ما لم تتفوق فلا يحترم دينك

إن أردت الدنيا فلك الدنيا ، إن أردت الآخرة فلك الآخرة ، الآن إن أحسنت إدارة الدنيا ملكتها ، كما يفعل أعداءنا ، دعك من عدوانهم ، انظر إلى معاملتهم لشعوبهم ، في ضمان صحي كامل ، أكبر عملية تُجرى مجاناً ، في حرية حقيقية يعاملوا شعوبهم معاملة تفوق حد الخيال ، لما أحسنوا إدارة شعوبهم كانوا أقوياء ، وملكوا الأرض ، وفرضوا ثقافتهم وإباحيتهم على بقية الشعوب ، الدنيا لها نظام آخر .
كيف نحن ؟ هذه الساعة هذه ساعة رقمية ، وهناك ساعة بيانية بعقارب ، هذه نظام ، وهذه نظام ، لا توازن ساعة رقمية بساعة بيانية أبداً ، كل نوع له خصائص ، الدنيا لها قوانين ، والآخرة لها قوانين ، الدنيا تصلح بالكفر والعدل ، ولا تصلح بالإيمان والظلم ، الآخرة تسوى فيها الحسابات ، لا تصلح إلا بالإيمان والاستقامة والعمل الصالح ، حتى ما يختل توازن الإنسان في الدنيا ، الذين ملكوا الأرض كفار ، لكنهم أحسنوا إدارتها ، فلما أحسنوا إدارتها تفوقوا فملكوا الدنيا ، عندئذٍ فرضوا كل ما يريدون على بقية الشعوب ، فنحن فينا خطأ ، مسلم ؟ على عيني ، مؤمن ؟ ممتاز ، لكن ما لم تتفوق فلا يحترم دينك .

بصراحة المجتمع الإسلامي فيه بطالة كبيرة جداً ، لا نُحترم ، فيه عنوسة كبيرة جداً ، العنوسة في بعض المجتمعات 50% ، البطالة في بعض المجتمعات 60% ، فيها بطالة مقنعة ، إن أعطيت إنسانا ثلاث آلاف ليرة في الشهر فهذا بطال ، لأنها لا تكفيه ، يحتاج إلى 20 ألفا كي يحقق الحد الأدنى من كرامته .
فلذلك ما لم نحل مشكلات الشباب ، ما لم نهيئ مساكن للشباب ، ما لم نهيئ فرص عمل للشباب ، ما لم نهيئ زواجا للشابات ، ما لم نخفض نسبة العنوسة ، ما لم نخفض نسبة البطالة فلا نحترم في العالم ، ولا يُحترَم ديننا ، هذه حقيقة مرة ، وهي عندي أفضل ألف مرة من الوهم المريح ، لا تكن إنسانا سلبيا ، يا أخي الدين عظيم ، البارحة صليت وبكيت ، بارك الله ، شيء رائع جداً ، لكن ماذا قدمت لهذه الأمة ؟ ماذا قدمت ؟ قدمت شيئًا جيدا ؟ أضخم قطر إسلامي فيه 250 مليون مسلم عن طريق التجار فقط ، لو ما رأوا من هؤلاء التجار الاستقامة ، والصدق ، والنزاهة ، والخدمة لما أسلموا ، أنت ماذا قدمت ؟ يكفي أن تكون صادقاً فأنت أكبر داعية ، يكفي أن تكون أميناً فأنت أكبر داعية ، يكفي أن تكون عفيفاً فأنت أكبر داعية ، فهل قدمت شيئًا ؟
إخواننا الكرام ، الحقيقية التي أتمنى أن تكون واضحة لديكم ، اسأل نفسك كل يوم : ماذا قدمت للمسلمين ؟ أما إذا كانت كل اهتمامك في مصالحك ، كل اهتمامك ينصب في بيتك ، ولا يعنيك من أمر الناس شيئاً فلا وزن لك عند الله .

 

﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾

( سورة الكهف )

هم :

 

﴿ صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾

( سورة الأنعام الآية : 124 )

ماذا قدمت للأمة ؟ أتمنى أن تسحب الهمم ، أتقن عملك تكون قد قدمت شيئا للأمة .

 

أعرف رجلا عبقريا في الحواسيب الصناعية ، فكل حاسوب صناعي وراءه معمل ضخم ، وخمسمئة عامل ، وأحيانا تتعطل لوحة إدارة الحاسوب ، إصلاحها مليون ليرة ، وتعطيل المعمل أسبوعين تقريباً ، الله وفقه إلى إصلاح هذه اللوحة ، يتقاضى عشرة آلاف على إصلاح اللوحة كل يومين ، كم خدمة قدم للأمة ؟ كم معملا لما تعطلت هذه اللوحة ؟ كان تتعطل شهرا ، وفي ذهاب اللوحة إلى بلاد بعيدة جداً ، والدفع قريب من مليون ليرة .
أتقن عملك تكن قد قدمت شيء للأمة شيئا كبيرا جداً ، أتقن دراستك ، كن طبيبا لامعا ، كن صناعيا كبيرا ، هيئ فرص عمل للناس .
قال لي أخ : أنا أريد أن ألغي المعمل ، أن أصفي المعمل ، قلت له : لماذا ؟ قال لي : لأنه لم يصبح لي فيه أرباح ، المصاريف تساوي الأرباح تماماً ، قلت له : كم عاملا عندك ؟ قال لي : ثمانون ، قلت له : هذا أكبر ربح ، أنت فاتح ثمانين بيتًا ، أنت أمَّنتَ فرص عمل لثمانين أسرة ، كل بيت فيه ستة أولاد وزوجة ، بارك الله به ، تابع عمله ، وما ترك .
عندما تفهم الدين عطاء ، أنت ماذا فعلت ؟ طالب تفوق ، تاجر ، ائتِ بالبضاعة الجيدة ، وليكن سعرها معتدلا ، فأنت مع النبيين ، التاجر الصدوق مع النبيين ، وإندونيسيا فتحت عن طريق التجار ، أنت صناعي ، قدم صناعة متقنة بسعر معتدل ، هيئ فرص عمل للشباب .
ذهب أحدهم إلى بلاد الغرب ، إلى ألمانيا بالذات ، لإنشاء معمل كبير ، صُعق حينما وجد أنه ليس هناك من شروط إطلاقاً ، إلا تعهدين : أن يتعهد بتأمين فرص عمل ، وعدم تلويث البيئة ، وقدموا له كل دنم أرض بأجرة مارك واحد بالشهر ، اطلب مئة دنم ، الدنم بمارك ، وأسس عملا ، وقدم تعهدا بعدم تلويث البيئة ، وقدم تعهدا بتأمين فرص عمل للمواطنين .
إذاً : أحيانا التعقيدات تشل اقتصاد الأمة ، يقول لك : شيء شبه مستحيل أن آخذ ترخيصا مثلاً ، هذا من تخلف الشعوب الأخرى .
فلذلك اسأل نفسك : ماذا قدمت لهذه الأمة ، هل قدمت علما ؟ هل قدمت أولادا عندهم وعي كبير وملتزمين ؟ صاروا أطباء ، صاروا قضاة ، صاروا محامين ، صاروا مهندسين ، ما غشوا ، أدوا عملهم بالتمام والكمال .
لذلك أيها الإخوة ،

﴿ أُوْلَـئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ ﴾

الكتاب مطبق ، آمنت به أم لم تؤمن ، قوانينه مطبقة ، آمنت بها أم لم تؤمن ،

﴿ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ ﴾

إذا أتقنوا الدنيا تفوقوا فيها وملكوها .
الآية الكريمة :

 

﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾

( سورة الأنبياء )

قال بعضهم : الصالحون بإدارتها ، الصالحون باستغلال ثرواتها ، الصالحون بتقديم الخدمات للأمة ، فحينما تقول : أنا أقدم شيئا معنى ذلك أنك مسلم حقيقي ، لكن لا تقدم شيئا أبداً فهذه مشكلة كبيرة .

 

النابلسي

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: