مآلات أزمة المشرق : (بقلم غازي دحمان)

لا تعكس حالة الاستعصاء السائدة في المشرق العربي ندرة في الحلول السياسية بقدر ما تعكس حالة عدم الثقة السائدة بين مختلف مكونات المنطقة، ذلك أن الحلول ليست سوى عملية تقنية لترتيب أولويات فرقاء الصراع، بما يضمن تحقيق الضمانات المطلوبة لكل طرف.

فكل الأزمات تنطوي بداخلها على الحلول اللازمة لها، ولكن ما يحصل أن أطراف الأزمات غالبا ما تحول عناصر الحل إلى أزمة بذاتها، انطلاقا من رؤيتها لمصالحها وممكنات القوة لديها ولدى الطرف الآخر، وغالبا ما تسمى تلك التوليفة بالرهانات، وتكمن الإشكالية في أن عملية فحص الرهانات واختبار إمكانية تحويلها إلى واقع يحتاج إلى جولات صراعية تشكل في مجملها تاريخ الأزمة ومداها.

من بين ثنايا تلك التعقيدات، تعبر أزمة المشرق العربي التي باتت ترخي بظلالها السميكة على العراق وسوريا ولبنان، وإذ كانت الأزمة قد بدأت بشكلها الأولي البسيط عبارة عن مطالب سياسية يمكن حصرها بحالة الاعتراض على أنماط الإدارة والأداء السياسيين للأنظمة الحاكمة، أو ما تعلق منها بتحديد شكل العلاقة بين الحاكم والمحكوم بعد أن تغولت سلطة الحكام لدرجة لم يعد يلحظ معها أي دور للطرف الآخر، فقد جرى تحويلها إلى أزمة متعددة الأبعاد.

وقد عملت بنى الأنظمة الحاكمة -وبمساعدة من أطراف إقليمية ودولية- على إعادة صياغة الأزمة، عبر استدخال عناصر جديدة في مكوناتها، وإعادة طرحها بطريقة معكوسة تحقق لها درجة أعلى من التأثير والحماية، وساهمت المتغيرات الجديدة في زيادة تعقيد الأزمة ودفعها إلى حالة من العدمية السياسية التي تلغي كل ممكنات الحلول السياسية، بعد أن تحولت تلك التعقيدات إلى آليات تغذية دائمة للأزمة.

تصدع بنى المجتمع
يشكل تصدع بنى المجتمع المشرقي واحدة من أخطر تجليات الأزمة وتعقيداتها الراهنة، وقد شكل هذا الأمر انعكاسا لعملية إدارة الأزمة وطريقة التعامل معها، إضافة إلى أنه كشف الخلل التاريخي في عملية التنمية السياسية التي كانت تقودها الأنظمة الحاكمة في العقود السابقة، حيث تكشّف أن تلك الإدارة لم تعمل طوال سنوات حكمها على دمج المكونات الاجتماعية ضمن حالة وطنية متماسكة، ولم تشجع على قيام المؤسسات المختصة بهذا الشأن، وهو من أولى أولويات الدولة الحديثة.

وحصل أن حاجة الأنظمة الحاكمة إلى بيئات حاضنة لها في مواجهة بيئات الثورة ضدها أدى إلى عملية فرز واستقطاب هائلين في البيئة الوطنية، ونظرا لكون تلك البيئة لم تكن محصنة بشكل علمي ومؤسساتي لمواجهة مثل تلك الضغوط، فكان أن تصدعت بناها أمام حالة الاستقطاب تلك وذهبت إلى درجة عالية من الانقسام الاجتماعي.

دفع هذا الأمر إلى نشوب نمط من النزاعات ذات الطابع الطائفي والمذهبي والعرقي، ولا سيما في سوريا والعراق بالتزامن مع تحول الانتماءات الأولية السابقة على تكوين الدولة الوطنية إلى انتماءات حاكمة، الأمر الذي أصبح معه منطق القوة هو الأساس في إدارة العلاقات الاجتماعية دون الاعتداد بالأطر القانونية والرسمية.

وتطرح هذه الإشكالية التي باتت تعاني منها الكيانات السياسية المشرقية على مستوى تركيباتها الداخلية معضلة خطيرة تتعلق باستحالة عودة النمط المركزي الشديد السابق في الحكم، من دون وجود بدائل ممكنة في ظل حالة الانقسام الكبيرة التي تعاني منها تلك المجتمعات.

تصدع الدولة
لم تستطع بنية الدولة المشرقية تحمل ذلك الضغط المكثف الذي أفرزته طرائق معالجة الأزمة الحاصلة، وهي أيضا كانت نتيجة تاريخية لنمط إدارة غير سليم في المستويات العليا من الدولة، سواء على مستوى البناء المؤسساتي الذي ارتكز على أساس تجيير فعالية الدولة لخدمة مكون سلطوي دون غيره، أو بسبب ضعف العلاقة مع المجتمع، وهو الأمر الذي أنتج فراغات سياسية داخلية وخارجية شكلت عوامل جذب لأنواع من التنظيمات وأشكال من التدخلات الخارجية بقصد ملء ذلك الفراغ والاستفادة من الفرص الإقليمية التي توفرها لحظة الخلل تلك.

لا شك أن ضعف العلاقة بين الدولة والمجتمع أوصل إلى حالة من الانسداد السياسي وخاصة مع عدم وجود أطر قانونية ودستورية لإدارة تلك العلاقة وهو الأمر الذي نتج عنه اللجوء إلى العنف بكل أشكاله، وخاصة عندما جرى تحويل الدولة لخدمة مكون بعينه، عبر استخدام ثروات الدولة وسلاحها وإمكانياتها الدبلوماسية والإعلامية في سحق طرف معين.

وقد سمحت هذه الحالة بإعادة صياغة شكل الدولة في المشرق، وقد تمظهرت تلك الصياغة في نقطة ضعف تلك الدولة المتمثلة بالحدود التي تعتبر في نظر الكثير من المكونات ترسيمات غير واقعية وفاقدة تاليا للشرعية، حيث تعرضت تلك الحدود لحالة من السيولة الجغرافية أوضحتها بدرجة كبيرة عمليات تنقل المليشيات الطائفية من العراق ولبنان إلى سوريا لمساندة نظام الحكم السوري، وعملية التهجير بما يشبه إعادة التوطين للاجئين السوريين في لبنان والأردن وتركيا.

غير أن تلك الصياغة للحدود لا زالت تتعرض لتعديلات عديدة بالاستناد إلى أساس أيديولوجي، يسعى إلى إيجاد نظائر جغرافية صعبة التحقق على الأرض، عبر ربط خطوط التواصل الإثني والطائفي ضمن ثنائية الانغلاق والتواصل، الانغلاق على الشركاء الوطنيين الحقيقيين ومناطقهم وفتح قنوات تواصل مع الجزر الطائفية والإثنية لشركاء افتراضيين.

البيئة الدولية الحاكمة
تساهم البيئتان الإقليمية والدولية في تغذية المشهد المتأزم بمزيد من التعقيدات التي تجعل الحلول أمرا شبه مستحيل، حيث تتصادم رؤى تلك الأطراف في تصوراتها للحلول وذلك انطلاقا من رؤيتها للفرص والمخاطر التي ينطوي عليها الصراع الحاصل في المنطقة وتقديرات تلك الأطراف للمكاسب التي قد تحصل عليها في حال فرض رؤيتها تلك في التسوية المحتملة للأزمة.

ثمة رؤية إيرانية روسية ترغب بإبقاء الأوضاع على حالها في سوريا والعراق لجهة استمرار البنى الحاكمة نفسها، بالاستناد إلى الانتخابات التي حصلت مؤخرا في البلدين، وتنطوي تلك الرؤية على إجراء تحسينات بسيطة في تركيبة الحكم ومواقع صناعة القرار، بما يتضمن مراجعة بعض النصوص الدستورية وإعطاء المعارضة في البلدين بعض الصلاحيات والمواقع الحكومية، التي لا تمس بطبيعة الحال المؤسسات السيادية من الجيش والأمن والسياسة الخارجية، بحيث تضمن استمرار ولاء تلك الكيانات لها، وتاليا استمرار مشاريعها الجيوإستراتيجية في المنطقة.

مقابل ذلك ثمة رؤية تدعمها أطراف غربية وعربية تقوم على أساس تغيير المعادلة السياسية في المنطقة بالكامل، بما يضمن إعادة هيكلة النظم السياسية القائمة وأدواتها السياسية والعسكرية ومواقع المكونات الوطنية المختلفة فيها ودورها في صنع القرار، حتى لو تطلب ذلك إجراءات عملياتية على الأرض من قبيل تدعيم تشكيلات المعارضة، وخاصة في سوريا، وإعادة صياغة توازن القوى من جديد بما يضمن إجراء تسوية متوازنة بين مختلف الأطراف.

ولا شك بأن هذا التصادم في الرؤى والإرادات سيسهم بدرجة كبيرة في تأخير عملية الحسم لأي من طرفي الصراع، كما سيسهم بتغذية الأزمات المتفرعة عن الأزمة الأساسية، والمتمثلة بتصدع البنى المجتمعية والدولتية للكيانات المشرقية، الأمر الذي سيساهم بتعقيد ممكنات الحل.

من هنا إلى أين؟
تطرح جملة التعقيدات الحاصلة في بنية الحدث المشرقي تساؤلا حول مسارات الأمور وحول مستقبل الاجتماع المشرقي وشكل الكيانات السياسية فيه، فهل ستتجه إلى نمط الدولة الفدرالية بحيث تتيح للمكونات درجة أكبر من الحرية في إظهار خصوصياتها والمشاركة في الثروات الوطنية، أم تتجه إلى النمط الكونفدرالي الذي ينطوي على درجة أكبر من استقلال المكونات مع البقاء على شكل من الوحدة تفرضه المصالح المشتركة والحاجة لكيانات سياسية أكبر؟، أم لا هذا ولا ذاك، بحيث تنتهي الأزمة الحالية إلى قطيعة نهائية بين مختلف المكونات ما يدفعها إلى الانفصال النهائي؟

يمكن التأكيد أن الوقائع الجغرافية للدول المشرقية تنتصر لشكل الدولة البسيطة الموحدة، وهذا سر نجاح ترسيمة سايكس بيكو واستمرارها، وذلك لمراعاتها بدرجة كبيرة العلاقات التاريخية داخل كل حيز بما يضمن استمرار التفاعلات القائمة أصلا داخل الإقليم، وبما يحقق الفعالية المستقبلية وذلك من خلال تأمين شروط استمرار كل كيان جغرافي وإمكانيات تطوره من حيث الواجهات البحرية وطرق التجارة وعلاقة مناطق الإنتاج بالأسواق والعكس.

غير أن التطورات السياسية باتت تشكل عاملا طاردا لمثل هذا الشكل لأن أحد شروط استمراره يقوم على شرط سياسي وهو غلبة طرف على آخر وإخضاعه لحكمه، وهو أمر لم يعد ممكنا حصوله بعد كل ذلك الصراع الدامي، ما يفتح الباب أمام المقاربات الأخرى القائمة على أشكال الفدرالية والكونفدرالية.

غير أن التجربة التاريخية، وخاصة في حالات العراق ولبنان تكشف عن عجز هائل في إمكانية الانتقال إلى هذا الشكل بعد عقود من إدارة مركزية لا ديمقراطية، فضلا عن حقيقة أن تطبيق هذه الأشكال في دول قلقة وغير متماسكة الشرعية تعني تعريض تلك البلدان للتقسيم ونشوء دويلات وممالك جديدة في بيئة دولية غير ممانعة لحدوث مثل هذا الأمر طالما بقيت تحافظ على مصالحها.

وربما تشكل تلك الخلاصة لب المأزق الذي يعيشه المشرق، الأمر الذي من شأنه إطالة أمد الأزمة علّها تولد حلولها الذاتية، في ظل حالة انسداد الأفق الراهنة.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: