متى ينتهي الحديث عن المؤامرة ليبدأ عمل العقل ؟!/ بقلم جمال سلطان

متى ينتهي الحديث عن المؤامرة ليبدأ عمل العقل ؟!/ بقلم جمال سلطان

 

أصبح هناك إجماع سياسي في مصر الآن على أن النظام يعيش في أزمة شديدة ، وأن الرئيس عبد الفتاح السيسي يتعرض لضغوط متزايدة من أكثر من مصدر داخلي وخارجي ، سياسي وأمني واقتصادي وحقوقي ، وأن البلد بكاملها الآن في ورطة ، وما التوتر الشديد الذي تشهده البلاد حاليا على وقع التظاهرات المحتملة يوم 25 أبريل وحملات الاعتقال التي تتسع ووصلت إلى اقتحام بيوت محامين وصحفيين ، فضلا عن نشطاء سياسيين ، هذا كله يشي بحال من القلق والاضطراب وتوقع السيء ، هناك إجماع على ذلك الآن سواء بين أنصار السيسي أو معارضيه ، ولكن الخلاف بين الطرفين ينحصر في “تفسير” هذه الأزمة وتفسير خلفياتها ، أنصار السيسي اختصروا المسألة في كلمة واحدة : المؤامرة ، ومعارضوه اعتبروا أنها حصاد عامين من التخبط والقرارات غير المدروسة وسوء إدارة الملفات الداخلية والخارجية . الحديث عن “مؤامرة” مريح نفسيا عندما يتعلق الأمر بشخص تواليه أو تدعمه أو ترتهن به مصيريا ، سواء كان ذلك على خلفية عقائدية أو إيديولوجية أو سياسية أو عائلية أو غير ذلك ، ولكن المشكلة أن هذا الحديث المريح نفسيا يتسبب في غرق أصحابه أكثر في الأزمة ويتسع نطاقها وتتعقد إمكانية الخروج منها ، لأن “شماعة” الحديث عن أزمة تعفيك من البحث العقلاني الرشيد في أسبابها والعمل على تلافيها وتصويب الأخطاء التي أدت إليها ، الحديث عن المؤامرة يلقي كل أسباب الأزمة على الآخرين ، على الأشرار ، على المتآمرين ، وبالتالي يفقد صاحب الأزمة الإحساس بها أساسا ، كما لا يكون مقتنعا بأنه أخطأ ، وإنما الآخرون أخطأوا بتآمرهم عليه ، وبالتالي فهو غير معني بتصويب أي موقف أو التراجع عن أي خطوة ، حتى يفاجئه الخبر اليقين على النحو الذي شهدت جميع عواصم الربيع العربي خلال السنوات الخمس الأخيرة ، والذي كان شعاره كلمة زين العابدين بن علي لشعبه وهو يغرق : الآن فهمتكم ، ولكن قيمة الفهم حينها لم تعد تفيد . نادرا ما تسمع كلمة “المؤامرة” في العالم المتقدم أو الدول الديمقراطية الراسخة والنظم التي تعيش استقرارا وشفافية وتداولا سلميا للسلطة كجزء من ثقافة المجتمع السياسية ، وإنما تسمع الحديث عن المؤامرة كثيرا في دول العالم الثالث ، التي غالبا ما تعيش في ظل ديكتاتوريات عسكرية ، ولم تترسخ فيها ثقافة ديمقراطية ، وهذه النظم عادة ما تصنع نخبة على مقاسها ووعيها ، وخاصة في المجال الإعلامي ، وهي نخبة يتقلص نطاق المفردات التي تستخدمها في أي موقف سياسي إلى كلمات قليلة للغاية ، تعد على أصابع اليد الواحدة ، فإذا سحبت من مقالاتهم أو خطبهم أو برامجهم التليفزيونية أربع كلمات فقط : الخونة ، المؤامرة ، المرتزقة ، العملاء ، فغالبا لن يجدوا شيئا يكتبونه أو يقولونه ، فقاموسهم صغير للغاية وضحل للغاية وسطحي للغاية وغوغائي للغاية . المشكلة التي يعاني منها في هذه الحالة أي كاتب سياسي أو محلل سياسي يريد أن يقدم نصيحة للقيادة السياسية أو يستخدم عقله وضميره لتقديم رؤية لصالح الوطن ، ليس فقط أن يكون معرضا للاتهامات بالمفردات الأربعة الديماجوجية الشهيرة ، أو أن يكون معرضا للجرجرة أمام المحاكم باتهامات مصطنعة ولكنها خطيرة ، وإنما المشكلة الأهم أنه يشعر بعبثية أي نصيحة ، وأنه لا جدوى من الكلام ، فقد ماتت السياسة ، لأن الآذان سدت عن السماع ، والقلوب أغلقت عن الإحساس والإدراك ، والعقول تعطلت عن استيعاب أو فهم ما يقال ، فتبدو وكأنك صارخ في البرية .

المصريون

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: