dgfgfg

مجتمعــات الجواسيــس.. (مقــال/ أحمد منصور)

لا زلت أتذكر رحلاتي الأولى إلى بغداد ودمشق قبل ما يقرب من عشرين عاما حينما كان السائق الذي كان يرافقني إلى هذه البلدة أو تلك يخشى من أن يتحدث معي في السيارة، وفي بعض الأحيان كان يضع إصبعه على فمه للإشارة إلى أنه لا يستطيع أن يتكلم خوفاً من وجود أجهزة تنصت في السيارة وهو ما كنت أستبعده في ذلك الوقت، لكنه الخوف الذي كان يسيطر على حياة الناس، فقد صنعت معظم الأنظمة الاستبدادية مجتمعات للجواسيس والخوف، كل الناس فيها تتجسس على بعضها البعض وعشرات الأجهزة الأمنية كل منها يتجسس على الآخر.

و أذكر حينما سقطت العاصمة بغداد وهجم الناس على المراكز الأمنية فوجدوا التقارير التي كان يكتبها الجواسيس عنهم فاكتشفوا الأهوال وكانت الأزمات الكبرى التي أدت إلى حالات انتقام كبيرة هي أن يجد الرجل ابنه أو زوجته أو ابن عمه أو جاره يتجسس عليه، ولا زلت أذكر أحد شيوخ العائلات في سامراء في العراق وقد أخبرني أنه حبس ابنه عدة أيام في إحدى غرف البيت حتى يمنعه من قتل جاره بعدما اكتشف أن جاره هو الذي كان يكتب فيه التقارير التي أدت إلى سجنه عدة سنوات في سجون صدام حسين، أما أحد وجهاء بعقوبة فقد أخبرني أنه حينما سقطت العاصمة بغداد واقتحم الناس مقار الأجهزة الأمنية طلب من أحد أقاربه من بغداد ألا ينام حتى يأتيه بالملف الأمني الخاص به، وبالفعل جاءه به عند الساعة الواحدة ليلاً فقال لي: لم أنم حتى اطلعت على كل ما فيه وليتني لم أطّلع عليه، فقد اكتشفت أن أقرب الناس لي وهو الطبيب الذي كان يعالجني وكنت أذهب له بانتظام كل أسبوع هو الذي كان يكتب معظم التقارير ضدي علاوة على بعض الجيران والأقارب، لقد صُدمت بتلك التقارير المكذوبة التي جعلتني أقضي أجمل سنوات عمري في سجون النظام.

الأمر نفسه كان في سوريا فقد كنت أخضع لرقابة شديدة من النظام حينما كنت أذهب للقيام بعملي وكنت أعلم ببعض من يرصدون حركاتي، لكن المشكلة كانت في أن بعض الشخصيات المحترمة التي كنت أعرفها كانت تعاني من هواجس ومخاوف من يرقبون حركاتهم وسكناتهم بالليل والنهار ممن يعملون معهم أو حتى من أصدقائهم ومعارفهم، وأذكر أنه بعد سقوط طرابلس ذهبت إلى القاهرة في طائرة تابعة للأمم المتحدة حيث كان الطيران المدني لا يُسمح له بالذهاب، حتى أني دخلت وخرجت من مطار طرابلس دون أختام على جواز سفري حيث كان هناك شيء من الفوضى في البلاد، وزرت أماكن كثيرة كان من بينها المقار الأساسية للأجهزة الأمنية، وأذكر أن أحد الأصدقاء الليبيين الذين قضوا سنوات في سجون القذافي كان يرافقني حيث كانت الزنازين في كل مكان وفي كل الأجهزة الأمنية، وبينما كنا في مقر المخابرات الذي كان يُديره عبدالله السنوسي والذي كان قد قُصف من طائرات التحالف، كانت الأوراق والملفات متناثرة في كل مكان، وحينما ابتعدت عنه لتصوير بعض الزنازين عُدت فوجدته يُمسك بيده كتاباً وترتسم على وجهه بعض علامات الأسى والألم، قلت له: ما هذا؟ فدفعه لي دون أن يتكلم، فنظرت فيه فوجدته يضم حوالي ألفا من أسماء المخبرين عملاء الاستخبارات في كل أنحاء ليبيا، ممن يتجسسون على الناس وينقلون أخبارهم، كل شخص باسمه ورقم هويته ومدينته أو قريته، فقلت له: هذا كنز عظيم، فقال: ليتني ما وجدته، قلت له لماذا؟ قال: لقد اطّلعت بشكل سريع على المخبرين في الحي الذي أعيش فيه، فاكتشفت أن بعضهم من أقاربي ومعارفي وبينهم ابن عم لي كنت أعطف عليه وأساعده لكني اكتشفت الآن أنه هو الذي تسبب في وجودي في السجن لأكثر من عشر سنوات.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: