397793_101407283320381_222743119_n

محاولات في شرط تحقّقنا الحضاريّ… مقال/ الكاتب سامي بللّعج

محاولات في شرط تحقّقنا الحضاريّ… مقال/ الكاتب سامي بللّعج

هل السّيادة طوع بـنـانــنــا ، أم هي رهينة لدى القوى الشّافطة لخيرات بلادنا ؟

هل نحن أحرار في فحوى القرار ، أم أنّنا حروف و فقرات هذا القرار لدى الأساطيل القادمة من بعيد و الحامية لهذه الدّار؟

ليس من الحكمة التّغاضي عن حجمنا الحقيقيّ و استبداله بحلم ورديّ أرعن..و ليس من مصلحتنا التّماهي مع أطلال ثورة هي أشبه بانتفاضة تلقائيّة و فجئيّة ، و أقرب للتّنفيس الشّعبيّ المرحليّ ..منها للهبّة المنظّمة أو الحراك الشّعبيّ الّذي يسبقه نضال سرّيّ طويل . إذن فنحن “دويلة” صغيرة المساحة و محدودة التّأثير على دول الجوار ، و نحن في مهبّ الرّياح الغربيّة القادمة من الشّمال و الزّاحفة من غرب الإبسال ، فلا خيار لنا غير التّأقلم مع هذا الواقع الّذي قد يبدو للكثير مصدر إزعاج و مكمن حرج كبير.

و تـبـعا لذلك ، أليس من الحكمة أن نـضـع في الحسبان هذه الحقائق الدّامغة ؟، و من ثمّة نهذّب ذواتنا الفكريّة و كينونتنا السّياسيّة على مقاس حجمنا الواقعيّ ، فنوجأ بأنفسنا من مغبّة الإنجراف وراء مخيال همجيّ ينبني على النّعرات الإنتقاميّة الهدّامة ، و الّتي لا تأخذ البتّة بعين الإعتبار حقيقة كوننا وصفاء لدى قوى إقليميّة جبّارة ، منها الّتي بالجوار و أعتاها من قدمت من وراء البحار و من كانت سبّاقة في انـتـهـاك استقلاليّتنا المهلهلة على الدّوام.

ألسنا بالتّالي ذرّة نشيطة تتحرّك نواياها تلقائيّا و عفويّا ، و لكنّها بعيدة كلّ البعد عن القدرة على التّأثير السّلبيّ أو الإيجابيّ على دول أخرى ذات اقتدار إقليميّ واسع و ذات نفوذ عسكريّ أوسع ؟ إذن فنحن “مفعول به” نمطيّ ، و قدرنا الرّاهن أن نتأقلم مع القوى الإقليميّة العالميّة منها و القارّيّة أو الحضاريّة ، و هذا يعني قبولنا بحجمنا التّشخيصيّ و النّأي بأنفسنا عن أحلامنا الإنطباعيّة . و بمعرفتنا لحدود مقدرتنا و هامش فعلنا صلب التّفاعل الدّوليّ ، نكون قد اتّخذنا الخطوة الأولى نحو تحرّرنا الذّاتيّّ و انعتاقتنا المأمولة بعد قرون الرّقدة و ذلّ العبوديّة لأدوات السّلطة فينا .

و لن يكون بمقدور المصنّفة “عظمى” بين الحضارات الرّاهنة ، أن تتصدّى لمثل هذا الوعي الوليد لدينا ، فمن الغباء تصوّر حرب معلنة على أفكار واقعيّة أو تجييش جيوش ضدّ وعي جماعيّ متماهي مع معلنات الحضارة الكونيّة ، إذ سيكون ذلك ازدواج خطير و نفاق مفضوح من قبل الّذين يدّعون السّبق الإنسانيّ في مضمار الحوكمة و تشاركيّة الحكم بقانون انتخابيّ.

لذلك فلنلتزم بهذا الإيقاع العالمي الرّاهن ، و لنطرح عن عقولنا غوغائيّة السّيادة العالميّة ، من أجل تثبيت أركان البيت الدّاخليّ الصّغير جدّا بحجمه الأرضيّ ، و لكنّه الأكبر من كلّ تصوّر بطاقة عقوله الصّاحية و طموح ألبابه النّاشدة للصّلاح الإنسانيّ و الفعل الحضاريّ . فإن كان الّذي تقدّم بالقياس إلى العالم، فمن باب أولى و أحرى أن يكون التزامنا بإزاء امتدادنا العربيّ أكثر نضجا و أوعى مسئوليّة ، و لن يتحقّق ذلك -لا محالة- إلاّ بالتخلّي عن أفكار تصدير الرّؤى الدّينيّة ، و الإقلاع نهائيّا عن نرجسيّة القناعات الرّوحيّة . و سيكون لالتزامنا الفكريّ هذا ، ثماره العاجلة و نعمه الآجلة ، أمّا الآنيّ منها فهو منوط بحصر تركيزنا أكثر على قضايا سيادتنا الوطنيّة و الّتي على رأسها خيراتنا الطّبيعيّة الّتي في باطن أرض وجودنا الفعليّ ، و كم سيكون عجز القوى السّالبة لها أمام اقتدارنا العمليّ ، لو أنّنا تخلّينا عن اقتتالنا الجاهليّ ، و تغاضينا عن نعراتنا الحزبيّة المهلكة ، و أسقطنا من اعتباراتنا حميّتنا السّلطويّة الضيّقة الآفاق . آنذاك سنواجه سرّاق خيراتنا بالإلتزامات الدّوليّة و الإتّفاقيّات القانونيّة العالميّة ، و سنفحمهم بأدوات سلطويّتهم الكونيّة المزعومة . و أمّا الآجل من ثمار هذا التّجديد في الوعي و الّذي نحن في أمسّ الحاجة إليه ، فسيكون في شكل انسجام اجتماعيّ رائع من شأنه أن يوفّر سلما و نماء سيؤدّيان حتما إلى صحوة اقتصاديّة شاملة .

تلك هي رؤى عامّة لشرط تحقّقنا الحضاريّ وسط هذا اللّغط المريج من بلابلنا الإنقلابيّة و قلاقلنا السّياسيّة ، و قد تبدو تنظيرات عامّة ، إلاّ أنّها تبقى توضيحات واجبة بإزاء المرحلة الرّاهنة.

سامي بللّعج

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: