لماذا أنا مسلم؟!

مِن قبل أنْ أبلغ العاشرة من عمري؛ وأنا أتساءل حائراً: لماذا أنا مسلم؟

ما تركتُ أحداً إلاَّ وسألته هذا السؤال! فما وجدتُ جواباً شافياً تطمئنُ إليه نفسي! من ذلك؛ أنني سألتُ أهلي الكرام: لماذا أنا مسلم؟ فقالوا لي: لأنكَ من ذرية “الزهراء” عليها السلام! ثمَّ ذهبتُ إلى سكان القرى والنجوع المجاورة، وسألتهم: لماذا أنتم مسلمون؟ قالوا: إننا من الأشراف! فتركتهم، ومضيتُ أبحثُ عن غيرهم؛ حتى بلغتُ مشارق مدينة (قوص) العريقة، وسألتُ أصلحَ الناس؛ لماذا أنتم مسلمون؟ فقالوا: هنا كان الملك (أحمس) زعيم الموحِّدين في مصر القديمة! فتركتهم حتى بلغتُ مغارب المدينة المترمية الأطراف؛ وسألتُ أمثلهم طريقة: لماذا أنتم مسلمون يا سادة؟ فنظروا إليَّ شزراً، وقالوا: نحن من نسل الملك (مينا) داعية الوحدة والتوحيد! فرجعتُ بخفيّ حُنيْن! وقلتُ في نفسي: إنَّ هؤلاء وهؤلاء لفي ضلالٍ مبين! لقد وجدوا آباءهم على أُمَّةٍ؛ فهم على آثارهم مقتدون!!

عندئذٍ؛ اشتدَّتْ حيرتي، واشتعل غضبي .. لدرجة أنني كنتُ أتململُ ذات اليمين وذات الشمال؛ باحثاً عن مرفأ السلامة! ؛ فطفقتُ أقرأ وأقرأ في مختلف الكتب السماوية وشروحها، حتى ألممتُ بتفاصيلها، ثمَّ قرأتُ كافة النظريات والفلسفات الأرضية، ووقفتُ على أدق أسرارها. فوجدتُ رسالات السماء؛ أوفى من الفلسفات الأرضية، وأهدى سبيلا، وأعظم مقصداً، وأشرف غاية.

ثمَّ قارنتُ بين الرسالات السماوية الثلاث (اليهودية، والمسيحية، والاسلام) كيْ ألتمس الهداية الحقيقية، وأقفُ على شاطئ النجاة … وعاهدتُ نفسي: أنني سأعتنق الديانة التي يقتنع بها عقلي علانيةً؛ دونما رهبة أوْ خجل من هذا ولا ذاك! فالديانات الثلاث؛ أقرتْ بحرية العقيدة!

 وقد انصبَّ بحثي حول ما يتعلق بأصول الإيمان: (الإله، والنبوة، والجزاء).

فوقفتُ على كمال (الرسالة الاسلامية) بالأدلة العقلية والنقلية معاً؛ وأدركتُ أنَّ (الإسلام) وحده القادر على انتشال العالَم مما هو فيه … فهو دين عالمي، لمْ يأتِ لإنقاذ قطيع من الخراف الشاردة، ولا يتجاوب فقط مع متطلبات الحياة، بلْ مع المشاعر الوجدانية للفرد في بحثها عن الذات الإلهية، وهو لا يقدِّم تصوراً منزَّهاً عن الآفاق فيما وراء الطبيعة فحسب، بلْ يقدِّم أيضاً قواعد رفيعة وشاملة للعلاقات الفردية والاجتماعية، ونظاماً اقتصادياً سليماً، ومذاهب سياسية عادلة وعملية .. فالإسلام ليس بالنجم المفرد المنعزل، بلْ نظام كوني شامل متكامل، يضم بين جنباته قواعد كلية، ونوراً يهتدي به الكل في دروب الحياة ومناحيها.

 إنَّ (الإسلام) ليس دين طبقة خاصة بذاتها، ولا هو دين أُمّةٍ واحدة بعينها، ولكنه دين الإنسانية كلها ودين بني البشر جميعاً، وفيه معاني الوحدة والتوحيد والأُخوة الإنسانية المشتركة: ]قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ[.

   وإذا نظرنا في القرآن الكريم؛ نجد هناك أكثر من أربعين آيةً يُذكَر فيها الله سبحانه وتعالى باسم ]رَبِّ العَالَمِينَ[ و]رَبِّ الفَلَقِ[ و]رَبِّ النَّاسِ[ هذا عدا الآيات التي ذكر فيها بالنص الواضح أنه النبيّ الخاتمe قد أُرسِل إلى الناس كافة، وأنَّ القرآن قد تنزَّل عليه ليقرأه على الناس؛ ففي أول سورة الفرقان: ]تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً[. فلمْ يقل (ربُّ الجنود) أوْ (إلهكَ وإله إسرائيل) كما هو الحال في الكتب السابقة!

وفي اهتمام الإسلام بالناس فيه ترسيخ لمعنى الإنسانية العام، وتأكيد على وحدة الجنس البشري، فالقرآن الكريم لا يخاطب العرب فقط، ولا شعباً معيناً، ولا قومية بذاتها، بلْ يخاطب الإنسان بوجه عام، ليقيم بين البشر جميعاً رابطة الإنسانية القائمة على ارتباط البشر بالله الخالق جلّ وعلا .. فهم جميعاً عباد الله، لا ليجعل شعباً معيناً مختاراً دون الآخرين.

من هنا يتضح البون الشاسع بين العقيدة الإسلامية وعقائد أهل الكتاب، المتعلِّقة بأصول الإيمان: (الإله، والنبوة، والجزاء).

فنجد (الإله) عند بني إسرائيل إله قبيلة واحدة يختصها بحظوته.

 ولكن الله في الإسلام هو إله الخَلْق أجمعين، لا يفضِّل أحداً منهم على أحدٍ بغير التقوى.

و(النبوَّة) عند بني إسرائيل صناعة خوارق وكشف عن الخفايا والمفقودات.

ولكن النبوة في الإسلام رسالة هداية وتعليم، وبلاغ إلى العقل والضمير، يقنع الناس بالبينات والآيات، ولا يجعل الإقناع موكولاً إلى التهويل بالخوارق والمعجزات.

و(الجزاء) عند أهل الكتاب يأخذ الأبناء بذنب الآباء، ويلحق الجزاء بالخلف البعيد انتقاماً من جنايات الأجداد والأسلاف.

 ولكن الحساب في الإسلام لا يأخذ إنساناً بجريرة إنسان آخر ]وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى[.

وليس في الإسلام سلطان للمعبد وكُهَّانه على العباد الذين يصلون إليه في كل مكان تحت السماء، ويعلمون أنهم أينما كانوا فثمَّ وجه الله. ولكن “الهيكل Synagogue” في اليهودية هو الذي يتقبل القربان من عباده، فلا يُحسَب لهم قربان بغير وساطة الكُهَّان والأحبار!

فالشمول الذي يؤكده القرآن الكريم يشمل النفس أيضاً، فيجمع النفس والضمير، ويخاطب الإنسان روحاً وجسداً وعقلاً وضميراً .. والإسلام يُسوِّي بين الناس جميعاً، فلا يميز بينهم في حقوق الإنصاف والمعاملة.

*   *   *

    من هنا نعلم؛ أنَّ الإسلام –وحده- صاحب القوة الروحية الهائلة، وفيه الحل الشامل لكل مشكلة إنسانية، فهو يتناول الإنسان كله، ولا يهمل فيه الباعث الأكبر على الطمأنينة، والحماسة للخير والصلاح، وهو باعث العقيدة والإيمان.

فاليهودية بأحكامها المنصوص عليها في العهد القديم تخص اليهود ولا تعم الأُمم الأخرى بالمساواة، فحرام على اليهودي أن يقرض يهودياً بالربا، ولا يحرم عليه أن يتقاضى الربا المضاعف من أبناء الأُمم الأخرى، ولا يجوز استرقاق اليهودي طول حياته ولا تزيد مدته في الرق سبع سنوات! و(الإصحاح العشرين من سِفْر التثنية) يقول لشعب إسرائيل: “حين تقرب من مدينة لكيْ تحاربها استدعها للصلح، فإنْ أجابتك إلى الصلح وفتحتْ لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويُستعبد لك، وإنْ لم تسالمك فحاصرها، وإذا دفعها الربُّ إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأمَّا النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمة تغنمها لنفسك. وأمَّا مدن هذه الشعوب التي يعطيك الربُّ إلهك نصيباً فلا تستبقِ منها نسمة”.

هذه هي حدود المعاملة بين المؤمنين بالعهد القديم وسائر بني الإنسان، فإذا سادت هذه المبادئ؛ فالأُمم كلها عبيد مُسَخَّرة، وأبناء إسرائيل وحدهم هم أصحاب السيادة والثراء!

والمسيحية كما هو معلوم لم تعرض لمسائل القانون ومسائل السياسة أوْ الاجتماع، ولهذا كانت دعوتها إلى السلام من الدعوات التي تصطدم بالواقع وتتمخض عن حروب لا تنقطع وحزازات بين الطبقات لا يهدأ لها أوار، كما نرى في تاريخ أوربا الحديث والقديم.

ولكن الإسلام يتناول مسائل الاجتماع ومسائل العلاقات بين المحاربين والمسالمين، فالمسلم يقاتل –فقط- إذا ظُلِم وأُخرج من دياره، ويأمره كتابه إذا ملك الأرض أن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر: ]أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ[.

ولا يجيز الإسلام للنبيّ أن يكون له أسرى: ]مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[.

ثم هو يستحب للمسلم المنّ أوْ الفِداء: ]فَإِمَّا مَناًّ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا[.

ومن بقي في الأسر وطلب المكاتبة فقبول طلبه واجب على مولاه: ]وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ َكَاتِبُوَهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ[.

ولا مطمع في معاملة بين الشعوب المتعادية أعدل من هذه المعاملة، وأقرب منها إلى إزالة العداء والبغضاء، فأمَّا المعاملة بين المسالمين فإنها كفيلة بإنصاف جميع الطبقات، لأنَّ الناس يتفاضلون بالأعمال الصالحة ولا يتفاضلون بالمظاهر والأنساب.

 ويُنكِر الإسلام الجوْر في توزيع الثروة؛ فلا يجيز لأحد أن يكنز الذهب والفضة قناطير مقنطرة، ومن جمع مالاً وجب عليه أن يؤدي زكاته للفقراء والمساكين ومصالح الجماعة بأسرها، وعليه أن يعين من يطلب منه العون قرضاً حسناً لا مضاعفة فيه للربا ولا تجاوز فيه لمكاسب البيع والشراء، فلا تطفيف للكيل ولا مغالاة بالربح ولا خداع، وكل يُجزَى بعمله وسعيه دون إيثار لأحد على أحد في خيرات الأرض جميعا ]هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً[. فلا يزعمنَّ إنسان أوْ جمع من الناس أنه أحق بالأرض مِن سواه.

فالعالمية أو العولمة أو النظام العالمي المنشود لا يعتمد على عقيدة أصلح لتعميمه وحض النفوس عليه من العقيدة الإسلامية .. لأنها أمل الإصلاح الوحيد.

 وإنَّ المسيحية تعني بخلاص روح الإنسان في حياته الأُخروية ولا تعرض عليه حلاً من الحلول التي تقبل التطبيق في الحياة الدنيا بين وحدة عالمية من جميع العناصر والأقوام، ولوْ كانت المسيحية الغربية علاجاً لمشكلات الإنسان في العصر الحاضر لعالجت تلك المادية الماركسية التي طغت على روسيا واقتلعتها من أحضان الدِّين والإيمان بالله.

  لكن؛ نجد الإسلام وسطاً بين نظام رأس المال ونظام الشيوعية، ينفي المساوئ عن النظامين معاً، ويأخذ بالمحاسن منهما بالقدر الصالح للجماعات؛ فهو يكره للمسلم أن يكنِز الذهب والفضة قناطير مقنطرة، ويحرِّم عليه الربا الذي يتيح لأصحاب رءوس الأموال أن يستغلوا جهود العاملين بغير جهد مفيد، ثم هو يأمر بالزكاة ويسمح بالتملُّك، ويطلِق السبيل للمنافسة المشروعة، فلا يقتل في النفوس دواعي السعي والتحصيل.

والإسلام يَحُول بين الإنسان وبين الاستغراق في شئون المعاش والدنيا، لأنه يناديه إلى حضرة العليّ الأعلى خمس مرات في الليل والنهار، فلا تطغى عليه النزعات المادية وهو يتردد على عالم الروح وعالم الجسد من الصباح الباكر إلى أن يضمه النوم بين جناحيه.

فالإسلام للمستقبل؛ وعسى أنْ يكون المستقبل للإسلام!

 

 

محمد عبد الشافي القوصي

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: