كيف تدير موهبتك-د شريف عرفة

 كيف تدير موهبتك؟

هل أنت شاعر؟ رسام؟ كاتب؟
هل ترى في نفسك موهبة ما، ولا تعرف كيف تديرها؟

لو كانت إجابتك للأسئلة السابقة هي: نعم، فأهلا بك في هذا الموضوع، هناك عشرات، بل آلاف، بل ملايين الموهوبين حول العالم، لم يحظوا بفرصتهم ولم يسمع بهم أحد.

هل تعرف لماذا؟

يعتقد البعض أن الموهبة وحدها تكفي، إلا أنها ليست كذلك أبدا، فهناك جانب يكاد يكون أكثر أهمية من الموهبة ذاتها وهو: القدرة على إدارة هذه الموهبة. فكر في الأمر، فكر في نجوم المجال الذي تبدع فيه، هل كلهم موهوبون بدرجة أكثر من كل منافسيهم على الساحة؟ في الغالب لا، هناك من هم أكثر منهم موهبة، لكن هناك (شيئا ما) لم يجعلهم على نفس هذا القدر من النجاح.

في هذا الموضوع سنتكلم عن النجاح لو كنت شخصا مبدعا، وكيف تتميز في مجالك، سنتكلم اليوم عن تنمية الموهبة، وفي العدد القادم سنتكلم عن تسويق وإدارة هذه الموهبة.

1- الموهبة
لا يمكنك أن تفتح متجرا لبيع الذهب، دون أن يكون لديك ذهب. لا يوجد تعريف محدد للموهبة، لكنها كأي شيء في الحياة يمكن تنميتها وجعلها أفضل حالا. الموهبة هنا هي رأس مالك الذي ستستثمره في مشروع حياتك، يجب أن تنمي رأس المال؛ كي تستطيع أن تقيم مؤسستك.

الموضوع بسيط كي تنمي موهبتك عليك أن تقوم بما يجب فعله:

أ‌- ضع الفاكهة في الخلاط: لن تستطيع أن تخرج إبداعا مالم تكن هناك مدخلات، اعتبر عقلك خلاطا تضع فيه أنواعا مختلفة من الفاكهة؛ كي يخرج الناتج كوكتيلا تسميه (إبداعك). هذه هي الفكرة في بساطة، هناك كتاب وفنانون خبا ضوؤهم بعد أن تبين للجميع حقيقتهم المؤلمة، وهي أنهم أعطوا كل ما عندهم، ولم يصبح عندهم المزيد، لو عاش الفنان في بيئة معينة ثم أصبح ناجحا، وانتقل للحياة في برجه العالي فأن هذا قد يكون شهادة وفاة موهبته؛ لأنه سيفرغ ما في جعبته سريعا ولن يعود في عقله المزيد بعد فترة.
ما مدخلاتك؟          القراءة؟      مقابلة الناس؟         السفر؟                  مشاهدة التلفاز؟               متابعة نجوم هذا المجال وملاحظة أساليبهم؟
أنت من يجب أن يعرف هذه المدخلات، فلا تنصرف عنها بأشياء أخرى، وإلا لأصبت بالأمراض الإبداعية كالتكرار والسطحية. ببساطة: لا تتوقف أبدا عن وضع الفواكه في الخلاط.

ب‌- العب

كي تنمي موهبتك عليك أن تعرف الحالة الذهنية التي تجعلك مبدعا، دعنا نكن أكثر بساطة.

الموهبة – أي موهبة – تمر بعدة مراحل

– مرحلة الهواية

– مرحلة الظهور

– مرحلة الاحتراف

في مرحلة الهواية:

تمارس موهبتك في أوقات الفراغ كنوع من التسلية، لأنك تحبها.

في مرحلة الظهور:

تبدأ في عرض أعمالك على الناس.

 في مرحلة الاحتراف:

تبدأ في جعل هذه الهواية مهنتك. الفكرة هنا في الحالة الذهنية، غالبا ما تكون أكثر إبداعا في المرحلة الأولى، لأنك كنت تنظر للموضوع وكأنه لعبة، نحن نستمتع باللعب، لذلك نلعب في استمتاع، في اهتمام؛ حتى إننا ننسى الوقت ونحن نلعب، بينما نحسب الوقت بدقة ونحن نعمل. مرحلة الهواية هي مرحلة اللعب؛ لذلك يبدأ نجمك في الارتفاع حين تبدأ في الظهور، وحين تأتي مرحلة الاحتراف، قد يصبح الإبداع واجبا يوميا ثقيلا لابد للمرء أن ينتهي منه وكأنه واجب مدرسي، هذا لو نظرت إليه وكأنه كذلك.

الشخص الذي يحب عمله، لا يعمل، أي أنه مستمتع ولا يشعر بأنه في وظيفة مفروضة عليه. لو حاولت أن تضع نفسك في الحالة الذهنية الأولى (أي النظر للموضوع وكأنه لعبة أو هواية محببة) ستصنع فارقا ملموسا في إنتاجك، تذكر دائما كيف كنت تنظر للموضوع في المراحل الأولى، واجعل هذه نظرتك الدائمة لعملك، الإبداع ليس وظيفة، بل هواية تستمتع بممارستها.

ج- اسأل.. استشر

لا يمكننا الحكم على أنفسنا بنجاح، نحن نرى أننا الأفضل وننجذب نحو من يمتدحوننا طوال الوقت، إلا أننا قد لا نكون كما نظن أنفسنا.

منذ سنوات عديدة، حين كنت فنان كاريكاتير مبتدئًا، عرضت أعمالي على الفنان “مصطفى حسين”، فقال لي: “عندك بذرة كويسة”
أذكر أنني تعجبت وقتها، لأنني كنت أعتقد أن موهبتي أكبر من أن يقال عنها إنها بذرة. وبمضي السنوات، طورت أسلوبي واكتسبت المزيد من الخبرة، عندها نظرت للوحات التي كنت أرسمها في صغري، واكتشفت فعلا أنها كانت بذرة لما أنا عليه الآن.

المبدع ديكتاتور بطبعه؛ لذلك فنبع الإبداع يجف بطبعه. دعنا نحاول إطالة عمر هذا الإبداع، ولا نتركه يتخذ دورته الطبيعية نحو الفناء. نحن لا نعرف الحكم على أنفسنا؛ لذلك فلنستعن بالآخرين، لهذا السبب يستعين الفنانون في هوليوود بطاقم من المستشارين؛ كي يشيروا عليهم يجب أن تعرف هل أنت جيد أم سيء؟

اعتبر نفسك سيئا دائما، واسع نحو التجديد والتحسين من أسلوبك، راقب ردود الأفعال واعمل لها ألف حساب، استشر من تعتقد أنهم يفهمون هذه الأمور (مش أي حد) وضع لتعليقاتهم ألف اعتبار. لو اعتقدت أنك الأفضل، وأن الآخرين لا يفهمون، فاعلم أن المنحنى الخاص بك قد بدأ في الهبوط في بطء. الأخذ برأي المتخصصين ومن تثق بخبرتهم، سيجعلك تتقدم أكثر. فلو لم تتقدم خطوات إلى الأمام، فستجد أنك تتراجع؛ لأن العدائين المنافسين سيسبقونك في مرمى السباق.

د– مصاصو الدماء

 لو كنت موهوبا فعلا، فستكتشف أن هجوما عنيفا قد شن عليك من قبل مصاصي دماء، يطاردونك لامتصاص الإبداع من دمك.
بالتأكيد قابلت أحدا منهم:
– شخص غير موهوب ولا علاقة له بأي نوع من أنواع الإبداع، تجده يستوقفك وينصحك بأشياء سخيفة خاطئة ويلعب دور الناقد معك دون أن تطلب؛ كي يشعر بأنه مهم.

– شخص موهوب وله علاقة وثيقة بالإبداع، يعمل بانتظام على تكسير مجاديفك وإخبارك بأنك غير موهوب، والسبب معروف طبعا، وما عدوك إلا بعض أولاد كارك.
هؤلاء يسعون إلى تدمير موهبتك، الأول دون أن يتعمد هذا، بينما الآخر متعمد طبعا.
هل تتجاهلهم؟
لا، طبعا.
مثلا: فنان الكاريكاتير “عمرو سليم” واجه النوع الثاني ويقول:   “أدين له بكل نجاح نجحته؛ لأنه جعلني أتلافى أي أخطاء في أعمالي، وأجبرني على أن أتقن كل ما أقوم به؛ كي لا يجد كلمة يعلق بها”.
حول هذا الهجوم لنقطة في صالحك، اجعل هذا الهجوم وقودا لتقدمك وإتقانك لعملك.
وتذكر أن خير وسيلة للانتقام، هي أن تكون ناجحا.

هـ- ياما في الجراب يا حاوي

لو أحضرنا وعاء، وملأناه بالماء حتى حافته، فهل ستكون هناك مساحة كافية لوضع أي شيء آخر؟ لا، طبعا. لو أردنا وضع شيء آخر، علينا أن نفرغ الماء الموجود في الوعاء أولا، أليس كذلك؟ هذا هو الموضوع بالضبط، عقلك هو الوعاء، الفكرة في الماء. عليك أن تفرغ عقلك من الأفكار الإبداعية التي تشغله, كي يكون هناك متسع للمزيد من الأفكار الجديدة. الفكرة المحبوسة بتعمل قفلة في الدماغ (كده بالبلدي)؛ عشان كده لازم تطلعها بأي طريقة (تكتبها أو ترسمها أو تغنيها أو……) عشان تفضى لفكرة جديدة غيرها، لو لم تخرج الفكرة من عقلك، فستظل فيه، مانعة أي فكرة أخرى من الظهور. لو كنت تمتلك موهبة وجاءك شخص مبتدئ يطلب منك المشورة والنصيحة، فلا تتردد أبدا في إعطائه كل ما عندك.
تخيل؟ هذه هي الحقيقة، هذا المبتدئ جاء؛ ليعطي لك خدمة جليلة وهي أن يفرغ الماء من الوعاء الخاص بك. لو اعتقدت أن جراب الحاوي الخاص بك فيه ثلاث خدع فقط، فلا تتردد في إعطائه سر الصنعة؛ كي يفرغ جرابك وتشعر بالخواء وتسعى لتعلم حيل جديدة. وحين تفعل ستكتشف أن حيلك القديمة، مازالت على الرف إلى أن تحتاجها مرة أخرى. أفضل وسيلة للتعلم، هي أن تعلم شخصا.
هذا هو السر.

و- كن مبدعا كي تبدع

يمتاز التفكير الإبداعي بأنه إبداعي، لو فكرت بنمطية معتادة فلن تتقدم، الإبداع هو أن تجد شيئا جديدا لم يتطرق إليه أحد، أن تجد منطقة مظلمة لم يضئها أحد، فكر في أن تكون مختلفا لا مكررا. كثر المطربون في الساحة وكلهم يتكلمون في موضوع واحد وهو: الحب.

راقب معي من خرجوا عن هذه النمطية، ويغنون في مواضيع أخرى في الحياة: “محمد منير”- “شعبان عبد الرحيم”….،هذان (مع الفارق طبعا) نموذجان فريدان تشعر بأنهما يغنيان في منطقة لا منافس لهما فيها، أليس كذلك؟

الإبداع هو أن تجد منطقة جديدة تطرقها أنت وحدك.

إذ أنه من السهل أن تكون المنتصر حين لا يكون هناك منافس، إيجاد الأفكار الإبداعية هو السهل الممتنع، لو كنت تبحث عن موضوع لإبداعك فانظر – مثلا- من النافذة، وأول شيء تراه أمامك اجعله هو حل المشكلة.
أو فكر في الموضوع الذي من المستحيل أن تفكر فيه، فكر في الاتجاه المعاكس تماما لاتجاهك المعتاد، في الحل الذي من المستحيل أن يكون حلا، ستجد أنك وجدت فكرة لا بأس بها إطلاقا، وفي الغالب عبقرية.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: