محمد العربي زيتوت: شيخ العسكر أسقط المخابرات

ما مكن الشقيقان بوتفليقة -رسميا عبد العزيز وعمليا السعيد- من توجيه ضربات مؤلمة للمخابرات و قد تكون قاضية، هو أنهما تمكنا من شراء ذمم بعض كبار جنرالات قيادة الأركان، إبتداء من قايد صالح، والذي يعتبر من أكثر العسكر فسادا، والبالغ من العمر 80 عاما، وكان قد عين قائدا للأركان منذ إقصاء الجنرال الدموي محمد العماري.

الجنرال العماري، وكان أقوى جنرال في البلاد وأعلاهم رتبة -عين فريقا في 1994 وكان أول لواء يصل إلى تلك الرتبة- سقط سقوطا مريعا في صيف 2004، بعد صراع شرس على السلطة، تحالفت فيه المخابرات مع الرئاسة ضده، وسقط معه حوالي 20 جنرالا من كبار أنصاره.

وبذلك أخرج العماري من السلطة، ولكن تركت له الأموال التي نهبها، كما عين مستشارا عسكريا لوزير الدفاع القطري، حيث كان يمضي كثيرا من وقته بين الدوحة والجزائر، مرورا بدبي و باريس، حتى أعلن عن وفاته بسكتة قلبية في فبراير العام الماضى.

بعد صائفة 2004 الحاسمة التي أنهت إحدى أهم حلقات الصراع، كان 4 جويلية الماضى أهم يوم في تاريخ الصراع المتجدد على السلطة ، حين أُعلن عن تغييرات أساسية داخل هرم السلطة العسكرية، توجت مجموعة من التغييرات بدأت منذ فترة، وبموجبها عُين الجنرال ماجور حبيب شنتوف قائدا للقوات البرية، وعُين نائبه في الناحية العسكرية الأولى حسن جبور، قائدا لها، إضافة إلى تغيرات أخرى مست قادة نواحي آخرين، خاصة الدموي الجنرال سعيد باي، الذي عزل عن قيادة الناحية العسكرية الثانية.

بعد أن أكمل وضع الجنرالات الموالين له في المناصب الحساسة، خاصة الأركان والقوات البرية و الناحية العسكرية الأولى، إستطاع أن يواجه المخابرات و ينتزع من توفيق ثلاث مصالح كبرى من أصل خمسة يرأسها هذا الأخير.

بدأ بإنتزاع المديرية المركزية لأمن الجيش DCSA وإخضاعها لقيادة الأركان مباشرة أي لقايد صالح.

المديرية المذكورة ظل يقودها أحد أكثر العسكر إجراما، وهو الجنرال ماجور جبار مهنا، والذي أشتهر، و قد كان مسؤول عن أمن الناحية العسكرية الأولى في البليدة أغلب فترة التسعينات بما فيها المركز الإقليمي للبحث و التحريCTRI، أشتهر بقتل المساجين وإرتكاب المجازر والتعذيب بيديه، كما أنه متهم بخطف الرهبان الفرنسيين السبعة، قبل أن تقطع رؤوسهم في ظروف غامضة وتنسب الحادثة للجيا في أفريل 1996.

من أهم إختصاصات هذه المديرية، حماية الجيش و العتاد من قوى التخريب، بعبارة أخرى مراقبة الجيش وكبار ضباطه، وإختيار العناصر الأكثر ولاء للترقيات والمناصب حتى تسهل عملية التحكم والسيطرة علي الجيش.

مباشرة بعد ذلك إنتزعت مديرية الإتصال و النشر- وتسمى رسميا بالمركز- CCD، وألحقت هي الأخرى لقائد الأركان مباشرة، و هو المركزالذي يتحكم في الصحافة و الإعلام ، الخاصة و العامة، الداخلية و الخارجية، فحتى زيارات الصحافيين الأجانب للجزائر تخضع لهذه المديرية، كما يخضع مراسلي القنوات الأجنبية إلى الإعتماد و عملهم إلى المراقبة.

وتبقى مهمتها الأصلية التي أنشئت من أجلها، وتوسعت بشكل كبير بعيد إنقلاب 1992، السيطرة على الصحافة المكتوبة وتمرير ما تشاء عبرها، و منذ سنتين أضيفت لها القنوات الإعلامية الخاصة التي أذن لها بالعمل في الجزائر، وهي قنوات كلها تابعة لرجال “أعمال” مقربين من جهاز المخابرات أو يحظون برضا كبار الجنرالات.

و في حين يخضع لها الإعلام الحكومي بشكل مباشر، فإن الإعلام الخاص يتم التحكم فيه عن طريق الترغيب بالميزانية الضخمة التي يديرها المركز تحت مسمى “الديوان الوطني للنشر والإشهار “ANEP، حيث تغدق الملايير شهريا على الصحف المتعاونة في شكل إشهار، ويلجأ عند الحاجة، للترهيب المالي والإداري، برفض طبع الصحف المشاكسة في المطابع الحكومية أو بتسليط جهاز الضرائب لأخذ مستحقاته عند الضرورة. وقد أغلقت عدة صحف رفضت الخضوع بهذه الطريقة، وهي طريقة أرحم من تلك التي أعتمدت في التسعينات، حيث كان الصحفى المتمرد كثيرا ما يلقى حتفه أو يختطف من بيته و ربما إلى الأبد.

قبل سلخ هذه المركز، بالغ الحساسية حيث التضليل و الخداع هما الأصل في نشاطه، عزل الشقيقان بوتفليقة رئيسه، وهو عقيد يعرف فقط بإسمه المستعار، فوزي، لأنه هو الذي “نسق” عمليا الحملة الإعلامية الشرسة ضدهما، و ضد المقربين منهما، بتسريبه ملفات فساد للإعلام الخاضع، طالت الرئيس ذاته وكان السبب المباشر في إصابته بالجلطة الدماغية.

ملفات الفساد التي سهرت على جمعها مديرية الشرطة القضائيبة و تسمى أيضا بالمصلحة SPJ، والتي أسست رسميا في فبراير 2008، وإن كانت قد بدأت نشاطها بفترة طويلة قبل ذلك وتحت السلطة المباشرة للفريق توفيق.بدأ الضباط و صف الضباط المعينين فيها العمل حتى قبل أن ينشر في الجريدة الرسمية في 2007 أنهم أصبحوا يتمتعون بالضبطية القضائية وأنه يمكنهم، وفقا لذلك، التحقيق مع أي كان و إعتقال أي كان و في أي وقت يشاؤون.

كان ذلك خطأ فادحا إرتكبه الشقيقان بوتفليقة، لأن ذلك هو الذي سيمكن المخابرات رسميا، من تحويل نشاطها البحثي الشرطي التى ظلت دائما تقوم به سريا، وكثيرا ما تظطر إلى إستخدام مضلة الدرك و الشرطة، إلى عمل قانوني معلن و سيطال إبتداء، كل المقرين من الرئيس، وهم إجمالا فاسدون بلا حدود.

هذه المديرية، كانت ثالث مديرية حساسة تنتزع من توفيق، وتلحق بسيد الجيش بلامنازع اليوم، الفريق قايد صالح، ذو 80 ربيعا.

بذلك تكون أهم ثلاث مخالب قد قطعت للجنرال، الذي لم يسمع له الجزائريون صوت اأبدا ولم يشاهدوه في قناة تلفزيونية ولو صمتا، ولا تعرف له إلا صورتان قديمتان هربتا تهريبا، حتى أن كثيرين ظلوا لا يصدقون أنه يوجد أصلا.

هذا هو الجنرال الذي ظل في منصبه لأكثر من 23 سنة، في حين مر على “حكم” البلاد 5 رؤساء، و 13 رئيس حكومة، و مئات الوزراء، كان يعز منهم من يشاء ويذل من يشاء، أوعلى الأقل هكذا كان يعتقد.

ولكنه بكل تأكيد كان يرهبهم كما أرهب الملايين من الجزائريين، حين شارك في إنقلاب فتح أبواب الحرب القذرة على وطن بأكمله ولا يزال، منذ 21 عاما.

في إعتقادي، إن هي إلا أيام و يعلن عن عزله، وقد بلغ من الكبر عتيا، هو ومجموعة من أكثر جنرالات الجزائر دموية لازالوا رسميا نوابه و مقربين منه، وقد يصبح بعضهم أنصارا للسادة الجدد.

وإذ تطوى صفحة الدي أرأس DRS في الأيام القادمة، فإنها ستستمرتحت إسم جديد، معلنة ولائها للشقيقين اللذين يظنان اليوم أنهما قد إنتصرا في معركة حسم السيطرة على السلطة التي وصلا إليها قبل مايزيد عن 14 عاما، ولكن كانت دائما منقوصة بوجود جنرالات منافسين، و لكنهما لا يفهمان أن الزمن قد تغير وأنه مايلبث أحرار الجزائر أن يبعثا بهما ومن معهما إلى مزبلة التاريخ.

 

محمد العربي زيتوت

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: