لفافة طلاق الإنشاء و عَوْد الدّياثة !! مقال الكاتب التونسي سامي باللّعج

لفافة طلاق الإنشاء و عَوْد الدّياثة !! مقال الكاتب التونسي سامي باللّعج

قديما صدح شاعر أمّتنا العربيّة “المتنبّي” قائلا : لا تـشتري العبد إلاّ و العصا معه، إنّ العـبـيـد لأنجاس مناكيد ، فعبّر بصدر الّذي تضيق عليه نفسه ، و بعجز الّذي تعتوره إحباطات عصره ، ما لم يقدر غيره على تبريره فيما يتعلّق بميلان بعض من فينا و عن طواعيّة إلى حال العبوديّة.

و من طرافة صدر البيت الشّعريّ ، أنّه يتحدّث عن واقعة اشتراء أو اقتناء موصوفة الدّلالات ، و ليس أبلغ من مثل هذا الإيحاء في تواشج فعل البيع الضّمنيّ مع غرض العبوديّة المعروضة لتنساب مطواعة إلى أكثر من يدفع من أموال ، لضمان الإشتراء التامّ !! و لعمري فإنّ هذه المعادلة الرّمزيّة من خلال إيحاء “المتنبّي” ، يجوز أخذها كأنموذج تطبيقيّ رائع ، عن مثل المستجدّات الّتي ابتلينا بها في هذه الفترة العسيرة و العصيبة من بناء صرح تعدّديّتنا السّياسيّة الشّاقّة في بلدنا التّونسيّ .

و من منّا لا يقرّ باختناق أجواء حملاتنا الإنتخابيّة ، بغازات تبخّر الأموال الفاسدة و المشبوهة ، تلك ، المتأتّية من جهات أجنبيّة غربيّة ، لا تريد لتونسنا إلاّ سيرورة التّبعيّة و صيرورة السّكوت عن حقوق شعبنا المصيريّة .

و انطلاقا من هذا الواقع المرير ، بات بديهيّا تسليمنا بانقياد جلّ ما في بلادنا من رعاع التّهافت على المال ، إلى الجهة الّتي تدفع أكثر دينارا ، من أجل اقتناص أكبر عدد من عبيد سوق النّخاسة السّياسيّ !! غير أنّ المذهل في كلّ هذا ، أنّ رقيق الذّمم المباحة للبيع في مثل هذه السّوق من النّخاسة ، هي أكثر من تعلم تحوّز أسيادها القدماء و المتجدّدين ، على عصيّ غليظة لن تتردّد في إعمالها على أجسادهم الّتي شروها بثمن بخس !

و انطلاقا من هذه المعادلة الغريبة و الطّريفة تتنزّل حقيقة اتّسام الّذين باعوا ذممهم بالنّكد و النّحس و حتّى الرّجز أو الرّجس في يوم عصيب كيوم 26 أكتوبر 2014. من أجل ذلك كانت مقولة : “الشّعب يريد العصا من جديد ” أبلغ جملة تقرّحت بها بعض ألباب من في تونسنا ، ممّن أعيتهم مماطلات القوى المبسلة و المضادّة لثورتنا . و أبلغ من ذلك حين نشبّه ثورة حرّيّتنا و كرامتنا منذ ثلاث سنوات ، بالطّلاق الإنشائيّ الّذي لعب فيه الشّعب التّونسي دور الخلع ضدّ من فرضت عليه قهرا ، كزوجة لعوب و ماكرة ، و نقصد بها منظومة الإستبداد النّوفمبريّ المتأهّبة للعودة في كلّ حين ، و كلّ من سمع في العالم عن هذا الفراق الإنشائيّ ذات 14 جانفي 2011 ، قد اعتقد حينها باستحالة عودة زيجة المسوخ بين “تجمّع الدّساترة ” ، و كرام شعب تونس الأشاوس ، غير أنّ واقع تواجد بنين و بنات قد انسلّو من هذه الزّيجة المشبوهة كأيتام لقطاء ، أبى إلاّ أن يلقي بظلاله على تنوّر البلاد إلى حين بانعتاقة لم يكن القاصي و لا الدّاني يحلمان بها ، في حقّ تونس الخضراء .

و إنّ رمزيّة البنين و البنات ، نقصد بها تلك المنظومة و السّلط الّتي قد خلّفها المخلوع من بعد فراره المستعجل ، و هي كناية عن إداراته و مؤسّساته التجسّسيّة و هياكله النّقابيّة الموالية له في آخر عهده بسلطته المطلقة ، و حتّى تلكم الهيئات الّتي كان يتّخذها وليجة لدى رعاة الحقوق الإنسانيّة و منظّمات العفو الدّوليّة. و هذا الخلف من سلف زيجة الجلاّد الهارب و الضحيّة الثّائرة ، هو الّذي توافقت ألبابنا على تسميته بالدّولة العميقة أو بالحدائق الخلفيّة لما توهّمناه لردح من الزّمن إمساك بالسّلطة من لدن الشّرعيّة الثّلاثيّة ، و الّتي هي “التّرويكا” ، و بسبب هذه البنوّة العاقّة ، لم يتسنّ لثلاثيّ حكومة ما بعد الثّورة ، أن تركن و لو شيئا قليلا ، إلى ما توهّمته طلقة إنشائيّة باتّة و قطعيّة ، بين نظام الإستبداد ، و رعيّة شعب البلاد ! فكان ما كان من جلسة صلحيّة أولى بالمعنى المجازيّ ، تجسّمت في طرد عائل أوّل لحكومة شرعيّة الثّورة، ثمّ كانت جلسة صلحيّة ثانية أتت بحمار وطنيّ يحمل على ظهـره أسفار تنظيرات تنازليّة لتهيّأ الأجواء ، لطرد ثاني ، يحمل في طيّاته تــألّب مسبق الإضمار على شرعيّتي الثّورة و الإستحقاق الإنتخابيّ الوليد حديثا.

و من أجـل أن يقبل الشّعب التّونسيّ الثّائر بدياثة التّنازلات و بواقع العودة القسريّة للإرتماء في أحضان منظومة الجلد و كبت الحرّيّات ! فصار من جرّاء ذلك ما حسبناه طلقة باتّة بين الإستبداد و العباد ، كمثل زيجة متجدّدة و تامّة بينهما ، برغم كمد من بقي من أوفياء الثّورة ، و برغم عزوف من تخلّف عن شهادة الزّور في هذه العقدة المتقرّحة من النّكاح الإفتراضيّ و المفروض بابتزازات الإغتيالات ، و إبسالات إرهاب جبل الشّعانبي.

كلّ ما تقدّم مثّل مراحل استباقيّة لسحب بساط الكرامة من تحت شهود الثّورة التّونسيّة ، و لكي يكتمل مشهد الإنقلاب السّلس و المعروفة به تونسنا ، كان لزاما أن يتحقّق اختراق خبيث من قبل قوى استرذال الثّورة ، و ذلك صلب منظومة الإنتخابات المستجدّة بشقّ الأنفس ، فانجرّ عن ذلك استنساخ غريب و رهيب لشهر عسل ثالث بين ربّ البيت الدّستوريّ و الحاكم بأمر الطّغيان التجمّعيّ ، و بين ، شعب تونسيّ مسلوب الإرادة و ضعيفا كالعادة ، و ليس ثمّة من يشمئزّ من مثل هذا العسل المعذوق في الذّباب الوصوليّ الطنّان ، مادامت الدّياثة من قبل صاحب العصمة ، عنوانها الولاء التامّ لقوى استعمار تونس الغنيمة و الرّهان ! و ما دامت الغنيمة رضى “الأمريكان” و اطمئنان الجارة الجزائريّة الّتي تحفّزها كتهديد الطّوفان ، و هدأة “فرنسا” الرّاعية الأولى في استحكام قبضتها على حرّيّة كلّ شبر من تونس ينضح بحلم كرامة الإنسان.

منّي لفافتي الّتي تبحر في يمّ لجّيّ من تساؤلات المرحلة الحبلى بالإنتكاسات ، و منكم التفكّر أكثر في متلازمة توق الّذي تحكمه غرائزه العبوديّة ، فتدفعه دفعا ، إلى استجلاب سيّده الجبّار في وأد الحرّيّات و طاغيته البتّار للكرامات ، حتّى لا يبقى في البلاد متّكـئـا للإيمان و لا مأمنا للآمال.

سامي بللّعج

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: