لبنى العباسي: الأزمة السياسية " أسبابها و سبل الخروج منها"

جلي للعيان أن الأزمة السياسية في تونس ليست بمعزل عن الأزمات السياسية في بلدان الثورات العربية ، ذلك أن قوى خارجية تهددت مصالحها فسعت جاهدة لاخماد صوت التحرر عند شعوبنا و تعمل على اعادتنا الى وطأة الوصاية و التبعية ، و للأسف هذه القوى الأجنبية تستعمل أيادي محلية لاعادة قمع الشعوب التائقة الى الحرية …
و الأزمة السياسية الراهنة في تونس ليست بمعزل عن الأزمات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و الفكرية و لا سيما أزمة تقهقر القيم التي استفحلت و استشرت … و هذه الأزمة نتاج عدة معيقات لعل أبرزها فقدان البرامج و السياسات الواضحة التي تقطع مع الفساد الموروث ، فضلا عن التخلي عن المسار الثوري و استبداله بما يسمى بالمسار الانتقالي و صولا الى ما يسمى بالمسار الانتخابي، حيث أريد للثورة أن تختزل فيه فضاعت بذلك استحقاقاتها ، و كان الاعتداء البشع على مشروع الثورة ، و أراد الفرقاء السياسيون المتضابو المصالح أن ينتزعو من الثورة روحها فكأنها حدث عابر انتهى بطرد بن علي …

و كانت الأزمة السياسية وليدة ضعف و ارتباك في مهام مؤسسات الدولة ، فالمجلس الوطني التأسيسي و منذ توليه مهامه بادر بالتنازل طوعا عن دوره الريادي و تنازل عن سلطته الأصلية ، و اكتفى بمتابعة بعض الأحداث في البلاد و التعليق عنها … وبقيت مشاريع القوانين الثورية سجينة أدراج مكتب المجلس ، بل وصل الأمر برئيس المجلس و في عديد المناسبات الى تمرير املاءات و أجندات أجنبية يتلقاها بمناسبة سفرياته المغلقة … و على سبيل المثال لا الحصر مجلة الاستثمار الغريبة عن واقعنا المكرسة لكل مناهج الفساد و الاستغلال فهل حررت وفق مقاييس وطنية ؟
كذلك نعيب عن المجلس الوطني التأسيسي استسلامه منذ البدء لتزكية أعمال الحكومة التي أبدعت في قلب الأدوار فتحولت الى سلطة أصلية في البلاد عوضا عن المجلس الوطني التأسيسي الذي تخلى عن سلطته الأصلية و استبدلها بأخرى فرعية …و تواصلت الهزائم تحت قبة المجلس وصولا الى قرار رئيسه المخالف للقانون و القاضي بتعطيل أشغال المجلس الوطني التأسيسي بوصفه احدى مؤسسات الدولة ، فشرعت بذلك السلطة الأصلية في البلاد الى الاعتداء عن مفهوم الدولة ، وكان ذلك استجابة لاملاءات خارجية تطمح الى وأد الثورة متعللة بما يسمى بالحوار الوطني الفاقد لكل مضمون سياسي و الرامي الى اعادة توزيع الأدوار و بالأحرى الغنيمة ، فكانت مفاوضاته المغلقة تدبر لتمكين الأحزاب التي رفضتها صناديق الاقتراع من السلطة ، الحوار اللاوطني المتكرر في عدة مسميات يريد تعزيز رصيد الأحزاب التي تحصلت على نسب ضئيلة من ثقة الشعب … و بكل وضوح مفاوضات ما يلقب بالأحمرة الوطنية تريد الانقلاب على الشرعية و تسليم السلطة من جديد لمن قامت الثورة ضدهم …

و الأزمة السياسية في البلاد مردها فشل الحكومة و عدم قدرتها على رسم سياسات و برامج واضحة و ثورية تقطع مع أساليب الطغيان و تستجيب لمستحقات الثورة …بل للأسف فحكومات ما بعد الانتخابات لم تخجل من الحفاظ على نفس أورقانيقرام Organigrame النظام السابق الذي طالب الشعب باسقاطه هاتفا الشعب يريد اسقاط النظام … كلا الحكومتين اكتفت بتغيير رأس كل وزارة فحسب ، و تمسكت ببيادق بن علي و شركائه و ظلت وفية لنفس الممارسات …حكومتي ما يسمى بنسيج الترويكا وصلت الى سدة الحكم و لم تحكم بل أذنب في حق الثورة …

و الأزمة السياسية ساهمت فيها مؤسسة الرئاسة ، و اني لا أذيع سرا اذا قلت أن هده المؤسسة متأرجحة بين المواقف الثورية و نقيضها ، و اني أدين بشدة تكرار استقبال رئيس الجمهورية لأباطرة النظام السابق في القصر فكأني بها لعنة ضلت تطارد قصر قرطاج … كذلك أستنكر دعم الرئاسة لمجهودات الانقلابيين رعاة الحوار البائس ، و بهذه المناسبة أطالب رئيس الجمهورية بعدم نكث العهود و بكشف الأرشيف حتى يتمكن الشعب الكريم من معرفة الحقيقة …
خلاصة القول ان أطراف الأزمة السياسية مترامية و جمعت بين مختلف النخب و بين السلطة المذنبة في حق الثورة و المعارضة اللاهثة وراء سلطة لا تستحقها …

و يبقى أن نفكر جميعا في سبل الخلاص من هذه الأزمة ، و اني أرى الخلاص كامنا في العودة و بكل قوة الى المسار الثوري دون سواه ، و العمل على تحصين الثورة بفرض قوانين ثورية تنسف ممارسات الفساد و تشرع لبناء دولة القانون …و هذا البناء يحتاج وطنيين رافضبن كل المساومات الحقيرة مؤمنين أن الثورة أمانة …و كل مواطن تونسي شريف يمكنه المساهمة من موقعه في اعادة الورح الى الثورة ، و لن نبخل في الحفاظ عن ثورة سالت من أجلها دماء الشهداء ..

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: