goui

لماذا نشد الحبال حول أعناقنا ؟! / بقلم جمال سلطان

[ads2]
خبران بالغا السوء للسياسة الخارجية المصرية هذا اليوم ، لأنهما يتعلقان بأخطر مصادر الحياة بالنسبة للشعب المصري وليس فقط بالنسبة للحكومة أو النظام السياسي ، الخبر الأول يتعلق باتهامات اثيوبية رسمية لمصر بالتورط في دعم أنشطة إرهابية مسلحة على الأراضي الأثيوبية مما يتسبب في زعزعة الاستقرار بالبلاد ، والخبر الثاني يتحدث عن قرار شركة النفط السعودية “أرامكو” وقف إمداد مصر بشحنات البنزين شبه المجاني . الماء والوقود هما دعامة الحياة لمصر الآن ، ويفترض أن تكون لهما الأولوية القصوى عند صاحب القرار للحفاظ على المصادر باعتبارها صميم الأمن القومي المصري حاليا ، ولكن الذي يجري الآن من مواقف وسياسات يجعلنا نضرب كفا بكف من مدى الاستهتار بتلك الملفات واتخاذ مواقف لا تخدم هذه المصالح الحيوية بل تدمرها . أمس تحدثت عن الموقف المصري في مجلس الأمن والذي خذل المملكة العربية السعودية ، الحليف الأهم للنظام المصري الحالي ، وللسيسي شخصيا ، وفي موقف يعتبر له طابع رمزي ليس أكثر ، من خلال التصويت أو عدم التصويت تنسيقا مع الموقف الخليجي في أزمة سوريا ، خاصة وأنه موقف أخلاقي وإنساني في هذه الحالة ، بغض النظر عن اتفاقك أو اختلافك مع السياسات الخليجية الأخرى ، فالقرار كان يهدف لحماية دماء الأطفال والنساء ومدينة حلب التي تدمر يوميا وعلى مدار الساعة بالغارات الروسية الوحشية ، ورأيك في مجلس الأمن لم يكن يقدم أو يؤخر ، ولكن “الحكمة السياسية” جعلت مصر تصوت لصالح مشروع القرار الروسي ، ضد السعودية والخليج العربي كله ، بل وضد أمريكا وفرنسا وبريطانيا وخمس دول أخرى ، أي أن مصر مع دولتين اثنتين فقط صوتت لصالح مشروع مرفوض بشبه الإجماع عالميا ، ما الذي دعاك لتلك الحماقة الديبلوماسية ؟ لا تجد أي إجابة ، سوى “خرابيط” قالها مسئول مصري محاولا تبرير الموقف المخزي ، والحقيقة أن هذا الموقف أتى في سياق حزمة مواقف أخرى شعرت معها السعودية أن مصر ليست جادة في التحالف الاستراتيجي معها ، وأنها تسمع معسول الكلام دون أي مواقف عملية ، ولذلك لم يكن من المفاجئ لي أن أقرأ اليوم الخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء عن مسئول مصري أن شركة “أرامكو” أبلغت مصر بتوقف ضخ شحنات البنزين ، والتي كانت تمثل إنقاذا حقيقيا للحكومة المصرية من كارثة فقدان الوقود ، ويكفي أن نتذكر أن طوابير السيارات الذي لم ينته أمام المحطات بحثا عن “لتر” بنزين ، كان أحد الأسباب التي أدت لانهيار حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي لأنها فعلت الغضب الشعبي عليه وزادت حدته . الحكومة المصرية الآن في ورطة ، وطلبت على وجه السرعة عروضا دولية للحصول على البنزين في أسرع وقت لتغطية النقص الخطير المتوقع ، إذا فشلت محاولات “تطييب الخاطر” مع السعودية ، وستقوم الحكومة بالبحث عن “الدولارات” اللازمة لاستيراد النفط ، وهي غير موجودة ، فستبحث عن الاستدانة أو المخاطرة باستخدام الاحتياط النقدي ، يعني أدخلت نفسك في دوامة مجانية واعتباطية ، وعرضت شعبك لكارثة حقيقية في مجال الطاقة الحيوية والتي تؤثر في كل تفاصيل حياته وحتى أكل عيشه لأن كل الأسعار تتصل بأسعار الوقود ، من أجل مجاملة بوتين ، وحماية نظام بشار الأسد الإجرامي . الخبر الآخر يتعلق بما أعلنه المتحدث الرسمي للحكومة الأثيوبية عن اتهامه لمصر بدعم عناصر مسلحة إرهابية معارضة في أثيوبيا ، وجاء هذا الخبر بعد يوم واحد من تصريحات وردية للخارجية المصرية تنفي فيها توتر العلاقات مع أثيوبيا وتؤكد على “متانة” العلاقات بين البلدين ، وأن الخارجية الأثيوبية عندما استدعت السفير المصري هذا الأسبوع إنما كان في إطار العلاقات الودية بين البلدين ، وكلام سخيف من تلك النوعية التي لا تحترم شعبها ولا الرأي العام ، وتشعر معها أن الخارجية المصرية تعيش بخيال وأدوات ما قبل الحرب العالمية الأولى ! ، ولم يمض سوى سواد الليل فقط على كلام الخارجية المصرية ليصدر في الصباح بيان المتحدث “الرسمي” للحكومة الأثيوبية يدين مصر ويتهمها بدعم أعمال مسلحة وإرهابية على أراضيه ، وإن كان المتحدث لم يحمل الحكومة مباشرة مسئولية القرار عن هذا الأمر ، ربما باعتبار أنهم أرادوا أن يرسلوا رسالة أولية لمصر بأننا نرى ما تفعلونه ، خاصة وأن البيان تحدث عن أدلة كافية للاتهامات . العلاقات مع أثيوبيا شديدة الحساسية هي الأخرى لأنها تتعلق بمياه النيل ، ومنبعه الأهم هناك ، والأمور معقدة معهم الآن بسبب سد النهضة ، والديبلوماسية المصرية فشلت تماما طوال السنوات الماضية في متابعة ملفه أو حماية المصالح الحيوية المصرية منذ البداية ، ولم تفق من غيبوبتها إلا بعد أن أوشك السد على الانتهاء ، وأرجو أن لا يكون “البعض” بعد خراب مالطة ، يحاول أن يعالج الحريق الكامن تحت الرماد بصب المزيد من النار أو اللعب بالنار ، فالأمور هنا شديدة الحساسية ، وقد تضعك في النهاية أمام خيار الحرب . الاستهتار المصري بالعلاقات الحيوية للدولة مع عمقها الأفريقي ظهرت مع حكم مبارك ، وتهمشت ، حتى نسيتنا أفريقيا ونسيناها ، وضعف النفوذ المصري في أرجائها ، ولكن الأمور الآن ليست استهتارا ، بل تدهورا في العلاقات يمكن أن ينعكس بشيء خطير للغاية على الأمن القومي للبلاد ، وبشكل عام لم تكن الديبلوماسية المصرية والسياسة الخارجية لمصر ـ في يوم من الأيام ـ بمثل هذا السوء الذي هي عليه الآن .

المصريون
[ads2]

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: