مخاوف ناخب تونسي بقلم الأستاذ أنور الجمعاوي

أربع سنوات مرت كلمح البصر (2011-2014)، على الرغم من الهزّات والعثرات، والصيحات المتعالية، والمطلبية المتزايدة، هي سنوات كالحلم الجميل الذي تتمنى ألا تصحو منه، بل تتمنى أن يستديم في الغفوة واليقظة… على الرغم من كل الهنات، هي سنوات فريدة، لأنك استعذبت فيها لذّة الحرّية بعد القمع، ومتعة التعبير بعد الكبت، ونشوة الثورة بعد عقود الصمت، وبهاء التعددية بعد بؤس الأحادية المقيتة… أي نعم، تراجعت هيبة الدولة. لكن، في المقابل، برزت هيبة المواطن، وارتفعت القداسة عن الرئاسة، وعن السياسة، وأصبحت ترى الوزير، والمدير، والسلطان، وعامل التنظيف، والبائع الواقف على الرصيف، وغيرهم مساهمين في الشأن العام، فالجميع مواطنون، والجميع مسؤولون، والجميع مراقبون بسلطة القانون، ومعرّضون للنقد، ومطالبون بخدمة الوطن.
اليوم، وأنت تقصد صندوق الاقتراع لتدلي بصوتك في الانتخابات الرئاسية، يعتريك شعور بالفرحة وشعور بالخوف في آن… أنت سعيد، لأنك ترى نفسك سيّد نفسك، وتختار الرئيس الذي تريد من مجموع 27 مترشحاً متسابقاً إلى الفوز بكرسي قرطاج، وتلك سابقة، بل بادرة على غير مثال في تاريخ تونس خاصة، وتاريخ العرب كافة، فبعد أن كان الرئيس يسابق نفسه، أو خياله، أو تابعاً من تَبَعِه في محفل انتخابي ديكوري، مألوف في بلاد العرب على مدى عقود، ونتيجته معلومة سلفاً. وجدت نفسك، اليوم، أمام استحقاقٍ انتخابي، تعدّدي لا يبوح، بالضرورة، بأسراره النهائية من الوهلة الأولى، ولا يوحي، البتة، بصعود فائز بنسبة 90% المشهورة، فأنت تعلم أن كثرة المترشحين ستشتت، بالضرورة، الأصوات، وتعرف أن الناخبين، بعد الثورة، ليسوا على رأيٍ واحد في شأن من يحكم البلاد في السنوات الخمس المقبلة، فمن الناس من تعلقت همته بالحرية، ولا يقبل عنها بديلاً، ومن الناس من فيه حنين إلى العبودية، وشوق إلى استعادة الديكتاتورية، ومنهم من أدمته الفترة الانتقالية الصعبة، فأصبح فريسة للأهواء، وأداة طيّعة في يد شراة الذمم، وأصحاب المال السياسي الفاسد. لذلك، من حقك أن تخاف على مصير ثورةٍ فتيّةٍ مازال عودها غضاً.
تلتهمك المخاوف، وأنت ترى رموز العهد القديم يتصدرون قوائم المترشحين للرئاسة. عادوا بقفازات قديمة وبأقنعة جديدة، يركبون الديمقراطية، وينتحلون الثورة، ويدعون أنهم أهل خبرة، وأي خبرة؟ فبعضهم ذو سابقة في إدارة دولة القمع ودهاليز التعذيب ومسلسلات تزوير الانتخابات، تستغرب وجودهم، وتقول من أين جاءوا؟ وما مصيرنا؟ وما مصيرهم؟ هل جاءوا ليجهزوا على ثورتنا؟ وليسرقوا حلمنا الجميل؟ هل عادوا لتعود معهم كوابيس الرعب والتهديد، والمراقبة الأمنية، والمداهمات الليلية وأجهزة الدولة البوليسية؟ هل عادوا ليصادروا أفكارنا الجريئة وديمقراطيتنا الوليدة واختلافنا المجيد؟ نعم إني أخشى هيمنة الحزب الواحد، والرجل الواحد، واللون الواحد، ويحلو لي النظر إلى حديقتنا، إذا كانت متعددة الألوان.
نعم، أخشى أن أجد نفسي، ثانية، ممنوعاً من العمل ومن السفر ومن النجاح، ومن التفكير ومن الكلام، وأن أجد نفسي موزعاً بين سجون البلاد وبين المنافي… فقط لأني معارض. أخشى أن أرى خيرة أبناء بلدي يغادرون، يحزمون حقائبهم، ويفرّون ثانية من حكم متغول إلى بلاد أخرى، وإلى غير رجعة. أخشى أن يحكمني أناسٌ لم ينبسوا ببنت شفة في وجه حاكم مستبد، على مدى عقود، بل كانوا عوناً له، كانوا يحكمون بأحكامه ويأكلون من فتاته، إن تولّى هؤلاء أمور الناس مرّة أخرى، فسيحاذي كثيرون الجدران القائمة، وسيقبّلون يد الحاكم بأمره، وسيصفقون دائماً، لسببٍ، أو لغير سبب، من فرط العبث، أو من فرط الهيستيريا، أو من فرط الاستبلاه الجماعي.
هي مخاوف حقيقية، والوعي بها ضروري بل مثمر وخلاق. سأدلف إلى الخلوة. سأختار من أراه أميناً على الديمقراطية، أبياً على الديكتاتورية، مؤمناً بالدولة المدنية، المواطنية، دولة الحق والواجب. قد يفوز وقد لا يفوز. المهم أني سأبقى هنا، سأدافع عن حريتي، ولو كلفني ذلك حياتي.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: