كن مسلماً

أيّها المسلم: لا ترضَ لكرامتِكَ ثمناً، وحاذرْ أنْ تعرضَها في سوقِ البيع، فإنّها الجذوةُ التي تملأُ صدرَكَ بأسبابِ الحياةِ والنّصر، وإنّها عطيّةُ اللهِ لك ومِنحتُهُ التي شرّفَكَ بها فلا تساومْ على ما في صدرِكَ من السّرِّ العظيم، فإنّهُ سبحانَهُ القائل ((ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)).

فما بالُكَ بنفسِكَ وأنتَ خيرُ الآدميّين:

مَنْ يُصيِّرْ حُسنَهُ رهنَ المزادْ

يسرعِ الشّرُّ لهُ من كلِّ وادْ

فلا تخفِرْ ذمّةَ اللهِ فيكَ ولا تضيّعْ هبتَهُ سدىً، وأحطها بالعنايةِ والمداراة، فإنّ في ضياعها الخسرانَ المبين.

واعلمْ أنّهُ لا سيادةَ بلا كرامة، وأنّهُ إذا سقطتْ كرامتُك لم تكنْ أهلاً للخلافة في الأرض.

واعلمْ أنّ (النّيابةَ الإِلهيّةَ في هذه الدّنيا هي أعلى درجاتِ الرُّقيّ الإنسانيّ  ونائب الحقّ (الله) خليفةُ الله في الأرض، وهي أكملُ ذاتٍ تطمحُ إليها الإنسانيّة، وهي معراجُ الحياةِ الرّوحيّ).

فلا تنقضْ عهدكَ مع الله فيخلو مقامُك، وتنزلكَ الدّنيا في سافلِ أدراكِها، فإنّ هذا من انطماسِ عين بصيرتك، وفيه الهوان في الدّنيا والخزيُ يومَ يقوم النّاسُ لربِّ العالمين:

أنتَ نورٌ فأضئ للعالمينْ

بلهيبٍ منكَ أذكِ الآخرينْ

أيّها المسلم: لا تبتئسْ إذا ما عشتَ فقيراً، فإذا صفتِ الرّوح من الخطأ، وبرئتِ الجوارحُ من الانقيادِ وراءه فذلك هو الغنى، فإنّ رسولَ الله صلّى اللهُ عليه وسلّم يقول: «ليسَ الغنى عن كثرةِ العَرَض، ولكنّ الغنى غنى النّفس».

فإذا أدركتَ جوهرَ هذا الكلام، وقعَ في قلبكَ معنى الرّضا بالقضاء، فإذا ما تحسّستْ منك الجوارحُ بردَ الرّضا فذلك هو الغنى الحقّ.

ولقد أغناكَ اللهُ من عنده يومَ أنْ نسبَكَ إليه، فلا تخترْ على اللهِ أحداً، وقبلكَ من أهلِه فلا ترغبْ عنهُ بدلاً، فإنّ ثراءَ القلبِ وسرورَهُ في جوارِ محبوبِهِ الأوحدْ، وإنّ غنى الرّوح في وقوفها على بابِ الفردِ الصّمدْ.

رفعَكَ بالنّسبةِ وأغناكَ بالمحبّة، وجلّلكَ بالقربِ والقَبول، فهلْ ترى بعدُ غنىً أكبرَ من هذا أو ثراءً أبعدْ:

وممّا زادني شرفاً وتيهاً

وكدتُ بأخمصي أطأُ الثّريّا

دخولي تحتَ قولِكُ يا عبادي

وأن صيّرتَ أحمدَ لي نبيّا

فإذا أحببتَ أنْ تكونَ غنيّاً فكنْ فقيراً إلى الله، منكسراً على بابه، متذلّلاً في أعتابه.

فإنَّ الفقرَ إليهِ سبحانَهُ هو رأسُ الغنى، لأنَّ رضاهُ سبحانَهُ هو أجلُّ المنى، ولنْ تحوزَ رضاهُ إلا بالفقرِ إليه، ووقوفِكَ بالاضطرارِ عليه.

(يا عبدي تقرّبْ إليّ بما ليسَ فيَّ، قالَ: وما الذي ليسَ فيك يا ربّ، قال: الذّلُّ والافتقار).

فإذا رغبتَ أنْ يُمكَّن لك في مجالِ القربْ، وأنْ تُقبلَ واحداً من رُوّادِ دارِ الحبّْ، فطهّرِ القلبَ من سواه، وأشهدْهُ في كلِّ الأمورِ مولاه، وأوقفْهُ على حبِّ المحسنِ الوهّابِ جلَّ علاه.

ولقد سُئلَ يحيى بنُ معاذٍ رضي اللهُ عنه عن الفقر فقال: (حقيقتُهُ ألا يُستغنى بغير الله)، فمكِّنْ هذه الحقيقةَ في قلبك، فإذا ما اقترنَ معها اليقينُ وصحبَها التّسليمُ، وجدتَ قلبَكَ حينَها وقد غشيتْهُ وارداتُ السّعادةِ وأمّنتْهُ عائداتُ السّلام.

ولنْ تصلَ إلى منازلِ الغنى والثّراء، إلا إذا سلكتَ طريقَ الفقر والإقواء، فإنّه (إذا صحَّ الافتقارُ إلى الله صحّ الغنى بالله، لأنّهما حالان لا يتمُّ أحدهما إلا بالآخر).

ولقد أقرَّ اللهُ هذه الحقيقةَ في عباده، وأجراها مجرى الغُنيةِ لقاصدي وِداده، فقال سبحانه ((ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد)).

أيّها المسلم:

إذا عاشَ الفقيرُ بقلبِ ليثٍ

فليسَ يضيرهُ أنْ قلَّ مالُ

وإِنْ عاشَ الغنيُّ على الدّنايا

ففوقَ عظامِهِ ترسو النّعالُ[9]

فلا تنظرْ إلى من أثقلتْ جيوبَهم رذائلُ الدّراهمُ والدّنانير، فأنتَ عندَ اللهِ أكبرُ قدراً.

(إنّكَ فرعٌ من شجرةٍ ضخمةٍ باسقةٍ عميقةِ الجذور، كثيرةِ الفروعِ وارفةِ الظِّلال الشّجرة التي غرسَها أوّلُ المسلمين إبراهيمُ عليهِ السّلام)[10].

أيّها المسلم: إذا سُقِيَ القمحُ بماءِ الهوان، فارغبْ عن صافناتِ سنابِله، ولا تجعلْ منهُ خبزَ يومك، وعِشْ على خبزِ الشّعير يكفِكَ مُؤنةً، ولَئِن أثّرَ في جنبِك حصيرُ الفاقة، فذلكَ خيرُ لك من أنْ تستندَ على أرائِكِ الجبناء، ولا تخلِقْ أديمَ وجهك، واحفظْ ماءَ مُحيّاك من أنْ يُبتَذَل، فلقدْ كرّمَهُ الله، وصوّره فأحسنَ تصويرَه، وخلقَهُ في أحسنِ تقويم، وتذكّرْ وقتاً قلتَ فيه (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنا مِنَ المُشْرِكِينَ)، فلا تبذلْ ماءَ وجهِكَ أمام الأغيار، فلقدْ كفاكَ اللهُ من عنده.

ما أكثرَهم أولئك الذين ينتظرونَ منك تلكَ اللّحظةَ التي يَرونكَ فيها مُلقىً على أعتابهم، تستجدي منهم خبزَ يومك، وتضعُ همّتَك عندَ أقدامهم، وتخفضُ رأسَكَ في حضرتِهم، وتصيرُ كالّذي قيلَ فيه:

كالطّيرِ غايتُهُ التقاطُ الحبِّ في ظلِّ القصورْ

هو طائرٌ لكنّهُ لمْ يدرِ تحليقَ النّسورْ[11]

أيّها المسلم:

كنْ مسلماً تُدركْ بعون الله غاياتِ الكمالْ

كُنْ في ضميرِ الكونِ قرآناً و صوتاً من بلالْ

أوصِلْ حبالَكَ بالإلهِ تَعِزّ هاتيكَ الحبالْ

لا تنسِفُ الرّيحُ الجبالَ فَكُنْ بعزمِكَ كالجبالْ

واكتبْ بحبرِ الحبِّ والإيمانِ ديوانَ الرّجالْ[12]

أيّها المسلم: ليكنِ العالمُ بيتَك، الأرضُ فراشُهُ والسّماءُ سقفُه، وأنتَ صاحبُ الدّارِ، القيِّمُ على ما فيها، تعمُرها بصادقِ العزيمة، وتملأ أركانَها بواثقِ الهمّة.

كُنْ كالشّاهين، لا يعرفُ غيرَ الفضاءِ مأوى، لا يعنيهِ أَوافقتْ جناحيهِ الرّياحُ أوْ لم توافقْفإنّهُ يطير.

ولا تخفضْ جناحَكَ أمام ريحِ العالم، فإنَّ مَهيصَ الجناحِ مخذول، وإنَّكَ الأجدرُ بالتّنفّل في مِضمارِ الفضاء.

ولا تضعفْ أمامَ النّوائب، أو تنهزم أمام الهموم، فإنّ الطّريق جِدُّ طويلةٌ، لا مسلكَ فيها للضّعفاء، وإنّما هي وقفٌ للّذين أبرموا ميثاقَهم مع الله فاشترى منهم أرواحَهم بأنَّ لهم الجنّة، واعلمْ أنّ سلعةَ الله غالية، فإذا أردتَ الحسناءَ فأَدْلِ بمهرِك، وكنْ دائماً (كالنّسر المخلوقِ لطبقاتِ الجوِّ العليا، ويحملُ دائماً من أجلِ هذه الطّبقاتِ ثقلَ جناحيهِ العظيمين)[13].

فإذا أدركتَ جوهر حقيقتك في هذا الوجود، وعرفتَ فحوى رسالتِكَ في هذه الحياة، هانتْ عليك كلُّ مصيبة، واضمحلّتْ أمامَ سرايا إيمانكَ جيوشُ النّوائب، ووقفتَ نفسَكَ لله.

(إنَّ الخلاصَ عن طريقِ الصّومعةِ سهلٌ يسير، ولكنَّ الإسلامَ لا يريدُه، لأنَّ الخلافةَ في الأرض والقيادةَ للبشرِ طرفٌ من المنهجِ الإلهيِّ للخلاص، إنّهُ طريقٌ أشقّ، ولكنّهُ هو الذي يحقّقُ إنسانيّةَ الإنسان، أي انتصارَ النّفحةِ العلويّة في مكانه وهذا هو الانطلاق، انطلاق الرّوحِ إلى مصدرها الإلهيِّ، وتحقيقُ حقيقتها العلويّة، وهي تعملُ في الميدان الذي اختاره لها خالقُها الكريم)[14].

أيّها المسلم: إنّ مصدرَ قوّتك هو إيمانُكَ الصّادقُ بالله، ومنبعَ ثقتك بنفسك هو ثقتُكَ بالله، فإذا آمنتَ بهِ حقّاً أذكى فيكَ الإيمانُ نارَ القوّةِ الكاملة، وطافَ بك أطوارَ الجلالِ الرّفيع، وسلكَ بك مسالكَ الجمالِ البديع، فتعودُ بعدَ هذه الرّحلةِ بقلبٍ حُرٍّ وثّابْ، بريءٍ من الأغيارِ وعبدٍ للملكِ الوهّابْ.

وَاعلمْ أنّكَ (إذا آمنتَ لمْ ترجِعْ بمقدارِ نفسِكَ، ولكن بمقدارِ القوّةِ الّتي أنتَ بها مؤمن)[15].

أيّها المسلم: كلَّ يومٍ تتَفتّقُ ملايينُ الأزهارِ من أكمامها لتقولَ لك: هكذا انطلقْ، وتبعثُ بأريجِها في مسالكِ الحياةِ والأرضِ لتقولَ لكَ: هكذا انتشِرْ، وتنشرُ من طيبِها أطيبَهُ لتقولَ لك: هكذا كُن.

يقظةُ الذّاتِ لا أراها بِدَيرٍ

لا وَلا تُجتَلى لَدى المحرابِ

إِنْ تَضِقْ بالجهادِ في الأرضِ ذرعاً

فحرامٌ مسراكَ فوقَ السّحاب

ليسَ مِن خيفةِ المماتِ نجاةٌ

إِنْ ترَ الذّاتَ هيكلاً من ترابِ[16]

أيّها المسلم: ستتعبُ كثيراً كثيراً، وسترمِيكَ طوائفُ الأرضِ بالحجارةِ. ولكنْ لا بأسَ، فعمّا قريبٍ ستركبُ بُراقَ الرِّضا والقَبول، فَوَطِّنْ قلبَكَ في بيتِ الإيمان، ووثِّقْ أقفالَهُ بالصّبرِ والمصابرة، وحقِّقْ أركانَهُ بالحبِّ فإنَّ الله مانِعُك.

وارتفاعُ الإنسانِ من ثقلِ الأرضِ بروحٍ إلى السماءِ جلالُ

وعلى الحرِّ أنْ يُغِذَّ طموحَ الـ . عزمِ سَعياً لِتُدركَ الآمالُ[17]

أيّها المسلم: إذا نامتْ عيناكَ فلا ينامنّ قلبُك، فالعالَمُ بانتظارك، فأنتَ السِّراجُ الّذي يهَبُهُ نوراً يمشي به، فإذا نقصَ زيتُ سراجك فخذْ من إيمانكَ بالله وَقوداً جديداً وانطلقْ، وانظرْ إلى ذاتِكَ فاخترْ لها منزلاً مباركاً في الوجود:

فإذا تبيّنَ مسلمٌ في ذاتِهِ شرفَ المكانةْ

أَخلقْ بهِ في الدّهرِ أنْ يختارَ في الدُّنيا مكانَهْ[18]

أيّها المسلم: ألا ترى انبعاثَ القطرِ من قلبِ السّحاب؟ وانطلاقَ البرعمِ من قلبِ الحجر؟ وجريَ الجدولِ الفراتِ من رحمِ التّراب في أعلى الجبل؟ وتفتّقَ الأزهار من أكمامها بعد اختباء؟!! كنْ مثلَ هذا وذاك، يكنْ لك العالمُ عبداً مطيعاً!!!

وكُنْ مع اللهِ ولله، حينَها تقول للشّيء كنْ فيكون:

ومعدِنُهُ ترابيٌّ ولكنْ

جَرَتْ في لفظهِ لغةُ السّماءِ

أجل أيّها المسلم: قُدْ ركبَ العالم، وكنْ أميرَ القافلة، وخُذْ من الزّادِ ما يكفيك، فالسّفرُ طويلٌ والعقبةُ كؤود و((إن خير الزاد التقوى))[19].

واعلمْ أنّكَ ملاحَقٌ على كلِّ المحاور، ومُحاربٌ في كلِّ حين، ومُحاصرٌ وأنتَ على أريكتك، ومُتَّهمٌ وأنتَ في عِقرِ دارك، لأنّ عندَكَ شيئاً لا يعرفُهُ الآخرون، وفيكَ سرّاً يمتدُّ إلى مئاتِ السّنين والحقائق.

ولأنّكَ مَصوغٌ من الطّينِ المشويِّ على نارِ ((ألست بربكم))[20]، ولأنّكَ مصنوعٌ على عينِ مولاك.

((ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير))[21].

أيّها المسلم: كنْ كالبحر، السّكونُ سِمتُهُ وطابعهُ، ولكنَّ الموجَ يهدُرُ في حناياه، فإذا ما استباحَ شاطئَكَ غريبٌ آذنْتهُ أمواجُكَ بالحرب.

ولقد كان نبيُّكَ المصطفى هادئاً هدوءَ البحر، فإذا ما اشتدَّ العراكُ واحمرّتِ الحدق، لاذَ المسلمون بظهرهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم.

أيّها المسلم: (قُلْ آمنتُ باللهِ ثمَّ استقمْ)[22]، وأشغِلِ العالَم بحقيقتِكَ الطّاهرة، وأشعِلْ فيه شموسَكَ النّيرات، واجعلْ من نفسِكَ سفينةَ نوحٍ الّتي تأخذُ بيدِ هذا العالم الغريق إلى برِّ الرّحمة والنّجاة، حينَها تصيرُ مطاعاً في الأرض، ويُؤدّى إليكَ خَراجُ النّفوس:

مَنْ علا تكبيرُهُ مِن غيرِ تاجْ

ألزمَ التّيجانَ تقديمَ الخَراجْ[23]

أيّها المسلم: (لا إله: هي بدايةُ التّطهير، وإلا الله: هي بدايةُ التّعمير)[24]، فكنْ أنتَ رائداً في عمران الطّهارة، ورسالةً في طهارةِ العمران، وأقِمْ صرحَ المجدِ على أركانِ الإيمان فإنّها الأركانُ الثّابتةُ الّتي لا تُنقض: ((لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه))[25]. ولا تشيّدُ بروجَ عزّكَ على شفا جُرفٍ هارٍ، فإنَّ في هذا مذهبةً لعزّكَ ولك، لا تصنعِ الأشياءَ بقلبٍ بارد، فحرارةُ إيمانِكَ أجدرُ بالصّناعة، وأحرِقْ مَن حولَكَ بنارِ قلبِكَ المؤمن الطّاهر، فلطالما اكتويتَ أنتَ بها، فإنّما يزدادُ العودُ بالإحراقِ طيباً، ولقد ينشرُ من طيبِهِ على ما جاورَه.

واعلمْ أنّهُ لا تتأتّى لك حرارةُ الإيمانِ إلا بإثباتِ ذاتِكَ في ميزانِ الحياة، لا بالرّكون إلى الضّعفِ والدّعة فليسَ هذا من شأنِ المؤمنِ الحقِّ الذي استخلفَهُ اللهُ في الأرض:

فحرارةُ الإيمانِ في القلبِ المَشوقِ إلى النّضالْ

وَسراجُ ليلِ الفكرِ (لا معبودَ إلا ذو الجلالْ)[26]

فإذا ما انتشرَ صقيعُ العجزِ في أوصالِك، وثقُلتْ همّتُكَ عن النّهوضِ بما أوكِلَ إليك، وركنتَ إلى فراشِ راحتِك، فاطردْ هذا كلّهُ بهذا الدّعاء:

ياربِّ إنّا موقنونَ بعجزنا

فأدِمْ علينا قُوّةَ الإيمانِ

وامنحْ قلوبَ المسلمينَ حرارةً

كحرارةِ الآياتِ في القرآنِ[27]

أيّها المسلم: ثقيلةٌ هي المهمّة التي أوكلتْ إليك، وعظيمةٌ تلك الأمانةُ التي أُلقيت على كاهلك، فكنْ أهلاً لها وأحيِ مواتَ القلوب، بوارداتِ همّتكَ المؤمنة الصّادقة.

خُذْ بأيدي الغرقى في لُجّةِ هذا العالم، واصعدْ بهم إلى سماواتِ الفكر والحياةِ الهانئة، وأشعلْ لهم من زيتِ قلبك المؤمن سراجَ الهداية الذي ينوّرُ لهم السُّبُل ويأخذُ بهم من الظّلمات سائراً بهم في مسالكِ النّورانيّةِ الرّفيعة، وأعمِلْ إيمانَكَ في الأمورِ يُكتبْ لها النّجاح:

قُمْ فَشيّدْ عالماً دونَ مثيلْ

وخُضِ النّارَ وأقدِمْ كالخليلْ[28]

واعلمْ أنّكَ مؤتمنٌ على كلِّ نفْسٍ في هذه الأرضِ أن تعطيَها حاجَتَها من الهداية والنّصيحة والمعاشرةِ الحسنة التي تدلّها من خلالها على الله سبحانه وتعالى وعلى الله قصدُ السّبيل:

لا تُضِعْ لمحةً من العمرِ هدرا

وَارتفعْ عن كثافةِ الأرضِ قدرا

وَتَقَدّسْ  بحملِ  همِّ  البرايا

وَاسألِ اللهَ فوقَ صبركَ صبرا[29]

أيّها المسلم: لا يجفّنَّ ماءُ الحبِّ في قلبك فتهلك، فإنّهُ دمُكَ الذي يجري في أوصالك، وهو معدِنُ كلِّ جودْ، وهو في كرمةِ الحضرةِ الإلهيّةِ عنقودْ، وأصلُ الحلالِ الطّيّبْ، ونائلُ الخيرِ الوافرِ الصِّيبْ، ومادّةُ الجمالْ، وأرومةُ الجلالْ، ونقطةُ السّرِّ في التّكوينْ، وتسنيمٌ من سِدرةِ ربِّ العالمينْ.

يخطرُ على الأرواحِ فَتُسرُّ بذكرِه، وعلى القلوبِ فتأتمرُ بأمرهِ، فلا تسفكْهُ من أوصالكَ، ولا تخرجْهُ من عروقك، فإنّه لقلبكَ غذاء، ولروحكَ حياة، فإذا رغبتَ عنهُ استبدلَ بكَ اللهُ قوماً يحبّهم ويحبّونه.

إنّه جوازُ سفركَ إليهِ سبحانه، والشّهادةُ الأولى على أنّكَ من أهله، أقصدُ الحبَّ الذي يجعلُ المرَّ حلواً والترابَ تبراً كما وصفُه بذلك مولانا جلال الدّين الرّومي رحمه الله.

واعلمْ أنّ حبَّ الله هو راسمُ خطاكَ على طريقِ الرّضا والقبول وإنّه العودةُ بالرّوح إلى أوّلِ العهد:

نقِّلْ فؤادَكَ حيثُ شِئتَ من الهوى

ما  الحبُّ إلا  للحبيبِ  الأوّل

كم منزلٍ في الأرضِ يألفُهُ الفتى

وحنينُهُ أبداً لأوّلِ منزلِ[30]

فإذا سألتني: ما هو الحبُّ، قلتُ لك: (هو رحلةُ الذّاتْ، من المحوِ إلى الإثباتْ)، فإذا قلتَ لي: ماذا يعني من المحو إلى الإثبات، قلتُ لك: أيْ أنْ تمحوَ ذاتَكَ من أجلِ إثباتها عندَ من تحبّ.

أيّها المسلم: إنّ الفراشةَ تصطلي نارَ الشّموع، لكي تحتضنَ شعاعاتِ النور البارزةَ منها، فكنْ تلميذَها الفذّ، وأحرقْ ذاتَكَ في نارِ حبِّه عزَّ وجلّ حتّى تبلغَ حضرتَه، فلنْ تصلَ بغيرِ احتراق، واعلمْ بأنّكَ لن تدخلَ حضرةَ أُنسِه، حتّى تذوبَ في نارِ قُدسِه.. حينَها أبشِرْ بالقَبول:

ما لي سوى روحي وباذلُ نفسِهِ

في حبِّ من يهواهُ ليسَ بمسرفِ

فلئن رضيتَ بها فقد أسعفتني

يا خيبةَ المسعى إذا لم تُسعفِ

فالوجدُ باقٍ والوصالُ مماطلي

والصّبرُ فان واللّقاءُ مسوّفي

أهفو لأنفاسِ النّسيمِ تعلّةً

ولوجهِ من نقلتْ شذاهُ تشوّفي

لو أنّ روحي في يدي ووهبتها

لمبشّري بقدومكم لم أُنصفِ

ولقد أقولُ لمن تحرّشَ بالهوى

عرّضتَ نفسكَ للبلى فاستهدفِ

أنت القتيلُ بأيِّ من أحببتَهُ

فاخترْ لنفسك في الهوى من تصطفي[31]

3

أيّها المسلم: إذا ما أشرقتْ شمسُ الطبيعة من أفقها، غطّتْ بنورها أرضَ الوجود، حينَها لا مكانة لظلمةٍ ولا موطن لعتمة.

وكذلك عندما تسطعُ شمسُ الحقيقةِ على القلب، تصيرُ كلُّ ذرّةٍ فيه هي محلاً لآيةٍ أو مستقراً لعناية.

وإذا أراد الله بقلبٍ خيراً صرفَ عنهُ شموسَ الأغيار، وأقصى عنهُ طوارقَ الوجودْ، ثمّ أضاءه بلطائف الأنوار، وأقامه مقامَ الشّهودْ.

فهنيئاً لقلبٍ بسطَ عليه اللهُ من نوره فأضاءتْ حناياه، ومسحَ عليه بكفِّ عطفه فاطمأنّت خلاياه، وقذفَ فيه سبحانه سرّاً من أسراره فانكشفتْ خفاياهُ عن أحلى من صورة البدر.

أجلْ، إنّه الحبّ: السّرُّ الذي يقذفُ به ربّي على القلبِ القنوطِ اليؤوس، فإذا هو بعدَ ذلك روضةُ الأمل ودوحةُ الرّضا.

وإنّهُ السّرُّ الذي تتلوّنُ به الأرضُ ثوباً أزهريّاً وتفوحُ بهِ عطراً سرمديّاً، ولمْ تكنْ قبلَ ذلك غير قفرةٍ لا تحيا فيها بسمةٌ ولا تبسمُ فيها حياة، وهو السّرُّ الذي يفيضُ له الرّملُ ماءً في هاجرةِ النّهار، ولمْ يكنْ قبلَ ذلك غيرَ سرابٍ بِقيعةٍ يحسبُهُ الظّمآنُ ماءً، حتّى إذا جاءهُ لمْ يجدْهُ شيئاً:

الموتُ لا يمحو رجالَ اللهِ من هذا الوجودْ

الحبُّ في دمهم تلوّنَ بالثّباتِ وبالخلودْ

مهما يكن جريانُ هذا العصرِ جبّاراً عنيفا

فالحبُّ يجرفُهُ ولكنْ سيلُهُ يبدو لطيفا

الأمسُ والغدُ ليس وجهتنا التي نسعى إليها

الحبُّ أزمنةٌ بلا أسماءَ نطلقُهُ عليها

ما الحبُّ؟ ما هو؟ إنّه وثباتُ أوقاتِ الصّفا

في نفحةِ الوحي الأمين على فؤادِ المصطفى

ما الحبُّ؟ سكرةُ وردةٍ خلعَ الجمالُ عِذارَها

لعبَ النّسيمُ بِها عليهِ فقطّعتْ أزرارَها

الحبُّ في ساحِ الجيوشِ هو المقدّمُ وَالنّبيهْ

والحبُّ في الحَرمِ الشّريفِ هو المشرّعُ والفقيهْ

اِسألْ بهِ متسكّعاً خلفَ الهوادجِ والقوافلْ

بين الألوفِ من المنازلِ والألوفِ من المراحلْ

الحبُّ ليسَ مغنّياً، الحبُّ إبداعُ الأغاني

أوتارُهُ نورُ الحياةِ وَقَوْسُهُ نارُ المعاني[32]

أجَلْ، إنّهُ الطّلُّ الرّخيُّ والقطرُ الصّفيُّ الذي يجلو عن فؤادكَ غبارَ الهمِّ الشَّرود، ليستقبلَ بعدَ ذلك نَدِيَّ الحياةِ الهانئةِ وعَبَقَ الإِيمانِ الأذفَر.

حبُّهُ وحدَه سبحانه، هو الذي يوقِظُ الفجرَ من رقدتِه، ويكشفُ سُتورَ الظّلامِ بإقبالِ الأنوار، ويقذفُ نورَ الصّبحِ من بينِ ثنايا اللّيلِ وطواياه، وهو الذي يرسلُ إشراقةَ الضّحى من قلبِ الموت، وهو الذي يخرجُ زهورَ الحياةِ من أكمامِ العدم، تهزُجُ له الأطيارُ في أسحارِها، وتُصلّي الأوراقُ في أشجارِها، وتسبّحُ الطّيّباتُ في أزهارِها، وترتّلُ الأمواهُ قرآنُ الجمالِ والجلالِ في بحارها:

لولا الغرامُ لما ناحتْ مطوّقةٌ

على قضيبٍ ولا طيرٌ على بانِ[33]

حبُّه وحدَه: هو الذي يصنعُ دمَ الحياةِ من حديدِ السّيوف، ويُطلقُ النّدى من أَتونِ الحمم، ويخلقُ في كلِّ مسلمٍ قلبَ محمّدٍ عليهِ الصّلاةُ والسّلام.

إنّهُ بلسمُ الجراحِ النّازفة، وترياقُ القلوبِ الرّاعفة إنّهُ حبُّ الله:

يا ربّ هام العاشقون بعشقهم

وتمايلوا بتمايلِ النّغماتِ

وَتخاطَرَتْ أرواحُهم في ليلها

وتسامرتْ بأطايبِ اللّمحاتِ

وبقيتُ وحدي لا رفيقَ لوحشتي

إلا دموعَ العينِ والزّفراتِ

فأتيتُ أعتابَ الجلالةِ باسطاً

كفَّ الضّراعةِ ساكنَ النّظراتِ

وشربتُ من خمرِ العنايةِ شَربةً

قدسيّةً عُلويّةَ الكاساتِ

أُسقطتُ في محرابِ حبِّكَ هاتفاً

يا سيّدي أحرِقْ بذاتِكَ ذاتي[34]

(الحبُّ: هذه الكلمةُ التي ما تكادُ تُذكر، حتّى تُضوِّأَ جوانبَ النّفسِ البشريّة، وتهزّها هزّاً لتستريحَ على مهادٍ من العواطفِ النّبيلة، ترشُّها كلمةُ الحبِّ بالعبير، وتنثرُ حولها الياسمين، لا يرضى المحبُّ إلا أن يغتسل بماءِ السّماء بالماءِ الطّهور تسكبُهُ عليه يدٌ حانية، ليتسامى فوقَ الدّيم، يرفُّ كالحلمِ الوضيء، يتوضّأُ بالمسك، ويضمُّ من يحبُّ داخلَ دائرةِ العطر ويحومُ به عبرَ سحابةٍ ورديّة لا أحلى ولا أجمل)[35].

إنّهُ ندى الإيمان المتساقطُ من المحلِّ الرّفيع على القلبِ الفقير، وإنّه النّورُ النّازلُ من قبّةِ الكأسِ الأوفى إلى القلبِ الطّهور، ولنْ يطهرَ قلبٌ ويصفو إلا بذينِكَ الوافدَيْن.

إنه بردُ اليقين الذي يثلجُ حنايا النّفس ويزكّيها، ويُنوّرُ أركانَ القلبِ ويطيّبُه، فإذا ما تحسّستهُ الجوارحُ والأعضاء واستباحتْ واراداتُ هداهُ أركانَ الجسد، هَتَفَتْ كلُّ خليّةٍ فيه (لا إله إلا الله)، وكلُّ حجيرةٍ فيه (محمدٌ رسول الله)، واستقرّتْ خلجاتُ النّفس على وارداتِ صدى (ألا بذكرِ اللهِ تطمئنُّ القلوب):

ما في الصِّحاب أخو وَجدٍ تُطارحُهُ

إلا محبٌّ له في الرّكبِ محبوبُ

كأنّما يوسفٌ في كلِّ راحلةٍ

له وفي كلِّ بيتٍ منه يعقوبُ

نحنُ قومٌ والحمدُ لله سرّاً

بلْ وجهراً عن رؤيةِ الغيرِ تُبنا[36]

للهِ ما للحبِّ في قلوبِ أصحابِه، تراهم به سُكارى، وما همْ بسكارى، ولكنّ بعضَ الحبِّ عيد، فإذا ما سَفَرَ الصُّبحُ، هاجتْ منهم القلوبْ، أو تهادى النّسيمُ بين الأزاهير ذكروا المحبوبْ، غابوا عن سواه، فما شهدوا إلا إيّاه، فاستراحوا إلى عذاباتِ المجاهدة، وكذلك المحبّ (يهربُ إلى العزلةِ والخلوةِ بمحبوبه والأنسِ بذكره، كهربِ الحوتِ إلى الماءِ والطّفلِ إلى أمّه)[37].

فرّغوا قلوبهم من الأغيار، وأقاموها مقامَ المشاهدةِ والمراقبة، وجعلوا منها حرماً حراماً على من سواه سبحانه، فتلمّسوا في العذابِ لأجلِهِ النّعيمَ المقيم، وبادروهُ بالرّضا والتّسليم، وطربتْ منهم القلوبُ فهو مقصودُهم، وطابتِ الأرواحُ بقربِه فهو منشودُهم، وعزفوا عن ليلى ولُبنى وأَمُّوا بالقربِ بابَه، واحتملوا عذاباتِهم وأشواقَهم قاصدينَ أعتابَه، إنّهم قومٌ هاجروا من اللهِ وإليه، خُلقوا لأجلِهِ فكانوا لِما خُلقوا له، (الطّيورُ تطيرُ إلى الجهات، وهم يطيرونَ عن الجهات)[38].

فَنِبَتْ سرائرُهم في الحقّ، وغابتْ ظواهرُهم عن الخلق، أولئك هم هديّةُ السّماءِ للأرض، وسفراءُ الأرضِ إلى السّماءْ، لهم عندَ ربّهم بيوتٌ من ذهبٍ، لا تعب فيها ولا نَصَب، ولهم وحدهم منازلُ السّعداء.

ولقد كان المصطفى صلّى اللهُ عليه وسلّم يقول: «اللّهم اجعلْ حبّكَ أحبَّ إليَّ من أهلي ونفسي وولدي ومن الماءِ البارد»[39].

العارفونَ بأنّكَ المطلوبُ همْ

في نعمةٍ وعنايةٍ يا ربّ همْ

وَفَّوْا بنذرِ القربِ فاشتاقتْ إلى

لُقياهمُ عدنٌ وشاقتْ حورُهمْ

طلبوكَ فارتاحتْ سرائرُهم إلى

تعبِ الطِّلابِ وإنِّ هذا حالُهمْ

خلصوا إليكَ بغيرِ مالٍ أو جَنى

عَرَضٍ وحينَ يَروْكَ ذلك مالُهمْ

يغنيكَ عن وصفِ الجزاءِ قليلُهُ

إذْ قالَ جلَّ عُلاهُ (عرّفها لهمْ)[40]

فاعلم أيّها المسلم: أنّ (المعرفة بساطٌ لا يطأُ عليه إلا مقرّب، والمحبّةُ نشيدٌ لا يطربُ عليهِ إلا مغرم)[41]، فاستجمعْ أقطارَ حسّكَ ونفسك وأوْكلْها إلى الحبيبِ الأوّل، فمنْ عرفَ اللهَ أحبّهُ الله، وفي هذا المفازُ والوصول:

هنيئاً لعبدٍ طيّبَ الحبُّ قلبَهُ

وقامَ له من سرِّ ذلك حالُ

هم القومُ أدناهم إليهِ حبيبُهم

لمعناهُ فيهِ رونقٌ وظلالُ

إذا جئتَ للوادي رأيتَ خيامَهم

ولاحَ لأسلوبِ الجمالِ مثالُ

يئنّونَ ليلاً من صميمِ قلوبِهم

وللشّوقِ في طيِّ القلوبِ نصالُ

تراهم على الأعتابِ باللّهفِ خضّعاً

تُحطُّ لهم حولَ الرِّحابِ رِحالُ

خِفافٌ إذا يدعوهمُ الحبُّ للهوى

ولكن لأقوالِ السِّوى فَثِقالُ

فهم ضمنَ أبراجِ النّجومِ نجومُها

وهم للجبالِ الرّاسياتِ جبالُ[42]

أيّها المسلم: “قلْ هو اللهُ أحد”، (فإنّ في ذلك عقيدةً للضّمير، وتفسيراً للوجود، ومنهجاً للحياة)[43].

وكن مع الله، فإنّ معيّتَهُ سبحانه سياجٌ للنفسِ من الزّلل، ومنعةٌ للقلبِ أنْ يتحوّل، وحصنٌ للحقيقة، وإقامةٌ للطّريقة، وإذا كنتَ معه فقد أويتَ إلى ركنٍ شديد، لا يضرّكَ بعدها من خالفك، وانظرْ إلى النبيِّ الكليمِ موسى عليهِ السّلام، كيفَ فازَ بالمرادِ ونالَ المنى، عندما قال سبحانه في حقّه (إنّك بأعيننا)، فأقِمْ قلبَكَ في حمى (لا تحزنْ إنَّ الله معنا):

أَيُدركني ضيمٌ وأنتَ ذخيرتي

وأُظلمُ في الدّنيا وأنتَ نصيري

وَلا حاميَ المملوكِ إلا أميرُهُ

وهاأنا مملوكٌ وأنتَ أميري

واعلمْ أنّهُ إنّما جُبلتِ القلوبُ على حبِّ من أحسنَ إليها، وموالاةِ من أنعمَ عليها، فلا تأوِ إلى غيرهِ سبحانه، ولا تركنْ إلى سواه، ومن ذا أكرمُ من اللهِ وأعظم، وهو المحسنُ الوهّاب البرّ، الذي أعطى وتفضّل، ووهبَ فأجزل، وقرّبَ ووَصَل، واعلمْ أنّك:

(ما أحببتَ شيئاً إلا كنتَ له عبداً، وهو لا يحبُّ أنْ تكونَ لغيرهِ عبداً).

فوجِّهْ إليهِ الخواطرْ، وصَفِّ له السّرائرْ، وأَقبِلْ عليه بالودادْ، وناجِهِ من عمقِ الفؤاد:

دائماً في القلب حاضرْ

يا مُرجّى كلِّ ذاكرْ

ساهرٌ في طرفي وقلبي

فيك يا مولاي ساهرْ

دائماً في بابك العالي مقيمٌ ومسافرْ

صارَ سرّي مثلَ جهري

أنتَ في الحالين ظاهرْ

فارحمِ القلبَ المعنّى

يا عليماً بالسّرائرْ[46]

أيّها المسلم: كنْ عبَدَهُ الأمين، يستعملْكَ في أشرفِ الأمور، ولا تعارضْ أمرَهُ فيقيلك، فالعبدُ الآبِقُ مطرودٌ من بيتِ الرّحمة، وكن معه كأنكَ تراه، فتلك أشرفُ صحبةٍ، وذلك الفوزُ العظيم، واعلمْ بأنّهُ (لا نهاية لمذامِّك إذا أرجعكَ إليك، ولا تفرغُ مدائحُك إذا أظهر جودَهُ عليك)[47]، فلا تغفلْ عن ربّكَ طرفةَ عينٍ ولا أقلَّ من ذلك ولا أكثر حتى لا يكلكَ إلى نفسكَ، ففي ذلك الخسرانُ، فإذا أظهر جودَه عليك فذلك عينُ الرّضا والرّضوان، حينها تصيرُ كلُّ ذرّةٍ فيك هي محلاً لآيةٍ ومستقرّاً لعناية:

وإذا العبدُ لاذَ بالله نجّاهُ

فولّى الشّيطانُ عنه وأبلسْ

بين مدٍّ وبين جزرٍ يظلُّ الـ

حرُّ من عفوِ ربّهِ ليسَ ييأسْ

بعتُ نفسي لبارئي مستبيناً

واعياً راضياً ولا أتملّسْ

واشتراني له ومن باع غيرَ

اللهِ مهما استوفى يُغرُّ ويبخسْ[48]

أيّها المسلم: إذا شابتْ دمكَ الأهواء ولوّنتهُ نزعاتُ التراب، فأهرقْه من أوصالك واستبدلْ به دماً صافياً يهزُّ العالمَ بجريانه، واعلم بأنّهُ لا يكون لك دمٌ جديدٌ إلا بالحبّ، فالحبُّ صانعُ الحياة:

لكَ نارُ القلبِ والدمعُ غذاءْ

نضِّرِ البستانَ من شمسٍ وماءْ

افطمنْ روحَكَ من درِّ الرّجيمْ

تشركِ الأملاكَ في قربِ الرّحيمْ[49]

أيّها المسلم: ليكنْ خلقُكَ القرآن، كما كان نبيّكَ المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، ولتكنْ شهورُ عمركَ كلّها شهرَ رمضانْ، وكلّ ليلةٍ من ليالي عمركَ العابرة ليلةَ القدر، حينها يبدأ التّغييرُ، ويبدأُ البناءُ والتّعمير ((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم))[50].

ولا تغرنّك الحياةُ الدّنيا فهي أقلُّ من أن تنالَ من قلب مؤمن، ولتكن الدّنيا في كفّك والآخرةُ في قلبك: ((وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك))[51].

فانتصرْ لروحكَ على التّراب، وأوقدْ في قلبكَ شهاباً من الحبِّ، فلنْ تصلَ إلا بهذا الشّهابْ:

الجسمُ في بنيانهِ بالرّوحِ يكتسبُ الحياةْ

لكن حياةُ الرّوحِ في قربِ الحبيبِ وفي رضاهْ

فاحرصْ على القربِ أكثرَ من حرصكَ على الحياة، ولا تُفضّلْ أمراً من الدّنيا على طلبِ القربِ منه سبحانه، فإنّ في قربهِ وفي رضاه وجدانَ الفضيلة، وفي جفاهُ سبحانه انقطاعَ الوسيلة، فاخترْ لنفسِكَ الأُولى، فذكَ أحرى بكَ وأَوْلى.

(للهِ ما أحلى زماناً تسعى به الأقدامُ على أرضِ الاشتياق).

ومن طلب المحبوبَ، هان عنده المطلوب، فبذر روحَه قبل ماله، حتّى يقيلَ في أفياءِ المحبوبِ وظلاله، وتحفّزَ بما لديه من الغالي والزّهيد، ليتّصلَ بمحبوبِ الفؤاد، فإنّ وصلَ محبوبهِ عنده عيدْ، وزادَ بالبذلِ وأسرفْ، لأنّهُ (مَنْ لم يباشرِ الهجيرَ في طِلابِ المجدِ، لم يقلْ في ظلالِ الشّرفْ).

 

أنس إبراهيم الدّغيم

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: