ماذا يلزمنا لبناء تونس الحديثة المزدهرة ؟( بقلم رضا العجيمي /ناشط سياسي)

إذا كنا فعلا نريد أن نبني ونشيد معا لغد أفضل خال من التبعية والانحلال والمغالاة والنفاق والانقسام وبيع البلاد. وإذا كانت تونس غالية على جميع شرائح مجتمعها كما يتشدق بذلك الكثيرون فلا بد من تغيير البرامج السياسية الحالية التي هي في الواقع امتداد لسياسة الاستعمار الفرنسي وبورقيبة وبن علي وقد عانى من ويلاتها الشعب التونسي الكثير الكثير حتى أن الكأس فاضت به ولم يعد قادرا على تحمل المزيد. فهذه السياسات العقيمة المتخلفة أكدت التجارب على مدى 58 سنة منذ الاستقلال إفلاسها وفشلها الذريع في الارتقاء بتونس ومواطنيها إلى مصاف الدول المتقدمة مثل كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة فحتى دول الخليج أمثال السعودية والاردن والإمارات وقطر فاتتنا بأشواط عديدة كما أن المغرب الشقيق أصبح من الدول المصنعة فالدينار المغربي يساوي أورو أوروبي في الأسواق العالمية للصرف المالي.
إن تونس على عكس العديد من الدول التي لحقت بركب العالم المتقدم، تزخر بثروات طبيعية من مناجم الفوسفاط والحديد والذهب واليورانيوم والزئبق والرصاص والزنك والتوتياء والكلمين والباريوم وكلس ثنائي الفليور والكريستال. والعديد من حقول النفط الخام والغاز الطبيعي المنتشرة من شمال البلاد إلى جنوبها وفي مياهها الإقليمية والتي تنتج ما يفوق استهلاكنا بكثير. ولا ننسى أيضا أننا في المراتب الأولى للدول الفلاحية المصدرة لزيت الزيتون والقوارص والتمور والفواكه والباكُرات واللحوم والأسماك والطماطم والفلافل المعلبة وثمار الصبار “الهندي” وزيوت إكليل الجبل “الاكليل” التي تصنع منها أجود وأثمن العطورات العالمية المشهورة، كما أن لنا اكتفاء ذاتي من الحبوب والألبان. ولتونس تاريخ يمتد على مدى ثلاثة آلاف سنة ونيف وآثار عظيمة وتراث أصيل ومناخ معتدل وأجمل شواطئ في حوضي المتوسط. ومع هذا تونس من بلدان العالم الثالث لا تمتلك أدنى مقومات التقدم الحضاري ومعظم شعبها يرزخ تحت خط الفقر مهمشا منسيا في مجاهل عصر الكهوف.
إن المتأمل فيما تزخر به تونس من نعم كثيرة جاد بها الله على شعبها يعجب للعجز المالي وحالة العمران السيئة والفقر الشديد الذين تتخبط فيهم البلاد منذ ما يزيد عن نصف قرن وهي راجعة لسياسات حكامها الانفرادية الرعناء والتي لا تعتمد منهجا علميا مدروسا بل ترتكز على القبضة الحديدية للنظام البوليسي الغاشم للهيمنة على الشعب مع إطلاق أيادي رجال الأعمال المتعطشين للمزيد المزيد من الثراء تعبث في الدولة يمينا يسارا مما شجع على الفساد في مؤسسات الدولة باعتماد الرشاوي “القهوة” والبيع والشراء في مصالح الناس وصلت حد المتاجرة بقضاياهم في المحاكم التي تحولت إلى سوق دلالة فصار الحق كل الحق للأقوى ماديا طبعا.
ان المنطق والعقل يفرضان علينا اليوم بالذات اتخاذ تدابير ثورية مدروسة لإصلاح البنية الاقتصادية وذلك بالاعتماد على النقاط التالية:
1- فض مشاكل الأراضي الفلاحية الدولية بشكل نزيه عادل وشفاف وتطويرها لتكون نموذجا محليا يحتذى به وإعطاء الأولوية القصوى للفنيين والمختصين الفلاحيين التونسيين للاستثمار فيها وتفعيل قوانين الملكية العقارية المتعلقة بالإصلاح الزراعي للحد من تشتتها.
2- إرساء منظومة جبائية حديثة ناجعة شفافة وعادلة تقطع نهائيا مع التهرب الضريبي والجبائي ومراجعة قوانين الاعفاءات والامتيازات الجبائية بما يخدم المصلحة الاقتصادية العليا للبلاد.
3- مراجعة مجلتي الاستثمار والطاقة، وإعادة صياغة عقود النفط والغاز والمناجم مع الشركات الاستغلالية بما يكفل لتونس حقها كاملا.
4- تقسيم البلاد إداريا لستة (06) أقاليم حسب تشابه خصوصيات الجهات ومواردها الطبيعية لتسريع نموها:
الإقليم رقم 01 : يضم ولايات كل من باجة، جندوبة، بنزرت وتونس الكبرى. الإقليم رقم 02 : يضم ولايات كل من الكاف، سليانة، زغوان ونابل. الإقليم رقم 03 : يضم ولايات كل من القصرين، القيروان، المهدية، المنستير وسوسة. الإقليم رقم 04 : يضم ولايات كل من قفصة، سيدي بوزيد وصفاقس. الإقليم رقم 05 : يضم ولايات كل من توزر، قبلي وقابس. الإقليم رقم 06 : يضم ولايات كل من تطاوين ومدنين. يتمتع كل إقليم بمينائين جوي وبحري دوليين، ومعبر حدودي، وقناة تليفزيونية، وقناة إذاعية، وصحيفة يومية. ولكل إقليم ميزانية اقتصادية وتنموية سنوية مستقلة، يسوغها ويقوم على تنفيذها مجلس الإقليم بعد مصادقة مجلس نواب الشعب عليها. يتكون الإقليم من رئيس برتبة وزير تعينه الحكومة يترأس مجلس الاقليم المتكون من الولاة ورؤساء بلديات الولايات المنتخبين محليا ومدراء إدارات الإقليم المركزية. يتكون مجلس الولاية من الوالي والمعتمدين ورؤساء بلديات المعتمديات المنتخبين محليا التابعة بالنظر للولاية. مجلس المعتمدية يتكون من العمد ورؤساء المجالس المحلية المنتخبين محليا التابعين لها بالنظر.
5- اتخاذ إجراءات صارمة لحماية الأسواق الداخلية من التجارة الموازية والاحتكار بالتحكم التام في مسالك التوزيع وتحصين الحدود ضد ظاهرة التهريب المستفحلة.
6- تعزيز الدخل السياحي الخام بتحسين جودة المنتوج السياحي التونسي وتنميته وتحسين التصرف في تسويقه والعمل بالتوازي على تنمية السياحة الثقافية والسياحة الإسلامية والسياحة الداخلية.
7- تطبيق نظام العمل بالحصة الواحدة سبع (07) ساعات يوميا ما عدا الخميس 5 ساعات مع راحة يوم الجمعة تشمل كل القطاعات على مدى السنة، هذا النظام سينعش الاقتصاد التونسي وسيتيح فرص تشغيل العاطلين عن طريق العمل في الحصة الثانية المسائية بقطاع التجارة والسياحة والخدمات المالية والخدمات الصحية والمخابز.
8- إعادة هيكلة القطاع البنكي وتطويره لضمان التمويلات الازمة للمؤسسات وتحسين نوعية الخدمات والتشجيع على الادخار الموجه وتكريس الشفافية في المعاملات المالية والادارية وإرساء نظام خدماتي سريع وتشجيع انتصاب البنوك الإسلامية.
9- انتهاج سياسة صناعية حديثة تعتمد التكنولوجيا المتقدمة لتوفير الإنتاج وضمان جودته عالميا والرفع من القدرة التنافسية لمؤسساتنا الصناعية الوطنية داخليا وخارجيا عن طريق مزاحمة المنتوج الوطني للمنتوجات الدولية في الأسواق العالمية.
10- تطبيق مفهوم تربية وتكوين وتعليم عالي مزودين بالوسائل والمعطيات العلمية والتكنولوجية الحديثة من أجل خلق مجتمع معلومات حر على كافة المستويات يتماشى مع ثقافتنا الاسلامية ويعتمد لغتنا العربية للنهوض بها لتكون أداة انطلاقة حضارية تونسية تسهم في الارتقاء بتونس لمصاف الأمم المتقدمة وتيسير التفاعل الإيجابي والخلاق مع بقية ثقافات العالم.
11- تعزيز وتفعيل دور المربين والأساتذة والأكاديميين وتشريكهم في الإصلاح ودعم البحث العلمي وتوقير العلماء والباحثين والمخترعين في جميع الميادين العلمية ودعمهم وحمايتهم من القرصنة والاستقطاب الخارجي إيمانا بدورهم الفعال في تحقيق نمو البلاد وازدهارها
12- احداث محكمة دستورية عليا للبلاد تضمن علوية الدستور ومراقبة التطبيق النزيه والشفاف لدستورية القوانين تكون لها الكلمة الفصل في فض النزاعات القائمة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وبين مجالس الأقاليم، وبين المواطن والسلط، وبين المواطن والقضاء.
13- ارساء سياسة خارجية مبنية على عزة البلاد ووحدتها واستقلالها عن كل نفوذ، وإقامة علاقات استراتيجية مميزة وتوطيدها في جميع المجالات مع كل دول العالم الصديقة على أسس النديّة والعدل واحترام المصالح المشتركة والتعاون البناء والحق في تقرير المصير.
قرائي الأعزاء ها قد انتقلت من مرحلة النقد إلى طرح الحلول المدروسة حسب خصوصيات بلادنا والتي أصبح لزاما علينا تطبيقها حتى نعبر بتونس من عنق الزجاجة إلى البناء والتشييد لغد مشرق يكفل تقدمنا والتحاقنا بركب الدول المتقدمة دون حرب على الإرهاب أو على الانحلال.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: