كالدومينو يجتاحها وابل الرصاص، أو هياكل عظمية تحت تعذيب أجهزة مخابرات المقاومة والممانعة.

والحق أن تجاوز عسكرة الثورة السورية مراحل المخاض الدولية واحد من إبداعات الثورة السورية، يشهد على ذلك أن خمس سنوات من دعم المعتدي -لإبادة الإنسانية- بأحقر الأسلحة المادية والمعنوية، وحصار شعب معتدى عليه وحرمانه من مظلة الحماية والغذاء، وما يدافع به عن نفسه بالسلاح على غرار الحالة البوسنية، ثم اتهام المعتدى عليه وكل من يتعاطف معه بالإرهاب، وسواها من صور الانحطاط الدولي بعمقه المحلي؛ لم تكسر إرادة شعب، بل ردت الكيد رغم كل التحديات لمعسكر الثورة المضادة، لتفرض الثورة نفسها رقما يتمدد على حساب أصحاب الشعارات سواء “معاك يا أسد إلى الأبد” أو “باقية تمدد”.

المغالطة الثانية، تلويح كل مستبد لشعبه المستكين بمصير الإبادة والدمار على شاكلة سوريا والعراق إن عاود الثورة، وهو ما يسهل تفنيده باعتبار استحالة استنساخ نموذج إبادة حكم الطائفة في سوريا والعراق في غيرهما، يشهد على ذلك خلو جيوش الطوائف من مكون الثورة المستهدف بالإبادة، ألا وهو المكون السني.

ففي بلد راجت فيه المغالطة كمصر تجد من يؤيد ومن يعارض النظام أولي قربى تحت سقف واحد، وليسوا منعزلين طائفيا متباعدين مكانيا في القرى والحواضر كغالب القوم في العراق وسوريا، بما يسهل قصف أحياء وقرى بأكملها بالبراميل المتفجرة هناك.

أما المراهنة على حرب أهلية أو حتى طائفية بانحياز مليشيا الكنيسة الأفضل تسليحا من الثوار لمعركة النظام بوجه الثوار، فمراهنة يراها الكثيرون -حتى من الأقباط- خاسرة بالنسبة لمستقبل الطائفة، مع تبين فداحة خطأ انحياز الكنيسة للانقلاب العسكري في وجه تحول ديمقراطي أفرزته الجولة الأولى من الثورة.

من دروس الربيع العربي إذن، أن ما يكسر سيطرة إرهاب واستبداد الدولة والتنظيمات -وكلاهما عابر- هو حماية فعاليات الثورة نفسها ذاتيا، وبسلاح مجهوليها، إذ يجردون زبانية أمن المستبد من ميزتي السيطرة وقوة النيران، وبنهج كَر وفر وانسحاب، وبالمد الشعبي بحماية وسد الطرق واستهداف آليات زبانية المستبد، ليفقد السيطرة على الأحياء ومعها مراكز الأمن والتعذيب بكل ما تضمه من وسائل البطش. إن من يستطيع حماية ثورته وانتفاضته، قادر ولا شك على حماية مشروعه لحين بلوغه منتهاه.

هوية المجهولين الذين يحمون ثورتهم هنا أو هناك لا تهم، وفي بلد كمصر تجنب طويلا خيار عسكرة الثورة، لن تقتصر القائمة مستقبلا على أسماء العقاب الثوري ومولوتوف والمقاومة الشعبية وأجناد مصر، بل ستطول، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وعلى قدر إجرام الثورة المضادة يتولد في جسد ثورة الشعب من الأجسام المضادة ما يجعل حلول الثورة المضادة عقيمة لا تؤتي أكلها أبدا بعد ذلك.

وفي عالم لم يذق طعم الحرية دهرا، يغدو حال الثورة كحال الطفل الذي يتعلم المشي، قد يتعثر هنا ويسقط هناك أو يتكئ غير بعيد، ولكن يشتد العود مع تكرار المحاولة، ليمضي بلا عثرات في نهاية المطاف.

تنتصر الثورات لحظة كسرها حاجز الخوف، لتنقل خوفها لجلاديها على قاعدة أنه لا يجتمع أبدا على جانبي جدار الخوف القائم أو المكسور خوفان، بل خوف واحد؛ إما لدى هذا الطرف أو ذاك.

وبالاستبداد والحل الدموي تأكل الثورة المضادة نفسها قبل موعد تبادل الأدوار -أو التسلم والتسليم- بين الجلاد والضحية، وعندها سيعلم الذين ظلموا -بالكيد والرزّ والإعلام والبراميل- أي منقلب ينقلبون!

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: