ليس دليلا على الثورية ( بقلم الدكتور محمد ضيف الله )

ليس دليلا على الثورية ( بقلم الدكتور محمد ضيف الله )

تتذكرون تلك الصفحة التي فُتِجت على الفيسبوك في الأشهر الأولى من سنة 2011 تحت عنوان “نهضة العمال من أجل الجمهورية”. في جبهة افتراضية تجمع ثلاثة أحزاب هي اليوم متنافرة. هل الذين بعثوا تلك الصفحة كانوا سذجا أم ثوريين أم وطنيين أم حالمين أو غير عارفين بالسياسة؟ أنا لست من أي من تلك الأحزاب الثلاثة، ولا أنتمي إلى غيرها من الأحزاب. نقطة. ولكن ما لفت انتباهي هو أن تمد الجبهة الشعبية وعمودها الفقري حزب العمال [البوكت] أيديها لورثة التجمع الدستوري -الذي نعرف- حتى عاد إلى السلطة، وتصر في المقابل على استبعاد حزب المؤتمر من التحركات المشتركة لأحزاب المعارضة ضد قانون المصالحة.

موقف الجبهة الحالي يعني فقط أنها تعتبر حزب المؤتمر أخطر من التجمع. وهذا من حقها بطبيعة الحال. إلا أننا لا ننسى أن الدستوريين بصيغهم المختلفة تحكموا في البلاد خلال عشرات السنين، وهم الذين أرسوا الاستبداد والفساد، وبعد عودتهم إلى الحكم هم اليوم أكثر طرف سياسي يهدد مستقبل البلاد ويهدد مخرجات الثورة وعلى رأسها الدستور، بينما قيادات حزب المؤتمر كانت مطاردة في عهد المخلوع، وبعد الثورة كان موقعهم هامشيا في الحكم. ووجودهم الحالي في البرلمان لا يمكنهم من أن يكون لهم نفوذ كبير في مستقبل منظور، وحينئذ لا ندري الضرر الذي تسببوا فيه للجبهة أو يمكن أن يسببوه لها في المستقبل. أعيد أني لست من حزب المؤتمر.

ما أفهمه من موقف الجبهة ومكوناتها الحزبية أنها تريد أن تكون هي العمود الفقري للتحركات ضد قانون المصالحة، وتجني الأرباح السياسية من ذلك، وهذا من حقها، ولكن ذلك يكشف أنها تفتقد إلى امتلاك النية الفعلية في إسقاط قانون المصالحة إذ لو كان إسقاطه هو الهدف الرئيسي للجبهة لما نظروا في الهوية السياسية لمن يشترك معهم في نفس الموقف. ولا ننسى أن الجبهة نفسها سبق وأن وجدت نفسها في مواقف مشابهة، واتخذت مواقف مختلفة عن موقفها اليوم من حزب المؤتمر، يكفي أن نتذكر هنا –وما بالعهد من قدم- قبولها تزكيات نواب حزب المؤتمر نفسه بل وحتى النهضة لدعم مرشحها للانتخابات الرئاسية حمة الهمامي.

ما لا ننساه للجبهة وأحزابها أنها تحالفت مع التجمعيين في اعتصام باردو، وفي جبهة الإنقاذ، وأنها تولت خلال انتخابات 2014 قطع الطرق فاسحة بذلك طريق العودة أمام التجمعيين وبالفعل عادوا إلى المواقع التي أزاحتهم منها الثورة. ثم تجسد رضا الجبهة عن نتيجة مجهوداتها لفائدة التجمعيين في غيابها منذ الانتخابات عن إبداء معارضتها أو احتجاجها حتى لا تزعجهم أو تساهم في إفشال حكومتهم. فهل أن تحالف المؤتمر مع النهضة في الحكم بعد انتخابات 2011 أخطر من تحالف الجبهة مع عصب المنظومة القديمة؟ لست في موقع المفاضلة بين هذا وذاك، إلا أن ما هو متوقع في هذا المقام أن الجبهة قبل أن تنزل إلى الشارع ضد قانون المصالحة الذي وضعه من ساهمت هي في الإتيان بهم إلى السلطة، أن نسمع منها نقدها الذاتي على المساهمة في عودتهم واعتذارا للشعب على ما جرى للثورة بسببها. خلاف ذلك لسنا سذجا حتى نعتبر ما نرى ممارسة ثورية.

محمد ضيف الله

8 سبتمبر 2015

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: