له الْخَلْقُ وَالأَمْرُ.. وللعلمانيين الحجر

له الْخَلْقُ وَالأَمْرُ.. وللعلمانيين الحجر

يقول الله تعالى : ” أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ” [الأعراف54]

لو فهم الناس هذه الجملة القرآنية – وغيرها من الآيات التي في موضوعها – ما خرج علينا من يقول لا سلطان للدين على السياسة، فمثله كمثل من اشترى جهازًا كهربائيًا من صانعه، فلما قال له صاحب الصنعة خذ هذا الكتيب يرشدك إلى أقوم السبل لإدارة الجهاز، فرد عليه ذلك المشتري : أنا أديره من دون إرشاداتك.

فالله تعالى لا يخلق خلقًا ثم يدعهم للشيطانِ يفصل بينهم .

والإيمان بالله ربًا يقتضي بالضرورة الإيمان به مشرّعا لما خلق، فالبشر فيهم من الله أمران أساسان، الأمر الأول أنه خلقهم، والأمر الثاني أنه لم يتركهم عبسًا فشرّع لهم وأنزل لهم الكتب، وبعث فيهم الرسل .. ومن ثم إفراد الله  بالتشريع والتدبير والتنظيم في حياة الناس أسريًا واجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا _ هو من صميم الإيمان.

ربانية السياسة :

لما خلق الله البشر، واستخلفهم في الأرض، ليحققوا العبودية الكاملة؛ بعث فيهم النبيين يسوسونهم بمنهج الله، وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، وفي ذلك يقول الله تعالى :

” كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ” [البقرة213].

فقد كان البشرُ في أول عهدهم بالأرض جماعةً مسلمةً واحدةً ، ولاسيما في عهد آدم، وفي عهد نوحٍ بعد الطوفان ، كانوا أمةً واحدة ، ولُحمةً واحدة ، على منهج واحدٍ ؛ ثم تفرقوا واختلفوا ، كل حزب بما لديهم فرحون ، فأرسل الله النبيين ـ كل نبيٍ بلسان قومه ـ مبشرين بالجنة إنْ هم أطاعوا وحققوا الغاية من خلقهم، ومحذرين بالنار إنْ هم عصوا وانحرفوا عن منهج الفطرة؛ وأنزل مع هؤلاء الأنبياء المنهجَ الذي يُساسُ به الناس ، كتابًا من عند الله لا يعتريه الباطل ، وإنما أنزل هذا الكتاب[1]  ) لِيَحْكُمَ ( .. ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه من سائر الأمور ، وهكذا يكون كتابُ الله وقاءً للبشرية من الزلل والخلل ، ولكن العجب العجاب أن الذين اختلفوا    فيه ، هم الذين أنيط بهم الكتاب ـ كعلماء اليهود والنصارى ـ ، ولقد اختلفوا فيه من بعد ما جَاءَتْهُمُ الآيات الْبَيِّنَاتُ ، والبراهينُ الجليات ؛ وما اختلفوا إلا بسبب البغي والبغضاء والحسد ، فإذا ما تسلطت البغضاءُ على الصف الواحد حدث الشقاق والفِراق ، فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمعرفة ما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ، فوحد صفهم ، وجمع كلمتَهم ، وهذا من فضل الله على المسلمين ، وَاللهُ يُرشد مَنْ يَشَاءُ إِلَى طريق مستقيم .


السياسة التي مارسها الأنبياء :

هكذا يخبر الله تعالى أنه ما أنزل الكتاب إلا ليحكم، كما أنه لم يرسل الرسل إلا لتطاع ، كما قال تعالى :” وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ” [ النساء :64].

فهم ساسة الناس، وهم قادة البشرية، وأئمةُ الإنسانية، كلما هلك نبيٌ خلفه نبي آخر، يستكمل مسيرة السياسة، وينتهج في البشر نهج الفطرة، ويذّكرُ الناس بوظفية الخلافة التي أنزل آدمُ الأرضَ من أجلها .

قال تعالى : ” إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ ” [المائدة44].

وقال تعالى : ” يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ” [ ص26]

فالحاكم خليفة في الأرض على فطرة آدم، يحكم بين الناس بالحق، ولا يتبع هواه في سياسة الناس، إنما يتبع الحق الذي أنزله الله، وأشار القرآن أن اتباع الحاكم للهوى يحيد به عن سبيل الله، فهو بذلك يقرر أن الحاكم لا يكون حاكمًا إلا إذ كان يحكم بين الناس بالحق وفق سبيل الله ومنهجه .

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : « كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِىٌّ خَلَفَهُ نَبِىٌّ ، وَإِنَّهُ لاَ نَبِىَّ بَعْدِى ، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ “. قَالُوا  : فَمَا تَأْمُرُنَا ؟ قَالَ: ” فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ “[2] .

فالأنبياء ساسة بمنطوق الحديث، كلما هلك نبيٌ خلفه خليفةٌ يسوس الناس بالكتاب كما كان سالفه، ففي عصور الأنبياء يكون الخليفةُ نبيًا من بعد نبي، وبعد النبي الخاتم، استكمل مسيرةَ السياسة الخلفاءُ الراشدون، ومن تبعهم على سنة الفطرة بإحسان إلى يوم الدين.

والأنبياء وخلفاؤهم هم ساسةٌ وليسوا ملاكًا للناس، فالحاكم في شعبه إنما هو وكيلٌ عنهم لا مالكًا عليهم، بل كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يؤكد على هذا المبدأ جيدًا أنه ” يَقسم ” ولا يملك، فَعنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – رضى الله عنه – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ « مَا أُعْطِيكُمْ وَلاَ أَمْنَعُكُمْ ، أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ »[3]. وقال :  ” وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَيُعْطِى اللَّهُ “[4].

فهو مثلاً يقسم الصدقة والفيء والغنائم كما يقسم المواريث بين أهلها ؛ لأن الله أمره بهذه القسمة كما مثّل بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية[5].

ومن هنا نستطيع أن نفهم السياسة كما أرادها الله، ومارسها الأنبياء، واقتفى على أثرهم صلحاء الحكام .

ومنطق السياسة هو إدارة شؤون العباد، وليس السيطرةَ عليهم – فلست عليهم بمسيطر – وليس امتلاكهم وتقريرَ مصائرهم ..


لا سياسة من دون مرجعية :

علمنا إذن أن الفطرة تقتضي أن تكون مقاليد سياسة العباد نابعة من منهج الخالق، فالخالق الذي خلق الإنسان وخلق له عقله وقلبه ودمه؛ خلق له المنهج الذي يناسبه، والشرعة التي تتفق مع فطرته، ولم ينزل المنهج هكذا من دون معلم أو مرشد، بل أرسل الرسل لسياسة الناس بهذا المنهج، ويخلفهم الخلفاء من بعدهم لنفس الغاية، فالحكام والخلفاء إنما يستمدون شرعيتهم من قيامهم بهذا ” الأمر “، فهم مختارون بمحض إرادة الأمة ليقوموا بأمر الشريعة الربانية .

كما قال الله : ” يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ” [النساء59].

فالحاكم إذا اختير بمحض إرادة الأمة وأقام الكتاب والسنة فيهم وجب عليهم السمع والطاعة له، وفي ذلك يقول النبي – صلى الله عليه وسلم – « وَلَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا »[6] .

فالحاكم لا بد له من أمرين، أن يمثل إرادة الأمة ” منكم”، وأن يقيم فيهم ” أمر ” الكتاب والسنة .

فمدار عمل هؤلاء الولاة المختارين هو ” الأمر ” الذي نسبهم الله إليه للقيام عليه، و رأسُ الأمر الإسلام .

و “أولو الأمر ” عمومًا هم الحكام والأئمة ومن بعدهم أهل الحل والعقد من العلماء والأمراء والوزراء والقادة الذين يُمَسَّكُونَ بالكتاب وأقاموا الصلاة .

وأولو الأمر ههنا – أيضًا – هم أئمة الحق، وأمراءُ العدل، أما حكام الجور، وأئمة الضلالة فالله ورسوله بريئان منهم، فلا يليق أن يُعطفوا على اسم الله واسم رسوله، وإنما يُجمع بين الله ورسوله والأئمة الموافقين لهما في أداء الأمانة، وإقامة العدل، وقد ذكر الله : ” أطيعوا الله”، وذكر ” أطيعوا الرسول وأولي الأمر”، فلم يذكر لفظة الطاعة لأولي الأمر منفردين بها، وإنما ألحقهم بطاعة الرسول، وهي إشارة جلية أن طاعتهم واجبة مداموا مُطيعين لله ورسوله، فإن عصوا فلا طاعة لهم – وكما قرر ذلك أبو بكر – رضي الله عنه – في خطبته يوم الخلافة -، وولاة الأمور هم أجراء الأمة لرعاية مصالح العباد والبلاد، تولِّيهم الأمةُ بإرادتها متى شاءت، وتعزلهم متى شاءت؛ فما استقاموا للشرع استقامت لهم الأمة، وأما مسألة الخروج على أمراء الجور وأئمة الضلالة فهي مسألة قائمة على المصالح والمفاسد لا أكثر ولا أقل.

وطاعةُ ولاة الأمر إنما تكون في المعروف، كما في حديث عَلِيٍّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سَرِيَّةً، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا، فَأَغْضَبُوهُ فِي شَيْءٍ، فَقَالَ: اجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا لَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا، فَأَوْقَدُوا، ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ يَأْمُرْكُمْ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ تَسْمَعُوا لِي وَتُطِيعُوا؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَادْخُلُوهَا، قَالَ: فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنَ النَّارِ، فَكَانُوا كَذَلِكَ، وَسَكَنَ غَضَبُهُ، وَطُفِئَتِ النَّارُ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: «لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»[7].

ومثله، قوله، عليه السلام : “السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ»[8] .

فالحاكم إذا أمر بمعصية، أو حض على فاحشة، لا يجوز لمن تحته أن يتعلل بأنه عبدٌ مأمور، فإنما الطاعة في المعروف، وقد ألقى الله باللوم على الحاكم الجائر ومَن سانده في جوره، ولو كان شرطيًا أو جنديًا، فقال تعالى : ” ِإنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ” [القصص8]؛ فجعل الحاكم ووزيره وجنودهما في كفة واحدة، وأخذهم في اليم أخذة واحدة. فصانع القرار، ومنفّذه شريكان في الإثم[9] .

ثم لو حدث اشتجار ، أو طرأ خلاف فمرجعيتهم واضحة وواحدة ..” فردوه إلى الله وإلى الرسول ” .

فالمرجعية الإسلامية – التي هي الفطرة –  لا بديل لها لمن طلب الإيمان والدار الآخرة.

هكذا تكون سياسة الناس وفق هذه المرجعية . وتلك المرجعية خيرٌ لهم في معاشهم ومعادهم، كما في قوله ” ذلك خير وأحسن تأويلاً ” .. فالمناهج الوضعيةُ – المخالفة للفطرة – دائمًا تؤول إلى بوار وخراب، والدساتير التي كتبها البشر لاستعباد البشر دائمًا تؤول إلى فساد وظلم، وجوع وغرم .


الظالمون لا حق لهم في سياسة الشعوب :

هذه  هي وظيفة السياسة، من حيث أن القائمين عليها أهم أفضل الناس، وهم الأنبياء وأتباعهم الذي يحكمون بما أنزل الله من الكتاب .

والذين يحاولون إقناع الناس بأن السياسة نجسة، والدين طاهر، ولا يليق أن نخلط المقدس بالرجس، إنما يحاولون بذلك صرف السياسة عن رقابة الدين والأخلاق، وهو مبدأ جاهلي قديم يقول : ” دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله “. أو يحاولون بذلك فصل سياسة الناس عما يعتقدونه من دين . وهي عملية شريرة حقًا، أن تسوس الناس وفق أهوائك لا وفق معتقداتهم، ثم تقول لهم – وأنت تهز كتفيك – ” لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين ” !

وهذا المبدأ الفاسد، يجعل مقاليد الأمور في أيد أفسد الناس، ممن لا يُقرون شريعة، ولا يحتكمون للكتاب.

ثم نجد مبدأ في كتاب الله يهدم عليهم فكرتهم الباطلة تلك، أن الله حرّم أن تصير مقاليد الأمور إلى الظالمين.

فمنصب سياسة الناس يحرم أن يوسد إلى غير أهله، كأن يخلف الأنبياء خلوف لا يستنون بسنتهم، ويسوسون الناس بالهوى، ويقولون ما لايفعلون، ويفعلون في شؤون العباد ما لا يُؤمرون، حيث تنحرف وظيفة الخلافة التي خلق الله الإنسان من أجلها .

فذلك محض حرام، أن تكون مقاليد سياسة البشر في أيد الظالمين، ولاسيما الذين يفصلون الكتاب عن القاريء، والشريعة عن القضاء، والدين عن السياسة .

وهذا ما أكد الله عليه، حينما عهد بالأمر إلى إبراهيم، وكلّفه أن يكون للناس إمامًا يسوسهم بمنهج الله، فتسائل إبراهيم : أتكون هذه الإمامة في ذريتي، فكان الرد بمحرمة أن يؤول هذا الأمر إلى الظالمين .

قال تعالى  : “وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ” [البقرة : 124]

والمعنى : اذكر إذ اختبر اللهُ إبراهيمَ بتكليفات كلفه اللهُ بها في كلمات محددة ، فأتم إبراهيم التكاليف ، وعمل بالكلمات ، وكانت جملةً من الأحكام الشرعية ـ كالتي تكون في أي شريعة ـ ، وكانت استجابةُ إبراهيمَ سريعةً .

ولما تلقف إبراهيمُ هذه الكلمات ، وهذه الأوامر ، فأخذها بقوة ، وذكر ما فيها ، فنجح في الابتلاء .. ابتلاء التكليف ، وامتحانِ : (( افعل ولا تفعل)) ، وقد أثنى الله عليه : ) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ( (النجم:37) ، وَفَّى في جميع ما كلفه الله به من أحكام الإسلام ، أي أنه حاط الدينَ من جميع جوانبه [10]!

ومن ثم كانت الجائزة من الله عظيمةً ، غايةً في التشريف والسؤدد :

) إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا (

حاكمًا وسلطانًا، تسوسهم بمنهج الله .

فطمع إبراهيمُ أن تكون هذه الإمامة خالصةً له في ذريته :

) قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي (

وهو شعورٌ إنساني محض أن يفكر الإنسان في ذريته ، فرجال المال والأعمال يبغون المال من حله أو من حرامه ليكون ـ بزعمهم ـ سببًا في سعادة ذرياتهم .

وكذلك أهل العلم والإيمان ، يحرصون أن تأوولَ تركةُ إيمانهم وعلمهم إلى أبنائهم وأحفادهم ، فتكون سببًا لسعادتهم في الدار الآخرة .

فكانت كلمةُ الله الحازمة:

) لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (

فهذا المنصب يحرم على الظالمين، ولا يجوز للظالم أن يسوس الناس، فضلاً عن حرمة الركون إليه .

واستدل أهل العلم بهذه الآية أن أهل الحل والعقد يتوجب عليهم عزل الإمام إذا سار في الرعية بسيرة الظلم كما حكى الإمام الماوردي  في ” الحاوي ” (12 / 154) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : ” فدل على أن الظالم لا يؤتم به”[11].

لعلك ترى إذن أن فكرة فصل الدين عن السياسة من أفسد الأفكار.

والإسلام أرفع من أن يحصر في زاوية ضيقة أو يعزل عن الحياة والحكم والبرلمان بحجة أن أتاتورك يقول : ” لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة” .

بل الإسلام نظام للحكم، وأتاتورك ليس قدوة لنا .

يقول الزرقاني ـ رحمه الله ـ  في ذلك ـ :

“ليعلم من لم يكن يعلم أن هذا الدين هو حاجة الإنسانية ودواء البشرية وكمال الفرد وصلاح الجماعة، ولتنقطع أنفاس تلك الدعاية الضالة؛ دعاية فصل الدين عن السياسة، والثقافة الدينية عن الثقافة المدنية، وقوانين العدل ودساتير الحكم عن مقررات العقيدة وشعائر العبادة .. وهي أخبث الدعوات وأفسقها فيما نعلم”[12].. !

توصية عملية :

التحذير من مبدأ ” لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين” فهذا المبدأ صنع الكثير من الطواغيت الذين جعلوا منه ذريعة لحكم الناس بالهوى.                                                                                                                                                                                                            محمد مسعد ياقوت

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: