ماركة نوفمبرية ( بقلم الدكتور محمد ضيف الله)

ماركة نوفمبرية ( بقلم الدكتور محمد ضيف الله)

الإرهابي الذي وجه سلاحه إلى الأبرياء في سوسة، وأطلق عليهم النار دون أن يؤذيه أحد منهم، فأودى بأرواح العشرات بين قتلى وجرحى، هذا الإرهابي مولود عام 1992، أي في مطلع سني الجمر. بمعنى أنه وليد “التغيير المبارك”، وابن المدرسة التونسية، وصنيعة الإعلام النوفمبري، وضحية السياسات التي كانوا ينعتونها بأنها “معجزة” تونسية. هذا الإرهابي عاش طفولته وصباه في ظل “الأمن والأمان”، وتعلم على مقاعد “مدرسة الغد” وأجبر على رفع العلم في ساحتها والتغني بحماة الحمى، وأشرب “ثقافة” كانت تحظى بالعناية الموصولة لصانع التغيير، بأفلامها وتمثيلياتها وأغانيها وآدابها وكتابها وشعرائها. والأكيد أنه لم يكن يعرف آنذاك أن العشرات قضوا في ذلك الزمن تحت التعذيب، وأن فظاعات ارتكبت وكانت ترتكب في حق المئات والآلاف من التونسيين. زمن يصنع الإرهاب.

 

إلا أن هذا الإرهابي بالذات، لم يكن على نمط بقية الإرهابيين التكفيريين تحديدا. إذ اعتمادا على ما كتبه حرفيا المنجي الخضراوي أحد شرفاء الإعلام في تونس، أن الإرهابي سيف الدين الرزقي “معروف لدى الأمن بأنّه من مستهلكي الزطلة”، (الشروق أون لاين، 26 جوان 2015). وأنه “قد شوهد في المدّة الأخيرة مع إحدى الفتيات [التي] لها سوابق أخلاقية، اتجه بها الى قعفور حيث أقامت معه فترة قبل أن يعود إلى سوسة”. نعم. وهذه هي بالضبط الاهتمامات التي كان يريدها النظام النوفمبري للشباب، بديلا لهم عن الاهتمام بالسياسة والشأن العام. ومن هذه الزاوية فإرهابي سوسة هذا هو ماركة نوفمبرية مسجلة. إلا أن الطريف هنا أنه يشترك مع المخلوع في نفس الاختصاص، نتذكر أن “صانع التغيير” كانوا يقولون لنا إنه مهندس إلكترونيك، والرزقي –اعتمادا على المصدر المشار إليه- مختص في الإكترونيك. ربما هي الصدفة. ولكن الأكيد أن العلم المجرد أو التكنولوجيا المجردة كما كانت تفوح من أبواق الدعاية النوفمبرية، ليست ضامنا لخلق إنسان متوازن في مجتمع متوازن.

[ads1]

إن جريمة سوسة عملية إرهابية نكراء، لا يجادل في ذلك أحد، إنها ضربة قاسية للبلاد وللعباد، وضربة قاصمة للحكومة أيضا لا ننسى هذا، بقدر ما تعتبر أعنف عملية إرهابية عرفتها بلادنا خلال السنوات الماضية. ومع ذلك فهي لا تصلح للدعاية إلى نفس السياسات الفاشلة التي صنعت هذا الإرهابي نفسه، هي لا تصلح للعودة إلى سنين جديدة للجمر واللظى، ولا تقنع غير السذج والأغبياء بضرورة التضييق على حريات التعبير والتظاهر والتنظيم الحزبي والجمعياتي. إنها لا تصلح لتصفية الحسابات السياسية أو الإيديولوجية مع هذا الطرف أو ذاك. ولا تصلح للتهجم على الحراكات الاجتماعية المواطنية السلمية، ولا تبرر لأي مسؤول توجيه التهديدات جزافا لمعارضي الحكومة أو منتقديها أو المشهرين بعجزها وفشلها، هذه العملية الإجرامية لا تصلح لإعادة البوليس أو لإرساء دولة الاستبداد من جديد. لأن الاستبداد في آخر الأمر هو صانع الإرهاب.

 

محمد ضيف الله

27 جوان 2015

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: