ما هو أنتن من روائح المبيدات ( بقلم د. محمد ضيف الله)

قال رئيس الوزراء الجزائري كان عبد المالك سلال حرفيا إنّ  “البعض يتكلموا لنا عن الربيع العربي، ما فهمناش هذا الـmoustiques منين جا؟ ما فهمناش هذا الناموس اللي أغلقنا لو الباب ما يقدرش يدخل، ولكن إذا كان يحاول يدخل من الطاقة أو من النافذة، عندنا المبيد وبالفليتوكس نقضيوا عليه“. ورغم أن هذا الخطاب قيل في خضم الحملة الانتخابية في الجزائر في مارس الماضي، فهو يتجاوز ظرفيته ويهمنا في تونس بصفة مباشرة.

 من الواضح أن الثورة التونسية أزعجت ومازالت تزعج بعض -وبالتأكيد ليس كل- دوائر النفوذ في الجزائر. والأمل من الجانب التونسي هو أن يتوقف ذلك عند ذلك. حيث أن الخشية من تجسيم مثل ذلك القول إلى محاولة للتدخل في الشأن التونسي، بأي قدر كان أو استنادا إلى أي تعلة حقيقية أو مصطنعة. لأن أي تدخل من هذا الصنف من شأنه أن يشجع ويؤدي في الأخير إلى تدخلات مماثلة من أطراف أخرى لها مصالحها المزمنة بما فيها استثماراتها زائد تقاليدها الاستعمارية واستراتيجياتها الهيمنية في تونس. وهو ما من شأنه أن يهدد في نهاية المطاف الوضع في الجزائر. لابد من التذكير هنا أن الدولة الموحدة في تونس قديمة قدم التاريخ، ولذلك فهي عصية على الذوبان أو الابتلاع، الاستعمار الفرنسي نفسه بما له من تفوق تكنولوجي وعلمي واقتصادي وعسكري إلى غير ذلك، لم يستطع أن يقضي على الدولة التونسية تماما، وانتهت تجربته بعد جيلين فقط، قبل أن يندحر في بلدان أخرى قريبة أو بعيدة.

عودة إلى المخاوف الجزائرية، يعتقد البعض بأن ما يزعج الجانب الجزائري هو نجاح المسار الديمقراطي في تونس، وما يتعلق به من مخرجات، بما قد يؤثر في الأخير على الوضع الجزائري. إلا أن هذا التفكير يبدو مبسطا إلى حد كبير، أو لا تؤيده الجغراسياسة، في خصوص علاقة التأثير والتأثر بين البلدان الكبيرة والبلدان الصغيرة، كما لا يؤيده تاريخ البلدين خلال العهدين الحديث والمعاصر، وأما قبل ذلك فلم تكن هناك دولة مركزية في الجزائر، ولا يصح بالتالي الحديث عن تأثير في هذا الاتجاه أو ذاك.

كذلك للجزائريين الحق بطبيعة الحال في التعبير عن قلقهم من الأعمال الإرهابية التي تجري على الحدود بين البلدين. إلا أن ما يزعج الجانب التونسي هو أن تلك الأعمال يشارك فيها إرهابيون جزائريون. بحيث أن الهزيمة التي تكبدها الإرهاب أمام الدولة الجزائرية تبدو اليوم وكأنها لم تكن قاصمة، أو كأن الوضع في تونس مثير لشهوات الإرهابيين والعاملين في الإرهاب ممن لا هدف في متناولهم إلى حد الآن إلا الإجهاز على الحرية المكسب الوحيد الذي تحقق بعد الثورة، وصولا إلى حرف المسار برمته. إرهاب مثل هذا لا يمكن أن يكون بعيدا عن دوائر المخابرات، وأمر القضاء عليه بالتالي لا يقتصر على مواجهته عسكريا، إن لم يؤد بالنسبة للعاملين في الإرهاب إلى تحقيق أهدافهم الواضحة إلى حد الآن، أو أن يقود إلى المزيد من التدخلات الأجنبية في شؤون بلادنا. وهذه طامة على الجميع في نهاية المطاف أو رائحة أنتن من المبيدات.  

محمد ضيف الله

29 جويلية 2014

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: