كيف يشكل الانقلاب في مصر خطرًا على غزة والمقاومة؟

لا يختلف اثنان حول ارتباط المشهد السياسي والميداني بين كل من مصر وغزة، قسراً تتدحرج كرة التداعيات من القاهرة إلى غزة مروراً بتصعيد المشهد الميداني في سيناء الذي أصبح عباءة المبررات في تصعيد اللهجة نحو غزة.

هدير الآليات المصرية على حدود رفح لا ينقطع منذ أيام وهي تهدم مزيداً من الأنفاق الحدودية بين غزة ورفح المصرية، الأمر الذي أدى لارتفاع جنوني لأسعار السلع وعلى رأسها مواد البناء.

الحصار والحرب والانقلاب، هو مثلث العمل في أروقة المخابرات الصهيونية والسلطة الفلسطينية وشركائها في أجواء تشبه لحد كبير ما قبل حرب الفرقان بأيام، حيث يشتد الحصار ويتم وقف إدخال البضائع ويصطف الناس بالمئات للحصول على جالونات الوقود.

غزة بعد القاهرة

الحديث عن دفع عجلة التسوية والتقاء قادة الانقلاب في مصر مع مصالح الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية, يضع غزة في بؤرة الصراع من أجل تكرار التجربة عليها، سواء بالانقلاب أو الحرب من أجل تغيير واقعها المقاوم.

ويقول محمد مصلح الباحث في الشأن الصهيوني: إن الرئيس المصري محمد مرسي، الذي عُزل بانقلاب عسكري، حاول في السنة الماضية العمل على تفعيل معاهدة الأمن العربي المشترك, وإحياء التعاون العربي في الدواء والغذاء, الأمر الذي لم يرق للكيان الصهيوني.

ويضيف: “الآن أصبحت “إسرائيل” مطمئنة وهي تدرك أن الانقلاب لن يعود للوراء بعد التوغل في الدماء المصرية، لذا هم يدرسون الآن الاستمرار في دعم رئاسة الانقلاب, ويضعون جل اهتمامهم لملف غزة وسيناء”.

ويشير إلى أن الاحتلال أصبح يتحدث اليوم عن فتح معبر بيت حانون في ظل إغلاق معبر رفح، وقد نشطت سلطات الاحتلال طوال الأسابيع الماضية لإعاقة وقف المساعدات لمصر لحماية المصالح الأمريكية.

ويفسر مصلح مراحل المؤامرة التي قادها الجيش المصري بالقول: “كانت مرسومة بأن يأخذ الجيش زمنًا محدودًا ثم يكون هناك انقلاب بقيادة المجلس العسكري, وقد جاءت حملة كيري سابقة للانقلاب, وما يجري الآن هو ترميم لنظرية الردع الأمريكية و”الإسرائيلية” في المنطقة”.

الخطوة الأولى بعد تسويق الانقلاب هو سيناريو سيناء و”حماس” كأولوية في ظل انسداد في الأفق السياسي بملف المفاوضات، والكيان الصهيوني يحاول تغليب مصلحته الأمنية.

ويؤكد أن الكيان الصهيوني وشركاءه سيحاولون إسقاط حكومة “حماس” لسببين؛ الأول: هو ترميم نظرية الردع، ثم إعادة الهيمنة للعسكر ثم معالجة ملف سيناء، وكل الخيوط الآن تتجه نحو حصار غزة, وخلق بيئة أمنية في سيناء, وزيادة شرعية عباس في غزة.

أما المحلل السياسي عبد الستار قاسم فيتوقع أن يشتد الحصار على قطاع غزة حين يقوم الجيش المصري بمواصلة هدم الأنفاق وإغلاق معبر رفح والزجّ بسيناء خلف كل تطور سلبي.

ويضيف: “قطاع غزة كان ولا يزال يتأثر بشكل مباشر بما يحدث في مصر, وتهريب السلاح قد يمر بمرحلة ضعف، أما سيناء فستمر بفترة تصعيد إذا بدأت جبهة النصرة والقاعدة العمل فيها”.

ولا يستبعد المحلل قاسم أن ترتكب قوات الاحتلال عدواناً عسكرياً تساعدها فيه سلطة رام الله والجيش المصري, تحتل فيه ما يعرف بمحور “فيلادلفيا” في رفح وتهدم الأنفاق وتستنزف المقاومة.

ويقول قاسم إن “أيديولوجيا” الإخوان تقوم على المهادنة وهم تنظيم دعوي لا يتبع العنف, وإن الصدام هو الحل الأخير في نظر الإخوان؛ حيث كانت آخر مصادماتهم مع النظام السوري سنة 81.

ودعا قاسم الحركات الإسلامية التي وصلت لمؤسسات الحكم في بعض الدول العربية أن تكون أكثر انفتاحاً وشراكةً مع كامل الطيف من حولها؛ لتتمكن من إقناع الناس بتجربتها واحتواء همومهم.

ويقول إن المجلس العسكري يحمل العداء لغزة وحماس لارتباطها بحركة بالإخوان المسلمين، رابطاً دعمه للسلطة برئاسة عباس بخصوص غزة؛ بالتوافق الصهيوني.

أما الدكتور خالد صافي المختص في شؤون الحركات الإسلامية فيؤكد أن خيارات البقاء أمام تنظيم الإخوان المسلمين في مصر لا تتعدى أربعة خيارات؛ أولها إعادة بناء الحركة ضمن رؤية إستراتيجية تتجسد في بناء الجماعة من جديد ضمن رؤية سياسية تقوم على الشراكة الفكرية والسياسية وتطرح حلولاً جديدة للتعامل مع العسكر.

ويجسد الخيار الثاني ما وقع في الجزائر بعد فوز الإسلاميين هناك، ويقصد “المواجهة الأمنية” مع حكومة الانقلاب، الأمر الذي سيستنزف جهدًا كبيرًا من الحركة ويشكل خطرًا عليها.

ويتابع: “قد يجد بعض شباب الإخوان في أدبيات سيد قطب ملهماً لهم في تبني فكر إسقاط الحكام واعتبارهم تكفيريين، ولهذا السيناريو انعكاس خطر على مستقبل جماعة الإخوان المسلمين في مصر”.

أما الطريق الثالث فهو حلّ جماعة الإخوان المسلمين في مصر والتعامل مع الحياة السياسية من خلال أفراد، وهو نموذج حدث في البحرين من سنوات لكنه نموذج صعب الحدوث في مصر، إضافة إلى خيار رابع وأخير وهو حدوث انشقاقات يتلوه إعادة رؤى.

ولا يمكن فصل مستقبل الإخوان في مصر بحركة حماس بقطاع غزة؛ فبينهما كثير من نقاط الالتقاء في معظم الزوايا، الأمر الذي يجعل عدوهم مشتركاً ويجمع كلا من الكيان الصهيوني وسلطة الانقلاب والسلطة الفلسطينية وأصدقائهم عليها.

أزمات متواصلة

ورغم مشوار الإخوان الطويل في مصر من مقارعة أنظمة العسكر الحاكمة إلا أنها تشترك مع حركة حماس التي تتولى زمام الأمور في غزة وتدور عليها الدوائر الآن في أنها تتعرض لمحنة تتلوها محنة.

ويقول المختص صافي إن الإخوان واجهوا قبل ذلك مراحل صعبة سنة 54 و56 وهم في عهد الرئيس عبد الناصر حتى سنة 65 لكن المرحلة الحالية قد تكون الأصعب لما تحمله من عدد كبير من الضحايا.

وتشير أحدث التقديرات إلى أن عدد الشهداء في أحداث مصر الأخيرة وصل قرابة 6000 شهيد و14 ألف معتقل و4-6 آلاف مفقود فيما تتكتم السلطات المصرية في ظل الانقلاب عن الأرقام الحقيقية لما جرى.

وتشبه حماس حركتها الأم في مصر لحد كبير؛ فهي قد تعرضت لهجمات في زمن الاحتلال وسلطة أوسلو زادت بدورها من شعبيتها طوال أكثر من 20 سنة لكن حماس كانت مبادرة بحسم الصراع في غزة في السنوات الماضية.

ومن أبرز محطات غزة بقيادة حماس حصارها المستمر لسنواتٍ سبعٍ وحرب الفرقان وحجارة السجيل وعدد لا منتهي من الاجتياحات الصهيونية، فيما لا زالت ترفع شعار تحرير فلسطين من البحر إلى النهر.

ويعتبر المحلل قاسم أن غزة رغم صغرها تعتبر التجربة الوحيدة التي أرسى الإسلاميون فيها دعائمهم, وصمدوا خلالها أمام الاحتلال الصهيوني بكامل قوته؛ رغم تواطؤ العالم مع الكيان الصهيوني.

لأجل ذلك كله؛ فإن غزة على صغرها الجغرافي وأهميتها في مقارعة الاحتلال ترتبط بشكل كبير بجارتها مصر التي عاشت مرحلة انقلاب عسكري على الشرعية السياسية بقيادة الجيش المصري الأمر الذي يجعلها في بؤرة التطورات القادمة.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: