” كفى اغتصابا للطفولة .. اجمعوا قذارة علمانيّتكم و انصرفوا ! ” … بقلم الناشطة السياسيّة أماني بوزيد

مع تنامي التهديد الحضاري الذي عرفته العلمانيّة في العشريّة الأخيرة , عرفنا في العالم الإسلامي عامّة و العربي خاصّة موجة ثقافيّة متميّزةَ الطابع , استماتت في الدفاع عن العلمانيّة , كوجهة نظر للحياة ,فغيّبت كلّ تقييم عقلي أو موضوعي وهي تُصوّر نمط العيش العلماني على أنّه نمط الحياة الأوحد المقبول و السويّ , و أنّ ما أفرزه الفكر العلماني من نظام حكمٍ ديمقراطي و من تصوّرات اقتصاديّة رأسماليّة و تصوّرات للنظام الاجتماعي و التعليمي …  هو الوحيد القادر على ضمان ما انتفض من أجله الشباب من كرامة و تحرّر و نهضة  ( و كأنه ليس النظام الذي ثاروا ضدّه )
و أمام المتغيّرات الفكريّة و السياسيّة التي عرفتها المنطقة العربية  ,و في مواصلةٍ لما كانت تمارسه المنظومة السابقة من استغباء ,  بحث البعض عن تفسيرات “سطحيّة”  لمشاكلنا الاجتماعيّة و الاقتصاديّة العميقة  , اختُزِل معظمها في اتّهام ما خلّفته فينا جذورنا العربيّة من “كسل و تواكل”  بدايةً , ثمّ امتدّت لاتّهام كلّ ما “خلّفته” فينا الثقافة الاسلاميّة من “كبت و ارهاب و رجعيّة “.

المفزع حقّا , أنّنا – شعبا و نخبة – لسنا بصدد خوض مبارزة فكريّة مترفة بين البدائل الحضاريّة  , حتّى تؤخذ ثورتنا مأخذ السخريّة السياسيّة و الفكريّة  . بل  إنّنا أمام جريمة في حقّ البشريّة , بدأت بالتجويع و التفقير و وهب الثروات للمستعمر الغربيّ .. و انتهت بضرب الهويّة و تهديد الفطرة البشرية و اغتصاب الطفولة
و هذا ما يجعل ضرورة تحديد المسؤوليّات و الأسباب فيما وصلنا إليه مختومة بحرمة الدّم و الشهادة , و ذاتُ الحرمة تجعل ضرورة إيجاد الحلول لما نعيشه واجبا جماعيّا .

و رغم أنّه على الصعيد الإجتماعي , تبقى شعوب البلدان الإسلاميّة  الأقلّ تضرّرا عالميّا , إلّا أنّنا لا نستطيع إلّا أن نقيّم الواقع في مقارنة بما يستحقّه الإنسان ( على ضوء ثقافتنا الإسلاميّة )  لا في مقارنة بقيمة الفارق في السوء بيننا و بين الشعوب الغربيّة .
لهذا , فمن الواجب الإشارة إلى أنّنا أمام واقع سيء إلى درجة مخيفة :

* في تونس بلغ عدد الأطفال المعتدى عليهم جنسيّا و الذين تقدّموا بشكايات للقضاء 248 طفلا و طفلة سنة 2011/2012 ( بحسب وزارة العدل و حقوق الإنسان و العدالة الانتقالية ) أمّا عدد الأطفال الذين لم يقع الإعلام عنهم و لم تتفطّن لهم عائلاتهم فالعدد يقدّر بالمئات
* بين 1000 و 1500 طفل يولد سنويّا في غير إطار الزواج , أي بمعدّل 3 أطفال يوميّا
* 50 بالمائة من الأطفال( بحسب تقرير اليونيسيف )  يتعرّضون إلى العنف في الوسط المدرسي إمّا من قبل الإطارات التعليمية أو من قبل زملائهم مع تزايد نسب تعاطي المخدّرات و الكحول بشكل معتّم  داخل المدارس الابتدائيّة و الإعداديّة
* 14 بالمائة من الأطفال ينقطعون عن الدراسة في مستوى الإعدادي و 10 بالمائة منذ الابتدائي سنة 2013/2014  ( 78 بالمائة منهم انقطعوا لأسباب ماديّة بحسب المنتدى التونسي للحقوق الاقتصاديّة و الاجتماعيّة )
* تفاقم مستمرّ لظاهرة أطفال الشوارع و لا أرقام محدّدة عن الظاهرة
من الملاحظ أنّه من خلال هذه الأرقام لم يقع التطرّق لتوصيف كلّ جوانب الواقع بكامل شرائحه و حساسيّاته , لا لأنّ واقعهم أقلّ بؤسا و لكن يكفينا أن نلمس ما يُحاك لمستقبلنا , ماذا نعدّ للغد و نحن نستقبله بأطفال محمّلين بشروخ الجهل و الأميّة و الاعتداءات و اليُتم ؟؟
إنّنا اليوم لا نحارب في يومنا فقط , بل في غدنا . و إنّه لا مستقبل لأمّة لا يُضمن حقّ أطفالها فيها .
يحاول المحسوبون على الثقفوت العلماني إيهامنا بأنّ المشاركة في الاتفاقيّات “العالمية” التي تعنَى بسنّ قوانين توحي بضمان حقّ الطفل و المرأة كفيل بأن يوقف النزيف , و لكن الأرقام تعود ثانية لتكشف زيف الواقع حين تعلن أنّ 20 بالمائة من أطفال العالم من الإناث يتعرّضن للعنف الجنسي و أنّ 10 بالمائة من الأطفال الذكور عالميا يتعرضون لذات الأمر ( بحسب تقرير منظّمة الصحّة العالمية )  و أنّ 57 مليون طفل لم يلتحقوا بالدراسة ( سنة 2011 ) و غير ذلك من الأرقام المفزعة و التي تعلن صراحة أنّ ما سمّي بالاتفاقيّات الدوليّة لم يكن يوما إصلاحا حقيقا لما خلّفته القوانين ذات المرجعيّة العلمانيّة .

الأخطر دائما , ليس ما يُسَنّ من بنود قوانين وضعيّةٍ عادةً ما تحمل بين طيّاتها كمّا هائلا من الثغرات و التناقضات – لضعف و نَقص التشريع الإنساني – و إنّما ما ترتكز عليه هذه القوانين من فلسفة . و فلسفة القانون هي  وجهة النظر في الحياة التي استمدتّ منها هذه القوانينُ شرعيّتها و تأويلها و التي  تمرَّر للشعوب لتفرض عليها طراز عيش و تفكير يسمح بالتعايش بين ما يتبنّاه الناس من أفكار و ما يرسمه لهم القانون من ضوابط  .

فالأخطر من القوانين العلمانيّة , هو ما يُغرس في الشعوب من بذور أفكارها .

ليس الإجرام الحقيقيّ فقط أن لا تسنّ قوانين ردعيّة تجرّم مغتصب الطفولة  – و الإغتصاب و الزنا في عمومه- , بل أن تفرّغ الجريمة من معناها و “قيمتها” البشعة و تُسوّغ للشعوب الإسلاميّة على أنّها “انحراف طبيعيّ” , لا يمسّ بحرمة النفس البشريّة , فيُعامَل مقترفها معاملة المُرتشي أو الغاشّ في الميزان , بل و تقوم الأبواق الإعلاميّة المأجورة بتحويل مثل هذه الجرائم إلى “يوميّ” قد يحدث و يتكرّر بل و قد يبرّره و يبيّضه بعض المرتزقة السياسيّة و الثقافيّة لإضعاف الضغط المجتمعي  كما يبرّرون اللواط و المخدّرات و تجارة البغاء .

و ليس الإجرام الحقيقيّ فقط أن يصبح الفساد ثقافة مسوّقَة و أن يبرَّر للزنا و يُشرعَن للعلاقات خارج إطار الزواج , بل أن يقع تحويل القضيّة من قبل تيّار نسويّ مأجور , من قضيّة أطفالٍ أيتام يولدون كلّ يوم في ازدياد مخيف و من قضيّة أطفال يحرمون دفء العائلة و الاستقرار النفسي و الإجتماعي بسبب التسويق للفساد و الزنا إلى قضيّة مساواة “غبيّة” بين المرأة و الرجل تنتصر فيها “الأم العزباء”  إذا ما استطاعت أن تهب ابنها لقبها كما يفعل الرجل , فتُلبّس المفاهيم و الحقوق  و يَضيع حقّ الطفل على الدولة و المجتمع .

و ليس الإجرام الحقيقي فقط أن تسمح المنظومة العلمانيّة بإيجاد كلّ ضمانات مجّانيّة العهر و ما تتسبّب فيه من إثارة هستيريّة للغرائز و الجوعات فتكون بذلك أوجدت أرضية و دواعي الإجرام و الشذوذ في شباب يعاني الفقر و الانتقاص و البطالة  بل أن تغيَّب الأسباب الحقيقة لكلّ هذا الإضطراب فيكون شمّاعة هذا الظلم الممنهج هو الموروث الثقافي الإسلامي و ليس الإثارة المجّانيّة و التعجيز الاقتصادي و ما يضخّ في المجتمع منذ الطفولة من صور متحرّكة و دروس مدرسيّة حول الجنس و العنف و الإجرام و فصل كلّ ماهو روحي عن القيم الماديّة بدل التأسيس لمفاهيم بنّاءة تؤسّس لثقافة الاستخلاف و العدل في الأرض  .

وقد يروِّج مثقّفو العلمانيّة إلى أنّ هذا الإجرام الممنهج إنّما تقوده لوبيّات فاسدة داخل المنظومة و لكن حقيقة الأمر أنّ التصوّر العلماني للدولة و للقانون هو المسؤول أوّلا و أخيرا إذ  لم يراعي حرمة الطفل و الإنسان فلم يؤسس لمحاربة أو للحدّ من هذا الفساد , بل برّره و أسّس له من خلال تصوّره عن الحياة و عن الإنسان فيها . و لعلّ أشنع ما قد جنته العلمانيّة على الطفل هو حذفه من المعادلة الإجتماعيّة و اختصار العلاقة بين الرجل و المرأة في علاقة صراع تريد من خلاله المرأة الانتصار و المساواة بالرجل الهاضم لحقوقها ( و تبرئة القانون ) فأسّست بذلك لتغييب دور المرأة في العناية بالطفل و تنشئته و أسّست لظروف تخدم المصلحة الاقتصاديّة العامّة ( و “امتيازات” المرأة في الظاهر ) و لا تخدم الطفل , فحُرمت المرأة في التنظير العلماني من حقّها على الرجل في النفقة ( أو على الدولة إن غاب الرجل ) برغم دورها المادي – اللا مأجور – في تنشئة الثروة البشريّة للدولة , كما لم يراعَى حقّها في التثقيف التربوي و إنشاء مؤسسات حكوميّة تثقيفيّة و تربويّة تعنى بالطفل و تخفّف هذا الدور عن المرأة التي تبقى الحاضنة الأولى للطفل في العالم و مهما اختلفت الدول و الحضارات . بل و غُيّبت المرأة من التصوّرات الاقتصاديّة للشغل و ظروفه كأمّ و حاضنة للطفل و حضرت بقوّة كشريحة واسعة من اليدّ العاملة البخسة التي تستغلّ في ساعات العمل الطويلة في قطاع النسيج أو القطاع الفلاحي أو غيره من القطاعات المجهدة .

تمتدّ و تتشعّب مسؤوليّة النظام العلماني في اغتصاب الطفولة تصوّرا و قانونا , الأمر الذي لا يمكن القبول بتواصله لا فقط لأننا نملك بديلا تشريعيا عادلا بل لأنّ الفطرة البشريّة التي زرعها الخالق فينا جعلتنا نرى الطفولة أمل اليوم و مستقبل الحياة , ولا يمكن بأيّ شكل من الأشكال القبول بقتل الأمل في شعوبنا التي يُغتصب حاضرها في كلّ يوم ألف مرّة

من اغتصب و ذبح طفل الأربع سنواتٍ , ليس القاتل الشاب وحده , بل من سنّ له القانون فحماه , و من هيّأ له الأرضيّة فأفسده , و من غيّب الأمن فأفرده و من بيّض جريمته  فأنقذه .. جميعهم مسؤولون سواءٌ كانوا سياسيّين أو مثقّفين أو إعلاميّين لا عن قتل هذا الطفل فقط بل أن يوجد أكثر من مذبوح و مغتصبٍ آخر …
إليهم جميعا و إلى كلّ من تحمّل مسؤوليّة “مثقال ذرّة ّ” فيما قد يحدث لأبنائنا :
كفى اغتصابا للطفولة .. اجمعوا قذارة علمانيّتكم و انصرفوا  !

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: