19qpt697

لست شارلي ولن أكونه! (بقلم/توفيق رباحي)

مجلة شارلي إيبدو الفرنسية، وبعد الهجوم عليها الأربعاء قبل الماضي، عادت للظهور في الأشكاك بطباعة ملايين النسخ بعد أن كانت تطبع بضعة آلاف لا تباع.
ما تحقق للمجلة هو ثمرة ما جناه المخططون والمهاجمون الذين اقتحموا مبناها وقتلوا عدداً من موظفيها. لكنه أيضاً هو ثمرة العناد والإصرار على الخطأ على الرغم من تبعاته الكارثية.
هناك جدلية ثنائية: هل طبعت شارلي إيبدو الملايين لأنه أيقنت أن الناس في انتظارها في الأكشاك بالملايين، أم أن الناس خرجوا بالملايين مدفوعين بفضول قرار طبع ملايين النسخ؟
لا يُعرف بوضوح كم بيعت من النسخ المطبوعة، لكنها أكيد كانت كثيرة جداً بسبب ما أحاط بالهجوم من حراك أمني وسياسي وثقافي واجتماعي امتد للعالم. في مثل الظروف التي أحاطت وأعقبت الهجوم على المجلة، ينساق الناس إلى مزاج متشابه وتغلب العواطف، فيكفي أن يقف خمسة أشخاص أمام كشك جرائد بباريس ليقولوا إنهم في انتظار وصول شارلي إيبدو ليقف وراءهم عشرة ثم مئة فمئتين وأكثر.
في كل الأحوال هذا واقع «منفوخ فيه» ولا يمثل حقيقة شارلي يإبدو. إنها مجرد حملة تجيشت فيها العواطف وتشابه المزاج مؤقتا، قبل ان تعود مغمورة كما كانت.
حقيقة الأمر ان شارلي إبدو مطبوعة مغمورة تعيش على العناد والإصرار على الخطأ والإساءة، وتبحث عن الشهرة بأي طريقة بعد أن عجزت عن تحقيقها بالعقل والانتشار الطبيعي والتفوق المهني.
لهذا كله وغيره، لست شارلي ولن أكونه.
لن أكون أبداً شارلي، ليس لأنه تطاول على نبي الإسلام محمد (ص) وأساء له متجاوزاً حدود الأدب والأخلاق والمروءة والمسؤولية، بل أيضا لأن شارلي تطاول ويصر على التطاول على الأنبياء الآخرين والقساوسة والرموز السياسية والروحية التي توحد الشعوب وتجعلها تحافظ على توازنها وعقلها. وأكثر من ذلك هي رموز تتطلب احتراما بغض النظر عن اتفاقنا معها أو اختلافنا.
ولدتُ ونشأتُ في مجتمع يقال إنه يقمع الحرية الفردية وينوب عن الفرد في اتخاذ قراراته ورسم حياته، ويُتهَم بأنه قائم على الكبت وقمع الأفكار والآراء المخالفة. ورغم كل ذلك نشأت أحترم الأديان والأنبياء والرسل جميعا، ولُقِّنت منذ المهد احترام الناس مهما كانت دياناتهم ومعتقداتهم.
كيف بعد هذا أكون شارلي؟
لن أكون شارلي، لكنني احترم مَن اختاروا أن يكونوه. غير أنني لن أمتنع عن التذكير بأن شارلي هذا ذاته منافق جبان يكيل بمكيالين وأكثر.. فقد ضايق أحد رساميه وأوصله إلى الطرد من وظيفته في 2008 لأنه تجرأ ورسم صورة لنجل الرئيس الفرنسي آنذاك نيكولا ساركوزي مع تلميح وتصريح ليهوديته.
لست شارلي لأن «أنا شارلي»، وعكس ظاهر الأشياء، شعار يُستعمَل اليوم ليس لحماية الحريات والدفاع عنها، بل ذريعة لقمعها والحجر على الأفكار والتضييق على المسلمين وغير المسلمين في حياتهم الخاصة والعامة.
هذا الشعار له ضحايا كثُر ليسوا كلهم من المسلمين. وسيسقط آخرون طالما بقي العالم ذليلا أعمى يرفض النظر إلى الأشياء بجرأة وصراحة.
أحد الضحايا جيم كلانسي مذيع سي إن إن الأمريكية المخضرم. اضطر كلانسي للاستقالة من وظيفته بعد 34 عاما من العمل بسبب تغريدات تجادل فيها مع نشطاء يهود حول شارلي إبدو. ليس مهماً هل أخطأ كلانسي أم اصاب، بل الأهم والأخطر أن يُدفع إلى ما دُفع إليه بسبب أفكاره. الأخطر ذلك الحظر المفروض على نوع محدد من الموضوعات ممنوع خوض أي نقاش فيها.
عمرٌ كامل من العطاء نسفه شعار «أنا شارلي» وتغريدات لم تُعجب المستفيدين منه (الشعار) وليس المؤمنين به.
هناك حالة أخرى: تيم ويلككس، مذيع الأخبار المعروف في تلفزيون بي بي سي ـ القناة الإخبارية الدولية ـ الذي اضطر للاعتذار عن جملة عابرة قالها اثناء تغطيته مظاهرات باريس الكبرى الأحد قبل الماضي.
أثناء تسجيله انطباعات الناس في الشارع خاطب إحداهن: «لكن بعض منتقدي إسرائيل يرون أن الفلسطينيين يعانون كثيراً على يد الإسرائيليين أيضا. ما رأيك». من يعمل في الصحافة ويعرف لغتها، يدرك ان الرجل لم يتبنَ السؤال بل نقله، ومع ذلك كاد يدفع حياته المهنية ثمناً، ودُفع إلى اعتذار مذل.
لم يعد النقاش حول حرية الرأي والفكر من عدمها. لقد أصبح حول الحق في قول أشياء والتطاول على أخرى دون غيرها. سُب نبي الإسلام واسخر من صوم رمضان ومن ختان الأطفال ومن الرهبان والراهبات، حرية يجب دعمها وحمايتها. اقترح (فقط) أن ما يفعله الجيش الإسرائيلي اليوم بحق الفلسطينيين قد يشبه إلى حد ما ما فعله النازيون قبل سبعين سنة، فتلك معاداة سامية وجريمة ستقضي على حاضرك ومستقبلك.
أخيرا.. كيف أكون شارلي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأفيغدور ليبرمان شارلي أيضا؟ هذا وحده يغني عن بقية الأسباب ويكفي أي صاحب عقل ليصرخ: لست شارلي.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: