محمد كريشان :الله يرحم أيام…!

‘من المحزن أن نبدأ بسماع نغمة الله يرحم أيام القذافي، وأن يبدأ الليبيون يتحدثون عن الأمن والأمان في عهده’… هكذا قال محمود جبريل، رئيس أول حكومة ليبية بعد سقوط القذافي، في منتدى دولي عقد مؤخرا بطنجة المغربية قبل أن يضيف بأن ‘ما قام الليبيون من أجله وضحوا بالآلاف من الشهداء لبلوغه ليس هذا المشهد المليء بكل أنواع الانتهاكات وتبديد الثروة والفساد وانعدام الأمن’.
بالتأكيد ليبيا الآن في ظل الظروف العصيبة التي تمر بها هي الأكثر ‘جدارة’ بأن تُسمع فيها هذه ‘النغمة’ التي تترحم على عهد دكتاتور ولى وانقضى، ولكن هل هي وحدها من بدأت تتردد فيها بدرجة أو بأخرى؟! قطعا لا. في تونس مثلا، ها هي تنتشر تدريجيا عند الناس العاديين، بل ولم يعد بعض الساسة يخجل من القول علنا إن ما شهدته البلاد في 23 شهرا من حكم هؤلاء يفوق سوءا ما شهدته في 23 من حكم بن علي . وفي مصر ، قالها البعض أيام محمد مرسي مترحمين على أيام حسني مبارك، وقد يترحمون قريبا على أيام محمد مرسي بعد أن تنكشف أكثر نوايا عبد الفتاح السيسي الحقيقية. في اليمن قد لا يكون مستبعدا أن البعض بدأ يهمس بالترحم على أيام علي عبد الله صالح في وقت تجهر فيه جماعته بذلك منذ أن ترك صاحبهم السلطة مكرها. الأنكى هو في سوريا  حيث سارع بعضهم في الترحم على أيام الأسد حتى قبل أن يسقط !!
الترحم على أيام هؤلاء أنواع: نوع يقال تنكيدا وتشويها لمن اختارهم الشعب عبر صناديق الاقتراع، ونوع يقال عن حنين صريح للاستبداد وكأن الشعب قطيع لا يساق إلا بالسياط، ونوع آخر، الأكثر شيوعا، يقال من باب خيبة الأمل ممن كانوا ينظرون إليهم بتفاؤل جارف فاتضح أنهم لا يقلون سوءا عمن أزاحوهم. هذا الترحم قد يكون انفعاليا الآن وساخطا ولكنه في حالات أخرى مختلفة قيل بعد تجربة مريرة دامت لسنوات كما هو الحال في العراق حيث لم يعد يتردد من كان من أشرس المعارضين لعقود في القول الآن وبكل ثقة: الله يرحم أيام صدام حسين. الطريف هنا أن لنا في تراثنا وأمثالنا الشعبية أيضا ما ينحو هذا المنحى كالقول ‘ رب يوم بكيت فيه فلما صرت في غيره بكيت عليه’ أو ‘ما تعرف خيري إلا ما تجرّب غيري’ أو كما يقول المثل التونسي ‘شــد ّ مشومك لا يجيك ما أشوم منه’ ( تمسّـك بسيئك فقد يأتيك ما هو أسوأ).
في السياسة، هذا منطق مدمر بلا شك لأنه لا يعني في نهاية المطاف سوى الرضا بالذل والاعتقاد أن أي توق إلى التغيير موجِب للتوجس من الأساس لأنه لن يقودنا حتما إلى ما هو أفضل. إنه إقرار بقدر بائس يلاحقنا فلا نكاد نودع مذموما حتى نعود، بعد فترة قد تطول أو تقصر، لنقول سرا أو جهرا لعله لم يكن بذاك السوء الذي كنا نتهمه به أو حتى ما المانع في تكون له هذه المساوىء طالما أن من جاء من بعده كانت له منها ما هو أمر وأقسى؟!! المصيبة أن هناك جهات عديدة نافذة، داخلية وخارجية، تعمل ليلا نهارا على إشاعة هذا المنطق وتغذيته لتيئيس الناس وإحباطهم من أي تغيير ديمقراطي واعد . الكارثة هنا أن الحكام الجدد لم يفعلوا شيئا سوى زيادة الماء في طاحونة هذه الجهات.
في الحالة الليبية الآن، وبدرجة أقل تونس، هذا النوع من الكلام يجب أن يشكل ‘استفزازا إيجابيا’ يعيد لهؤلاء الحكام الجدد بعض رشدهم لعلهم يشرعون في مراجعة حساباتهم قبل فوات الأوان ليعطوا المثل الأفضل في ضمان أمن المواطن وقوته وإثبات جدارتهم وكفاءتهم ونظافة يدهم في تسيير شؤون البلاد ووضع مصلحتها فوق كل حساب حزبي أو أيديولوجي. وإلا… فسنستمع في الأيام المقبلة إلى ما هو أكثر إيلاما من قبيل ما قاله مؤخرا لاعب كرة دولي تونسي سابق في برنامج تلفزيوني على الهواء ‘يكفينا من هذه الديمقراطية… أعيدوا لنا الإستبداد’!!.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: