محاضرة: وصية النبي صلى الله عليه وسلم / مع الشيخ الدكتور صالح فوزان الفوزان

محاضرة: وصية النبي صلى الله عليه وسلم / مع الشيخ الدكتور صالح فوزان الفوزان
مقدمة المحاضرة:

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيِّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسَّلِيْمًا كَثِيْرًا، أَمَا بَعْد

فتبتهج في هذا اليوم جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بحضور سماحة شيخنا ووالدنا سماحة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله – ومتع به، عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، والذي حضر إلينا ليُلقي على مسامعنا محاضرة علمية بعنوان شرح وصية النَّبيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – والتي وردت في حديث الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ – حيث قال: « وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَنا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ » فأوصاهم النَّبيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بعدةِ وصايا سيُلقيها ويشرحها علينا سماحة الشيخ – حفظه الله – .

ولا شك أيها الأخوة هذه الوصايا لها شأنٌ عظيم:

أولًا: لأنها صدرت من نَبِيِّنَا وقدوتنا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

ثانيًا: كما قال العرباض ” إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ” ولا شك إن المودع يُوصي بأهم الأشياء، النَّبيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هو الرحيم بالأمة الرؤوف بهم، فلا شك إنه سيوصيهم بما يكون فيه صلاح دينهم ودنياهم، وكلنا شوقٌ في هذه الليلة إلى ما سيُلقيه سماحة شيخنا، وإنه بإسمي وباسم جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، واسم عمادة شؤون الطلاب وباسمكم جميعًا أيها الأخوة أرحب بسماحته بين أبنائه الطلاب، فجزاه الله عنا خيرا، وجزاه الله خير ما جزى عالمًا عن طلابه ووالدًا عن أبنائه، وأسأل الله أن يرفع قدره في الدنيا والآخرة، وأن يبارك فيما يقول وأن ينفع بما يُلقي وأن يجعلنا ممن يستمعون القول ويتبعون أحسنه، والمجال لسماحته فليتفضل رفع الله قدره في الدارين .

الشيخ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وأصَحْابِهِ أَجْمَعِينَ. أما بعد،

كان النَّبيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يتخول أصحابه بالموعظة، ولا يكرر عليهم كلَ يوم وإنما يتخولهم بين حينٍ وآخر، فالموعظة من هديه – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عملًا بقوله – تَعَالَى- :(وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً) فالموعظة لا شك أن لها تأثيرًأ في قلوب الموعظين يبقى أثرها فيهم، إذا كانت صادرةً من ناصحٍ مخلصٍ متبعٍ للكتاب والسُّنَّة « كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ»، يعني كأنها ختام حياة النَّبيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – « فَأَوْصِنَا» لأن من عادةِ المودع أنه يُوصي من خلفه بالأمور المهمة، « كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا، فَقَالَ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسَنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِفَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».

فأوصى – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بثلاثة أشياء:

بتقوى الله واحدة، الثانية: السمع والطاعة لولاة الأمور؛ وإن تأمرعليكم عبد، ثم التمسك بالسُّنَّة عند ظهور الفتن والإختلاف، أوصى بالتمسك بسُّنَّته – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – « فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ» من الصحابة؛ إذا كان هذا يحدث في عصر الصحابة الإختلاف والفتن، فكيف فيمن يأتي بعدهم؟ « فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا» بين الناس، « فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي»، ما ينجي من هذا الإختلاف إلاَّ التمسك بسُّنَّة الرَّسُّول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لأنها تحسم الخلاف، كما قال اللَّهُ – جَلَّ وَعَلاَ – (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً).

وفي حديث حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – أنه سأل النَّبيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عما يحدث من الفتن وما يأتي بعد هذه الفتن من الخير، ثم يأتي بعدها فتن وهكذا فقال حُذيفة للرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – “ق فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ” قَالَ: « تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ » قُلْتُ: “يَا رَسُّولَ اللهَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ” قَالَ: « فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ».

هذه وصية رَسُّولَ اللهَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لحذيفة عند ظهور الفتن وهذا وصيةٌ للأمة كلهاِ، والفتن تحدث لا سيما في آخر الزمان تكُثُر الفتن ولكن الحمد لله معنا من كتاب اللهِ وسُّنَّة رَسُّولهِ ما يعصمنا من هذه الفتن إذا تمسكنا به، إذا تمسكنا بالكتاب والسُّنَّة .

فهذه الوصية؛ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ، – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قال: « وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَوْعِظَةً بَلِيغَةً» والبلاغة: كما يقولون هى مطابقة الكلام لمقتضى الحال، « وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ» خافت منها القلوب، « وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ» بالبكاء خوفًا من هذه الفتن، « فَقَالنا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ » يعني فهموا منها أنها آخر حياة الرَسُولُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – « كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا فَقَالَ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ» هذه واحدة، «وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأمَرَ عَلَيْكُمْ عَبْدًا»، ثم إذا ظهر الإختلاف بين الناس « فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسَنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعَدِي» .

أوصيكم بتقوى الله، تقوى الله كلمة جامعة تجمع كل الخير وقد أوصى بها الله سبحانه وتعالى في الأوليين والآخريين قال تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ)، فأوصى الأوليين والآخريين أن يتقوا الله عزوجل. والتقوى أن تتخذ وقاية بينك وبين المكروه تقيك منه، ولا يقي من هذه الفتن التي تحدث إلا سَّنة الرَّسُول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – « فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي» يعني الزموا كلمة عليكم فعل أمر أو إسم فعل أمر كما قال – جَلَّ وَعَلاَ –: (عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) عليكم أنفسكم أي إلزموا أنفسكم، عليكم بتقوى الله، تقوى الله هي: فعل أوامره وترك نواهيه، طمعًا في ثوابه وخوفًا من عقابه، وهي كلمة جامعة تجمع كل خصال الخير، عليكم بتقوى الله هذه واحدة، الثانية: السمع والطاعة، عند ظهور الفتن والشرور تلزم جماعة المسلمين وإمامهم هذا هو النجاة من الفتن، كما قال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لحذيفة – ” فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ”؟ هذه الفتن، قَالَ: « تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ »، عند ظهور الفتن علينا أن نلزم ماعليه جماعة المسلمين وامام المسلمين، وإمامهم يعني ولي أمرهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) يعني من المسلمين، ولي الأمر يكون من المسلمين، في لزوم جماعة المسلمين وإمامهم منجاة من الفتن إذا ظهرت.

ولن تدرك ذلك إلا أن تتعلم المنهج السليم الذي كان عليه سلف الأمة وأئمتها، تعلم العلم النافع وإلا مسألة إدعاء لزوم الجماعة من غير حقيقية ولا علم هذا لا يكفي ولابد أن تتعلم ماعليه سلف هذه الأمة وأئمتها لأجل أن تمتثل وتسير عليه في حياتك.

« أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأمَرَ عَلَيْكُمْ عَبْدًا»، يعني ماينظر الى نسبه، لاينظر إلى شخصه؛ إنما ينظر الى منصبه حتى ولو كان «عَبْدًا حَبَشِيًّا» كما في بعض الروايات، في بعض الروايات «مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ» يعني فيه عيوب جسمية، أو نسبه ليس عربيًا وإنما هو عبدٌ حبشيٌ، ليس بالنظر إلى شخصه ونسبه إنما النظر إلى منصبه. فولي أمر المسلمين يدفع الله به شرورًا كثيرة، وهو ظل الله في الأرض كما في الحديث، فلزوم ولي أمر المسلمين وإمام المسلمين وجماعة المسلمين هو النجاة من الفتن إذا حصلت. وفي هذا تحذير من اتباع المناهج غير منهج أهل السنة والجماعة، المناهج كثيرة والجماعات كثيرة وخصوصًا في هذا الزمان والفتن كثيرة، ولا مخرج إلا بلزوم إمام المسلمين وجماعة المسلمين. كلٌ يدعوك أن تتبعه وأن الحق معه ولكن الحق في جماعة المسلمين وإمام المسلمين فإلزم جماعة المسلمين وإمام المسلمين. فليس بلازم أن يكون إمام المسلمين أن يكون معصومًا أو ليس له أخطاء أو ليس له ذنوب، لا يلزم هذا، لا يلزم أن يكون معصومًا وأنه إذا أخطأ لا يقتدى به، حتى لوكان فاجرًا كان عنده فجور معاصي، لكن لا تخرجه عن الإسلام تلزم طاعته، “أمامٌ المسلمين برً”ا كما يقول أهل السنة والجماعة في العقيدة: “برًا كان أو فاجرا” برًا يعني: مستقيمًا ومطيعًا أوفاجرًا يعني عاصيًا لا تصل معصيته إلى الكفر والخروج من الدين.

« تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ » وفي حديث الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – فَقَالَ «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ» هذه واحدة، «وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ» هذه مهمة جدًا «وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ» لمن؟ لولي أمر المسلمين « وَإِنْ تَأمَرَ عَلَيْكُمْ عَبْدًا» لا تنظر إلى نسبه وإلى لونه ولكن انظر إلى منصبه، مادام هو ولي أمر المسلمين فعليك باتباعه ولزوم جماعته. الآن الفتن كثيرة، والشرور كثيرة، والجماعات كثيرة الآن ما لنا مخرج إلا بلزوم إمام المسلمين وجماعة المسلمين.

هذا هو المخرج من هذه الفتن وهذه الشرور؛ ولابد أن نتعلم عقيدة المسلمين وماعليه سلف هذه الأمة قال اللَّهُ – جَلَّ وَعَلاَ – (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) بإحسان ما هو بإنتساب فقط بإحسان يعني بإتقان وذلك بأن يعرفوا ماعليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ).

(وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) يعني بإحسان ما هو بانتساب فقط، وذلك باتقان وأن يعرفوا ما عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار.

(وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)، فرضي الله عن المهاجرين والأنصار واﻷنصار بدون قيد، لكن الذين أتبعوهم قيدهم بقوله:{بِإِحْسَانٍ}، والإحسان معناه أن تعرف ماهم عليه سنتهم وطريقتهم تتمسك بها وذلك بأن تأخذها عن العلماء ما تأخذها عن المتعالمين، أوعن الكتب والمطالعات، وتأخذها عن علماء المسلمين الذين هم القدوة حتى تتمسك بها على حق وعلى بصيرة.
فحديث العارباض هذا حديثٌ عظيم؛ « أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ»، ثم بيَّن – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مايكون في المستقبل؛ ولذلك مما أطلعه الله عليه ﻷجل تعليم الناس الطريق الصحيح، فأوصي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أوﻵ: بتقوى الله فيما بينك وبين الله، ثانيا: في المنهج تسير ماعليه أمام المسلمين وجماعة المسلمين وتترك ماخالف ذلك، وأن كان أهله يزينونه ويحسنونه ويدعون أنه هو الحق؛ الحق مع أمام المسلمين ومع جماعة المسلمين تلزم جماعة المسلمين وأمامهم كما في حديث حذيفة.

وفي هذا الحديث يقول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا»، مذاهب كثيرة، جماعات كثيرة، لكن الحق مع جماعة واحدة؛ هي جماعة المسلمين وإمام المسلمين فأبحث عن ذلك وتمسك به، «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ».

ثم قال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا» عند الاختلاف ترجع إلى ماعليه سلف اﻷمة من المهاجرين واﻷنصار والذين اتبعوهم بإحسان وهذا محفوظ ومدون ولله الحمد تتعلمه وتتبعه.

«فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي» الله – جَلَّ وَعَلاَ -قال: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ). سُّنة الرسول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يعني في حياته الرد إليه إلى شخصه – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وبعد ماتته الرد إلى سُّنته الصحيحة الثابتة.

«فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي» طريقتي، السنة تطلق ويراد بها اﻷحاديث الورادة عن الرَّسُّول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وتطلق بها الطريقة التى عليها رَسُّولِ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وهذا هي المقصودة الآن .

« فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسَنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ» من هم الخلفاء الرشدين؟ هم اﻷربعة: أبوبكر وعمر وعثمان وعلي – رَضِيَ اللهُ عَنْهُم – هؤﻻء هم الخلفاء الرشدين. « بِسُنَّتِي وَسَنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي » لأن سنة الخلفاء الرشدين تبيَّن سُّنة الرَّسُّول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – توضحها.

ثم قال: «تَمَسَّكُوا بِهَا»، هذا تأكيد «تَمَسَّكُوا بِهَا» سيروا عليها، انتهجوها، الزموها، ﻻتحيدوا عنها يمنة وﻻ يسرة، إلى المنهج الفلاني إلى المذهب الفلاني وإلى الجماعة الفلانية، لا! سُّنة الرَّسُّول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -وسنة الخلفاء الرشدين «تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» الغريق إذا وقع في غرق في لجة ماء ومعه حبل ما له نجاة إلاَّ بالله ثم هذا الحبل، إن اطلق الحبل غرق في هذا اللجة وإن تمسك به نجا، وهذا الحبل هو ماعليه رَسُّول اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هو وأصحابه، خلفائه الرشدين « تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» اﻷضراس خشيةَ أن تنفلت منكم، من الحرص على التمسك لأن الغريق إذا خشي من الغرق ومعه حبل فإنه يعض عليه بأسنانه، مايكتفي بإمسكه بيديه، بل يعض عليه بأسنانه حتى ﻻينفلت منه، لأنه يعلم إذا انفلت منه غرق كذلك إذا لم تتبع ماعليه رَسُّول اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وخلفائه الرشدين تغرق في الفتن بل هو طريقة النجاه مافيه نجاة غيره «عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ».

ثم حذر – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ممن يخالف السُّنة؛ سُّنة الرَّسُّول وسُّنة الخلفاء الرشدين؛ حذر من ذلك « وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُور» وهي البدع، المحدثات هي: البدع التى تخالف سُّنة الرَّسُّول – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –.

والبدع كثيرة، والنَّبِي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قرأهذه الآية: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) . وذلك أنه – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خَطَّ خَطًّا معتدلًا ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ»، ثُمَّ خَطَّ على جنبيه خُطُوطًا كثيرة، وَقَالَ: «هَذِهِ سُبُلٌ» التي على جنبتي الصراط وقال: «هَذِهِ سُبُلٌ» من اتبعها ضلَّ وضاع، ومن ترك الصراط المستقيم الذي هوالطريق الصحيح وقع في هذا السبل، وﻻ يتبين ماهو الحق منها؛ كل يقول الحق معي وأنا كذا ، كذلك فالرسول وضح لنا هذا إيضاح قال: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ» «هَذِهِ سُبُلٌ،عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو النَّاس إِلَيْهِ» كل سبيل من السبل التى على جنبتي الطريق المستقيم عليه شيطان من شياطين اﻷنس والجن يدعون إليه، ويرغبون فيه وربما يبذلون اﻷموال والطمع، يطمَّعون الناس ولكنه طريق هلاك «عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو النَّاس إِلَيْهِ» هؤﻻء هم دعاة الضلال الذين هم على سبل الضلال يدعون الناس إليها، فمن أطاعهم أهلكوه «وَهَذِهِ سُبُلٌ،عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو النَّاس إِلَيْهِ»؛ هذا من باب التحذير منه – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- « فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسَنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا» تأكيد «وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ».

((فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، فَتَمَسَّكُوا بِهَا))، تأكيد، (( وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ ))، لأن من ترك السُّنن وقع في البدع، ((وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ ))، وهي البدع، ((فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وكلَّ ضَلاَلَةٍ في النَّارِ))، فلا نجاة إلا بهذا، إلا بالتمسُّك بالسُّنة، وما عليه رسول الله – صلى الله عليه وسلَّم-، وخلفاؤه الراشدون، وما عليه سلف الأُمة، والذين اتبعوهم بإحسان -رضي الله عنهم ورضوا عنه-، قال – صلى الله عليه وسلم-: ((“افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً))، يعني من بعد موسى – عليه السلام-(( وَتَفَرَّقَتِ النَّصَارَى ))، يعني بعد عيسى – عليه السلام- ((عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِى عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ،كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلاَّ وَاحِدَةً، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ كَانَ عَلَى مِثلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْم وَأَصْحَابِي))، فهو الذي ينجو من الهلاك ومن الضلال ومن الكفر ومن الشرور، ولكن هذا يحتاج إلى أمرين:

الأمر الأول: العلم ، العلم بما كان عليه الرسول وأصحابه من المهاجرين، والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ما هو بالدعوة المجرَّدة، كلٌ يقول: هذا هو ما عليه الرسول وأصحابه، كلٌ يقول هذا، لكن الحقيقة، لا تتعدَّد، الحقيقة هي واحدة، الحقيقة هي واحدة، والدَّعاوى إذا لم يقيموا بينات عليها، أهلها أدعياء، وسنة الرسول وأصحابه واضحة -ولله الحمد- ومحفوظة، قيض الله لها أئمة حرسوها، وحفظوها، ونحَّوا عنها كل كذب ودخيل، وهم علماء الحديث، المحقِّقون الذين حفظوا سنة الرسول – صلى الله عليه وسلم- وصانوها، وأبعدوا عنها الأحاديث المكذوبة والموضوعة، حرسوا سنة الرسول – صلى الله عليه وسلم- والنبي – صلى الله عليه وسلم- ضرب مثلًا لما بعثهُ اللهُ به، قال: ((مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ ))، هذه الطائفة المتمسِّكة بسنة الرسول – صلى الله عليه وسلم-، ((وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ ))، يعني لا تنبت، ولكنها تحفظ الماء، وهؤلاء هم الحُفاظ حفاظ الحديث الذين يقتصرون على حفظ الحديث، ودراسته، وصيانته، ودراسة أسانيده، لمنع الكذب، والدخيل على سنة الرسول –صلى الله عليه وسلم-.

الأولون هم الذين جمعوا بين الحفظ والفقه، والطائفة الثانية هم الذين أخذوا الحفظ، ولم يعتنوا بالتفقُّه في الأحاديث، وهؤلاء فيهم خير، لأنهم حفظوا سنة الرسول – صلى الله عليه وسلم- ، كالأرض المُجدبة التي أمسكت الماء للناس يرتوون منها، الحُفَّاظ الناس يرجعون إليهم في رواية الحديث وأخذ الحديث، وأما فقه الحديث فهذا مع الطائفة الأولى، هؤلاء يُسمَّون فقهاء المُحدثين، الطائفة الأولى، فقهاء المحدثين، الطائفة الثانية هم الحُفَّاظ، الذين اقتصروا على حفظ السُّنة وصيانتها وحراستها، فيهم خير كثير، مثل الأرض التي أمسكت الماء لكنها لم تنبت، فيها خير.

والثالثة طائفة، (( قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً))،الثالثة أجادب ما أمسكت الماء، وما أمسكت الأحاديث ولا حفظتها ولا صانتها، ولا أنبتت الكلأ، وهو فقه الأحاديث، هؤلاء لا خير فيهم، ولا فائدة منهم للناس يعني، أما هم لأنفسهم إذا كانوا صالحين ومستقيمين على طاعة الله، خيرهم لأنفسهم، لكن النفع المتعدي هو من الطائفتين الأوليين التي أمسكت الماء، وأنبتت الكلأ، والتي أمسكت الماء للناس، وأما الطائفة الثالثة فهم أجادب لا يمسكون ماءً ولا ينبتون كلأً، فلا يحصل منهم نفعٌ للأُمة، وإن كانوا، إذا كانوا مؤمنين ومستقيمين، ينفعون أنفسهم فقط، هذه.

((عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، فَتَمَسَّكُوا بِهَاوَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ))، هذه الفتن – والعياذ بالله- المُحدثات هي البدع، لإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، فالبدع ما فيها خير، ضلال، وإن ادعوا أن فيها خير، وفيها عِبادة، في ضلال، البدع ضلال، والمبتدعة ضُلال، يجب الحذر من هذا.

((فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وكلَّ ضَلاَلَةٍ في النَّارِ))، والعياذ بالله، فهذا حديثُ عظيم، حديث العرباض بن سارية –رضي الله عنه- حديثٌ عظيم، ومنهجٌ قويم لمن تمسَّك به وسار عليه، والموفَّق من وفقه الله، ولكن الإنسان إذا بذل السبب، وبذل الجهد، فإن الله – سبحانه وتعالى- يوفِّقهُ، وأما إذا أهمل وتكاسل وضيَّع فإنما يهلك على نفسه، ويضرُّ نفسه، ويسير على غير هُدى، وعلى غير منهجٍ سليم.

((فإنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَالْمَهْدِيِّينَ من بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ))، تحذير ، كلمة (( إيَّاكُم))، هذه تحذير، ((وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ))، كل ما خالف السُّنة، مما هو من يُنسب إلى الدين وهو يُخالف السُّنة فهو بدعة.

((وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِفَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ))، وإن قالوا إنها طيبة، وإنها فيها خير، نقول : لا، البدعة ما فيها خير، ((فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وكلَّ ضَلاَلَةٍ في النَّارِ))، هذا مآله، وفي الحديث: ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ))، مردودٌ عليه، لا يُقبل.

وفي الحديث: “مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليس مِنْه فهو رَدٌّ” مردود عليه لا يُقْبَل، وفي روايةٍ: “مَنْ عَمِلَ عَمَلًا ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ”، يعني: مَنْ عَمِلَ بالبدعة ولو لم يُحْدِثها هو؛ “مَنْ عَمِلَ عَمَلًا ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ”، فإما أنْ يكون هو الذي أَحْدَثَ البدعة وإما أنْ يكون ما أحْدَثَها ولكن عَمِلَ بها، فتُتَجَنَّب البِدَع مهما كانت.

“مَنْ عَمِلَ عَمَلًا ليس عليه أمرُنا”: أَمْرُ الرسول-صلى الله عليه وسلم- وهو السُنَّة، “فهو ردٌّ”: يعني مردودٌ عليه لا يُقْبَل منه ولا يُؤْجَر عليه بل يأثم عليه.

فالبِدَع لا خير فيها، وإنما الخير في السُنَن والتمسُّك بها، ولهذا لابُدَّ من العناية بالسُنَن وتعلُّم العلم النافع والعقيدة الصحيحة؛ عقيدة السلف الصالح ومَا هم عليه، هذه طُرُقُ النجاةِ من الفِتَن والضلالات والشرور التي تتجدد وتتعاظَم، كلمّا تأخرَّ الزمان زادت الفِتَن وخَفِيَت السُنَن، تزيدُ الفِتَن وتَخْفى السُنَن.

ولا تجتمع البدعة والسُنَّة أبدًا، لابُدَّ أنَّ إحداهُما تُخْرِج الأخرى، ما تجتمع سُنَّة وبِدْعة أبدًا، السُنَّة تُخْرِجُ البِدْعَةَ والبِدْعَةُ تُخْرِجُ السُنَّةَ.

فيجِبُ معْرِفَةُ هذا الأمر العظيم، وأنه لا يُتَسَاهَل في البِدَعِ أبدًا مهما كانت، ومهما زيَّنَها أصحابها وحَسَّنُوها فإنها صَدٌّ عن سبيل الله، وهي طريق الهلاك والضلال مردودة، “مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ”، “مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هذا مَا لَيْسَ مِنْه فَهُوَ رَدّ”، تعبٌ بلا فائدة! بل لا يكتفي أنه بلا فائدة بل مَضَرَّة، فيه مَضَرَّة وهلاك، وفيه شقاءٌ وفيه كل شرّ.

فالبِدَع لا خير فيها ولا في أهلِها، وإنما الخير في السُنَن وأهلها، وهو ما ثَبَتَ عن الرسول-صلى الله عليه وسلم- مِن قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ أو صفة، هذه السُنَّة الواردة عن الرسول-صلى الله عليه وسلم-.

وهناك حُفَّاظٌ وهناك كُتُبٌ مُصَنَّفة في المحافظة على هذه السُنَّة، الحمد لله الدين محفوظ لِمَن يريد التَمَسُّك به، وكما قال-صلى الله عليه وسلم-: ” لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأتِيَ أَمْرُ اللهِ-تبارك وتعالى-“.

هذه الطائفة ما تزالُ في الأُمّة، ما تُفْقَد هذه الطائفة، الطائفة قد تكونُ واحدًا، الواحِدُ يُسَمَّى طائِفة، إذا كان مُتَمَسِّكًا بالسُنَّةِ وقائِمًا عليها فهو الطائفة المنصورة ولو كان واحدًا، ولا تفقِد الأُمَّة هذه الطائفة السُنِّيَة الطيّبة-والحمد لله- إلى أنْ يأتي أمرُ اللهِ-سبحانه وتعالى-.

“لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلا مَنْ خَالَفَهُمْ”، في ناس يَخْذِلونهم وفي ناس يُخَالِفونهم لكن لا يضرونهم: “لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأتِيَ أَمْرُ اللهِ-تبارك وتعالى-“.

هذا مِن لُطْف الله بعباده، أنه-سبحانه- يُقِيمُ للحقِّ مَنْ يَنْصُرُهُ ويدعو إليه ولو كَثُرَ الشَّر، فهناك مَن يتمسَّك بالخيرِ ويدعو إليه وينشُرُه في الناس، فلا تَضِل الأُمَّة كلها جميعًا؛ لا، يَبْقى مَنْ يَبْقَى ولله الحمد.

ولكن قد يكزنُ غريبًا كما قال-صلى الله عليه وسلم-: “بَدَأَ الإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلغُرَبَـاءِ، قالوا: مَنْ الغُرَبَـاءُ يا رَسُولَ اللهِ؟ قال: الَّذينَ يَصْلُحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ”، وفي روايةٍ: “الَّذينَ يُصْلِحُونَ ما أَفْسَدَ النَّاسُ”.

هؤلاء هم الغُرِباء لأن أكثر الناس ضِدَّهم، أكثرُ الناسِ يتَنَقَّصُونَهم ويُخَذِّلُونهم ويُزَهِّدُونَ فيما
هم عليه، لكن ما يَضُرُّهم هذا: “لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلا مَنْ خَالَفَهُمْ”، ما يَضُرُّهم هذا أبدًا، والله-جلَّ وعلا- أبقاهم ليُبْقِي حُجَّتَهُ على خَلْقِه فيَبْقَون إلى آخر الزمان,

قد تكون هذه الطائفة في المَشْرِق، قد تكون في المَغْرِب، تكون في الشمال أو في الجنوب، ليس لها مكانٌ معينٌ لكنها موجودة، مَنْ ابتغاها وَجَدَها، مَنْ سأل عنها وجدها موجودة ولله الحمد، ضمانًا للحق لِئلا يضيع.

فالحمد لله نحن الآن على منهجٍ صحيح وعلى منهجٍ سليم، مناهِجُنا الحمد لله على مُوجِب الكتاب والسُّنة، دِرَاسُتنا على كتابِ الله وسُنَّة رسوله-صلى الله عليه وسلم-، نَدْرُسُ التفسير ونَدْرُسُ الحديث وشروحه، نَدْرُسُ عقيدةَ السلف الصالِحِ وما هم عليه، فنحن ولله الحمد الآن على جادَّةِ صحيحة ومنهجٍ سليم وطريقٍ مستقيم، نسألُ اللهَ أنْ يُثَبِّتَنا وإياكم عليه إلى يوم نلقاهُ غيرَ مُبَدِّلينَ ولا مُغَيِّرين، وصلَّى الله وسلّم على
نبينا محمدٍ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أجمعين.

موقع الدكتور صالح بن فوزان الفوزان

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: