ليبيا والفرعون الفاشل ( بقلم عمار عبيدي)

أقدمت الكتائب الموالية للجنرال خليفة حفتر فجر الجمعة الموافق لـ 16 أيار / ماي 2014، على عملية أطلقت عليها اسم « كرامة ليبيا»؛ استهدفت في البداية معسكرات للثوار في ضواحي بنغازي ثم تطورت العملية مع تدخل الطيران الليبي حسب بعض الروايات، وانتشرت المواجهات بعد ذلك في عدد من المناطق الليبية.

النتيجة الأولى للمعركة الكبرى هي خسارة قوات حفتر لعدد كبير من عناصره حيث ذكرت إذاعة التوحيد المقربة من ثوار بنغازي أن العدد وصل إلى 64 قتيلا في اليوم الأول فقط؛ تركهم حفتر حتى دون دفنهم قبل التراجع، وهو نفس المصير الذي مني به في محاولته الانقلابية الأولى في فيفري / شباط الماضي.

غير أن مساندة بعض القوى المحلية وصمت القوى الدولية الذي بدا في شكل تزكية لما يقوم به حفتر جعل هذا الأخير يتحمس للمواصلة وهو ما ظهر من خلال ضغطه على العناصر الرافضة للمواجهة؛ فقد ذكرت بعض المصادر الليبية أن قوات حفتر أطلقت الرصاص على طيار ليبي رفض مهاجمة بنغازي، كما أن جميع تصريحات قيادات الانقلاب تؤكد أن هناك نية للذهاب إلى أقصى درجات المواجهة.

الثوار الليبيون المعارضون لحفتر يؤكدون وجود نية لديه في إنهاء تواجد الإسلاميين في ليبيا بكل تفرعاتهم، لذلك ينتشر الصراع بسرعة. فبعد بنغازي حاولت قوات ونيس بوخمادة السيطرة على أجهزة الدولة في طرابلس، وثمة محاولات للانتشار في درنة وبقية المناطق مع غطاء قد يكون من قبل طائرات دون طيار لضرب مواقع كل الإسلاميين دون استثناء.

خارطة المعركة

تضم المعركة طرفين أساسيين الأول يجمع ما يعرف بالجيش الوطني الليبي وهو نسخة ما بعد الثورة لجيش شكله حفتر في أواخر السبعينات من القرن الماضي بدعم أمريكي، للإطاحة بالعقيد القذافي، وتقف إلى جانبه كتائب الصواعق، وهي قوات خاصة ليبية بقيادة العقيد ونيس بوخمادة. هذه الكتيبة هي من بقايا « كتيبة 32 معزز» التي سبق وأن قادها خميس القذافي ودافعت حتى الرمق الأخير عن نظام العقيد. ويساند هؤلاء أيضا كتيبة القعقاع، وهي كتيبة أغلب عناصرها من الزنتان غادرت منذ مدة طرابلس بعد أن استقرت بها لمدة سنة ونصف تقريبا.

المعسكر الثاني أو المستهدفون من هذه العملية فهم بالأساس الإسلاميون وخصوصا الذين لا تربطهم علاقة وثيقة بدول « المركز» في مقدمتهم أقوى فصيل جهادي في ليبيا، أي تنظيم « أنصار الشريعة»، وإلى جانبها كتيبة « شهداء 17 فبراير» وكتيبة « راف الله السحاتي» المقربين من التيارات الإسلامية الإخوانية والسلفية الإصلاحية إلى جانب بعض التشكيلات في درنة وبنغازي، مثل « جيش الشورى الإسلامي» إضافة إلى بعض الثوار المستقلين الذي يدركون مآلات سيطرة حفتر على الوضع في بنغازي وكل ليبيا…

دوافع الصراع

في تشخيصه للصراع، ولتحرك حفتر في بنغازي منذ البداية، قال قائد كتيبة عمر المختار في بنغازي، والمنسق بين ثوار بنغازي والغرفة الأمنية المشتركة بطرابلس، زياد بلعم خلال برنامج « بلا حدود» على قناة « الجزيرة» علق على أسباب استهداف بنغازي، مشيرا إلى أن عملية زعزعة استقرار ليبيا بأكملها يبدأ بالضرورة من المدينة التي كانت تساعد بقية مدن ليبيا في الفترة السابقة على حفظ الأمن.

وأضاف بأن أتباع النظام السابق لبسوا لباس الثوار وتسموا بأسمائهم وأنشؤوا منظمات مجتمع مدني مشبوهة للتخلص من الثوار في بنغازي، مما أدخل المدينة في اضطرابات أمنية، ساعد فيها الإعلام داخليا وخارجيا الذي عمل على تشويه الثوار حتى لا تستقر البلاد ولا تستقر أهداف ثورة 17 فبراير/ شباط 2011.

لكن السؤال الأهم الذي يطرحه المتابعون: كيف تصمت الولايات المتحدة ومن ورائها « المركز» عموما على حفتر؟ ولعل السؤال الأهم: هل يمكن أن يتحرك هذا العسكري الأمريكي الجنسية، والذي أقام 20 سنة قرب مبنى المخابراتي في فرجينيا، دون ضوء أخضر من واشنطن؟

قد تصعب الإجابة القطعية على السؤال مباشرة لكن المعطيات المتوفرة تؤكد أن هناك قناعة أمريكية تسربت عبر سفيرتها في ليبيا « ديبورا كيه جونز»، تبين ان الإخوان المسلمين وغيرهم من الإسلاميين الذين خاضوا المغامرة الديمقراطية في ليبيا لن يجازفوا بمعاداة الجهاديين بل أن علاقتهم جيدة ببعضهم البعض.

يبدو أن هناك طرف آخر التقط هذه القناعة الأمريكية هو التكتل المصري الإماراتي السعودي الذي بدت بصماته جلية في تحرك حفتر بل أن تصريحات المشير السيسي قائد الانقلاب المصري بدت واضحة في هذا الصدد عندما قال « لن نبقى مكتوفي الأيدي إزاء ما يحدث في ليبيا».

وكلام السيسي أعجب حفتر كثيرا على ما يبدو لذلك حاول التناغم معه حين رد على ذلك بقوله أنه « سيطهر» ليبيا من الإخوان المسلمين؛ بل سيسلم كل الإخوان المسلمين الفارين من مصر إلى نظام الانقلاب فيها.

ثالوث العسكر

إذا تحدثنا اليوم في عالمنا العربي عن انقلاب فإننا مجبرون على تتبع خطوات السعودية والإمارات ومصر، باعتبار أن إنقاذ نظام العسكر في مصر يمر عبر نسخ مطابقة للأصل في بلدان الربيع.

ولعل أول المؤشرات وقوف جماعات السلفية « الجامية» إلى جانب حفتر وإعلانها منذ بداية تحركه دعمها اللامشروط ضد الثوار الإسلاميين وذلك بعد أن أفتى الشيخ السعودي ربيع بن هادي المدخلي في مقطع فيديو نشر على اليوتوب باسم قناة « البصيرة» الفضائية بتاريخ 18 ماي 2014 وقال: « نحن مسرورون بحركة حفتر ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينصره وبدون سفك دماء كثيرة إن شاء الله، ونطالبه ونطالب السيسي بتحكيم الشريعة الإسلامية حتى يثبتوا أن الإسلام ليس حكرا على الإخوان المسلمين».

لئن كان الكلام الذي قاله المدخلي يخص جماعة السلفية الجامية فقط ظاهرا، لكنه ليس بعيدا عن رؤية المؤسسات الرسمية السعودية؛ فمن المعلوم أن هذا التيار الجامي المعروف بتيار السلفية المدخلية نسبة إلى ربيع بن هادي المدخلي هو أبرز أداة سعودية لتحريك مصالح السعودية في كثير من الأماكن. ولعل أبرز مثال على ذلك ما حصل في مصر مع حزب النور الذي ينتمي إلى ذات المدرسة الفكرية والسياسية.

ولعل تحرك هذا التيار فكريا وميدانيا في ليبيا دليل صارخ على الحضور القوي لكل من السعودية التي ترعى السلفية المدخلية في الريف الليبي خاصة والولايات المتحدة التي نصحتها مؤسسة « راند» سابقا باستخدام التيار الجامي أو « المرجئة» كما يسميهم أغلب الليبيون ضد التيارات الجهادية. ففي دراسة لمؤسسة « راند» صدرت بتاريخ فيفري 2005 تحت عنوان « بناء شبكات إسلامية معتدلة» جاء فيها ما يلي: « يجب عدم إتاحة أي فرصة لهم – يقصدون تيار السلفية الجامية- للتحالف مع الأصوليين ويجب دعمهم وتثقيفهم؛ ليشككوا بمبادئ أصوليين وليصلوا إلى مستواهم في الحجة والمجادلة، وفي هذا الإطار يجب تشجيع الاتجاهات الصوفية ومن ثم الشيعية ( يقول ابن خلدون: لولا التشيع لما كان التصوف)، ويجب دعم ونشر الفتاوى (الحنفية) لتقف في مقابل (الحنبلية) التي ترتكز عليها (الوهابية) وأفكار القاعدة وغيرها، مع التشديد على دعم الفئة المنفتحة من هؤلاء التقليديين».

وتضيف الدراسة: « ندعم التقليديين ضد الأصوليين لنظهر لجموع المسلمين والمتدينين وللشباب والنساء من المسلمين في الغرب ما يلي عن الأصوليين: دحض نظريتهم عن الإسلام وعن تفوقه وقدرته، إظهار علاقات واتصالات مشبوهة لهم وغير قانونية، التوعية عن العواقب الوخيمة لأعمال العنف التي يتخذونها، إظهار هشاشة قدرتهم في الحكم وتخلفهم، تغذية عوامل الفرقة بينهم، دفع الصحفيين للبحث عن جميع المعلومات والوسائل التي تشوه سمعتهم وفسادهم ونفاقهم وسوء أدبهم وقلة إيمانهم، وتجنب إظهار أي بادرة احترام لهم ولأعمالهم أو إظهارهم كأبطال وإنما كجبناء ومخبولين وقتلة ومجرمين؛ كي لا يجتذبوا أحدا للتعاطف معهم».

أما الإمارات فقد ذكر تقرير نشره موقع « ديبكا» الاستخباري أن ولي العهد محمد بن زايد هو من يتولى شراء ذمم المليشيات التي تدعم حفتر في ليبيا بالإضافة إلى الدور الاستخباري لعناصر موالية للإمارات مزروعة داخل ليبيا.

حفتر والفشل

رحلة حياة الجنرال حفتر مليئة بالهزائم بشهادة مدير المخابرات الأمريكية ويليام كيسي الذي يؤكد أنه تم تجنيده في أواخر الثمانينات بعد فشل محاولة اغتيال القذافي، وقد تم تدريبهم رفقة بعض الضباط الآخرين الذين أسسوا الجيش الوطني الليبي في أواخر السبعينات قبل أن يعتقله الرئيس التشادي حسن جاموسي الذي تمكن من إزاحة النظام التشادي الموالي لواشنطن لتفشل مهمة « الانقلابي» الهاوي.

عاد حفتر إلى الولايات المتحدة بعد فترة الاعتقال في تشاد حيث قضى في ولاية فيرجينيا بالولايات المتحدة 20 سنة، وأقام في منزل قرب إدارة المخابرات الأمريكية، بالإضافة إلى حصوله على الجنسية هناك، وهي التي مكنته من المشاركة في الانتخابات الأمريكية بالتصويت مرتين. وفي 22 مارس 2011 نشرت جريدة « ماكلاتشي» الأمريكية تقريرا أكدت فيه أن حفتر: « غادر إلى ليبيا بعد قيام الثورة الليبية بشهرين بمساعدة الاستخبارات الأمريكية في محاولة لاحتواء الثوار الذين انتفضوا ضد القذافي».

تَواصل فشل حفتر بعد أن عجز طيلة الفترة الماضية عن الوصول إلى مناصب عليا تمكنه من السيطرة الكلية على مفاصل الجيش الليبي. لكنه عمل على تجميع المليشيات التي يمكن شراؤها بالمال، لينفذ محاولته الانقلابية الأولى في فبراير الماضي، ولتنتهي هي أيضا إلى ملاحقته قبل أن يعيد تشكيل تحالفات جديدة مكنته من العودة إلى واجهة الأحداث بهجومه الأخير على بنغازي.

قد يكون حفتر فاشلا في إدارة الانقلابات لكنه « فأر تجارب» ناجح، فقد تنتهي محاولته بالتراجع أو الخضوع لإرادة الحوار نظرا لعوامل عديد أهمها التفاف الثوار الإسلاميين حول بعضهم البعض، لكنه سينجح في كشف قدرات الكتائب الإسلامية أمام النظام الدولي الذي يراقب الوضع بعمق، والذي عجز طيلة الفترة الماضية عن تحديد قدرات هذه الكتائب، خاصة أن محاولات فصل القوى الإسلامية عن الشارع الليبي بدت صعبة جدا.

في مقابل الدراسة العميقة التي يبديها « المركز» لاكتشاف الفضاء الليبي تبدو التيارات الإسلامية أكثر استفادة من التجربتين المصرية والتونسية. ففي الوقت الذي ترفض فيه هذه الكتائب إلقاء سلاحها لتجنب السيناريو المصري، ترفض كذلك هذه التشكيلات العسكرية والسياسية من الثوار الدخول في حوار يتجاوز منطق الشرعية الانتخابية بالنسبة للتيارات الإسلامية التي تخوض السباق الديمقراطي، فيما ترفض التشكيلات العسكرية الجهادية الدخول في حوار يتجاور منطق الشريعة وأحكامها.

عمار عبيدي
23 ماي 2014

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: