ماتت “الإعلان”…( المؤرخ محمد ضيف الله )

ماتت الإعلان. وهذه ليست صحيفة حتى يعبّر المرء عن أسفه لموتها أو يحزن لانحسار مساحة حرية التعبير بسبب اختفائها من الساحة. بل أن كثيرين يشعرون بغير قليل من الارتياح، وربما كانوا يتمنّون أو كانوا ينتظرون إيقافها بعد الثورة، وإذ لم يحدث ذلك فها قد ماتت الآن، كما لو أن جلادا توقف عن العمل بسبب تعرضه إلى جلطة دماغية.

ماتت الإعلان ومع موتها طويت صفحة من تاريخ الصحافة الصفراء في بلادنا.. ماتت حيث لم تعد للدولة العائدة حاجة إليها صوتا مدافعا أو سوطا لاذعا. وكل ما هنالك أن الدعاية تتحول في كثير من الأحيان، بسبب الإفراط في استعمالها، إلى دعاية مضادة، وهذا ما حدث مع الإعلان منذ زمن بعيد، حيث كانت صلوحيتها قد انتهت تماما منذ زمن بعيد حتى تعفنت. وإذ ماتت فهناك صحف أخرى متطوعة للقيام اليوم بالشيء نفسه الذي قامت به الإعلان طيلة سني الجمر، وبكل حرفية أيضا، كالشروق مثلا.

الإعلان هذه تعتبر بحق دليل إدانة ضد المنظومة القديمة وآلتها القمعية وجرائمها وشناعاتها. ورغم ذلك -أو بسبب ذلك- فهي بكل تأكيد مصدر لكتابة تاريخ تونس الراهن. نعم المؤرخون يمكنهم استعمالها لهذا الغرض بالذات، مثلما استعمل المؤرخون المصادر الرومانية المعادية لكتابة تاريخ قرطاج الذي نعرف. وفي هذا المجال يكفي تصفح الإعلان حتى نميز من كان معارضا للسلطة النوفمبرية ومن كان مؤيدا وداعما لها في الاستبداد. وهي ليست دليل إدانة للنظام فقط وإنما أيضا لبعض من يدّعون اليوم النّقاء الثوري أو أنهم كانوا معارضين راديكاليين للنظام النوفمبري، وتشهد على ذلك صفحات الإعلان التي فتحت أمامهم خلال سني الجمر، فكانوا يعبّرون ويكتبون بكل حرية، وتنشر الإعلان أخبارهم ومواقفهم وصورهم وأسماءهم، وتجري مع قياداتهم الحوار تلو الآخر، حول مختلف القضايا الدولية والوطنية أيضا. وهو ما يعني أنها تمثّل دليلا على تورّطهم، إلى جانب تورّط أجهزة القمع.

أن أتى موت الإعلان متأخرا، فخير من أن لم يأت أبدا. ومع ذلك فإن موتها يذكّرنا بأنها دليل إدانة ومصدرا يبدأ الاشتغال عليه اليوم.

محمد ضيف الله

مؤرخ

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: