مذكّرات النكبة: “بيت نتيف” قاومت ثم سقطت.. (ميرفت صادق، بيت لحم)

على باب دكّان قديم في مخيم عايدة للاجئين الفلسطينيين بالضفة الغربية يجلس عبد المجيد أبو سرور منذ عقود. وفي كل عام يروي لزوار المخيم قصة تهجير عائلته من قرية بيت نتيف في نكبة عام 1948، و يشير إلى عائلات أخرى رافقتهم في المأساة ذاتها من قرى القبو و علار و رأس عمار و غيرها.

ولد أبو سرور عام (1933) لعائلة تعمل في الزراعة -كما أغلب أهالي بيت نتيف- شمال غرب الخليل، ولم يكن غادر طفولته عندما بدأت هجمات العصابات الصهيونية على أطراف قريته والمنطقة المعروفة بقرى العرقوب جنوب بيت لحم.

ويتذكر أبو سرور حينها كيف حمل شقيقه الأكبر “محمد” مع نحو خمسين شابا من القرية السلاح البسيط وخرجوا للقتال على مدار شهور حتى هُجرت القرية في نوفمبر/ تشرين الأول عام 1948، واستشهد عدد من مقاتليها بينهم شقيقه.
قول أبو سرور إن البلاد لم تسقط بسبب تقاعس أبنائها، بل بسبب المؤامرة الكبيرة على أرضها وإضعاف الانتداب البريطاني سكانها بفعل الضرائب وما سميت “بالجردة” حتى أعدموا الناس فقرا.

ويضيف إلى ذلك ضعف الإسناد العربي، إذ يقول “فرق عسكرية عربية كبيرة وصلت منطقتنا حينها ولكنها لم تفعل شيئا”.

ليلة التهجير
يذكر أبو سرور ليلة التهجير “حوالي الساعة الثانية ليلا وبعد مقاومة طويلة احتل اليهود القرى القريبة منا، فهربنا أطفالا ونساء باتجاه منطقة واد فوكين غربي البلدة، وهناك مكثنا أسبوعا، ثم عدنا متسللين لتفقد المسنين الذين خلفناهم وراءنا، وعندها اجتاحت العصابات الصهيونية قريتنا وهدمت كافة بيوتها”.
ويضيف “كنا نسمع أصوات الانفجارات، ونرى بيوتنا تهدم ونحن هاربين من الموت على مشارفها”.

و بعد النكبة، أقام الاحتلال الإسرائيلي على أنقاض القرية -التي كانت تشتهر بزراعة الفواكه وأشجار الزيتون- مستعمرة “نتيف هالامده”، وفي عام 1950 أقاموا مستعمرة “زانوح” على موقع خربة زانوح بأطراف القرية، وعام 1958 أقاموا على أراضيها أيضا مستعمرة “إفيعيز”.
في هذه الأثناء، لجأت عائلة أبو سرور وأهالي بيت نتيف إلى مناطق بيت لحم، لكن كما قال الرجل “وجدنا الناس الذين لجأنا إليهم فقراء معدمين مثلنا، كنا قد خرجنا جميعا من عهد الانتداب البريطاني في حالة فقر وإنهاك شديدة”.
وأضاف “كنا سبعة أخوة وفرقتنا النكبة، أكبرنا استشهد في بيت نتيف قبل خروجنا مع عشرة رجال من عائلة أبو سرور وحدها، والثاني “عبد الحميد” استشهد لاحقا في غارة إسرائيلية استهدفت مقرا للجبهة الشعبية في بيروت عام 1982 ودفن بمخيم اليرموك في سوريا”.

يقول أبو سرور إن أكثر صورة يتذكرها من النكبة، مشهد خيام الصليب الأحمر المتطايرة في مطر الشتاء وخروج الناس في العراء والبرد، إلى أن قررت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين بناء غرفة لكل عائلة، ورحلنا إلى مخيم عايدة.
تزوج أبو سرور عام 1957 من ابنة عمه وأنجب منها 11 ابنا، وعاد أهالي المخيم اللاجئون ليعيشوا النكبة مرة أخرى عند احتلال الضفة الغربية عام 1967.
توزع السكان
ويروي أبو سرور كيف توزع أهالي قريته الذين تجاوزوا وقت النكبة ثلاثة آلاف نسمة على مناطق بيت لحم والخليل، بينما هرب الباقون وأكثر من نصف مخيم عايدة إلى الأردن وسوريا خوفا من الحرب.

يصمت أبو سرور رغم ابتسامته الدائمة، وينظر إلى مفتاح قديم علقه على حائط بقالته، ويضيف “كان أبي يملك أكثر من خمسين دونما في قريتنا، اليوم نعيش في أمتار قليلة مستأجرة لوكالة الغوث ولا نملك شيئا”.

ورغم واقع اللجوء المرير، يقول “عمري جاوز الثمانين عاما، وحتى الآن أعيش وأبنائي وأحفادي على قناعة بالعودة الحتمية إلى بيت نتيف. كل إنسان لاجئ يعيش حالة اشتياق لدياره، لأنه يولد ويكبر ويموت وهو يعرف أن تلك هي بلده، وأن اللجوء في المخيم حالة مؤقتة”.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: