مساحيق تجميل و الوجه واحد/ بقلم حمادي الغربي

مع نهاية الفصل الأخير من العرض المسرحي الذي حمل عنوانا كبيرا : الانقلاب جرعة جرعة ، ثم تلته فصول متتالية بعناوين متشابهة . الحلقة الاولى : الانقلاب عبر الشارع – إخراج الاتحاد العام التونسي للشغل . الحلقة الثانية : الانقلاب الدموي – بطولة الراحل بلعيد و إخراج جهة أمنية خلف الستار . الحلقة الثالثة : الانقلاب بالموتور – بطولة الراحل البراهمي و إخراج أيادي خفية . الحلقة الرابعة : الانقلاب الإداري – بطولة الراحلة النهضة و اخراج الرباعي . بعدما شاهدنا جميعا و تابعنا فصول المسرحية فصلا فصلا و التي كانت تروي تفاصيل الانقلاب على الطريقة التونسية و دور الممثلين الفاعلين و الممثلين العابرين أمام أعين الجمهور الذي اختلطت عليه المشاهد و الأدوار الى درجة فقدان بوصلة التركيز و الاستيعاب . تأتي اليوم ساعة الحقيقة المرة و التي قد تكون مدفونة في وجدان كل واحد منا و لكن ربما لم نقدر على هضمها و لو ألحقناها بجرعة ماء دافئة و لكننا نشعر جميعا و بدون اسثتناء بغصة خانقة تحبس الانفاس . ايها السادة الكرام لقد سرقت منا الثورة و نحن في غفلة من أمرنا . قالت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون إبان انتصار ثورة الربيع العربي إن خارطة العالم ستشهد تغييرا جذريا في السياسة الدولية و تغييرا على مستوى التوازن العالمي و أضافت في قولها لما زارت مصر : أن الثورة المصرية ستغير صورة العرب و المسلمين . يدرك العالم الغربي قوة المواطن العربي المسلم لما ينفض الغبار عن نفسه و عن معدنه فينبعث منه شعاع الايمان و التحدي و حينها لا تقدر أي قوة في العالم على كبح لجام الثورة التي تستمد طاقتها من مخزونها الحضاري الدسم بالقيم المثلى و التضحية و الاستشهاد و الفداء …..و كما فاجأت الثورة النخبة السياسية العربية فاجأت أيضا القوى الغربية بريح التغيير التي اجتاحت العالم الاسلامي فاتخذت موقفا أوليا مساندا لها مجاراة لرياح التغيير و هو موقف لا يخلو من النفاق السياسي الى حين اتضاح الرؤية ….فأنجبت ثورة الربيع العربي قوى وطنية ذات مرجعية إسلامية عانت طوال قرون الاضطهاد و الحرمان من حقها في المشاركة السياسية و الاصلاح الوطني فجاءت ولادتها مصحوبة بفرحة جماهيرية و احتضان شعبي و انسجام متبادل بين المواطنين و الاسلاميين التي كانت تربطهم مودة و رحمة لا يعلم حجمها و دفئها سوى من عايشها . و بعد ظهور أول نتائج التصويت استشعر الكيان الصهيوني بالخطر الحقيقي على مقومات وجوده و انسجاما مع التعهد الأمريكي الأزلي بحماية ( أمن إسرائيل ) فضلا عن الرعب الذي أصاب دولا عربية و إمارات خليجية من أن تلفحهم رياح التغيير تنكرت أمريكا لقيمها و أباحت دماء الشعب المصري المسلم بتمويل من الاخوة الأعداء و باركت الانقلاب العسكري تحت استنكار عالمي مشهود لا يقبل التشكيك أو الاستخفاف . لم يتوقف الأمر على مصر فحسب بل شمل القرار كل الدول التي شهدت ثورة …و بما أن الاشارة الامريكية بقمع ثورة الربيع العربي و استئصالها من جذورها لقيت استنكارا و استهجانا دوليا ملحوظا اضطرت الادارة الامريكية بتغيير أساليب الانقلاب و استبدلته بانقلاب ناعم توافقي إداري يلقى القبول من النخب السياسية التي لم تصنع ثورة قط في تاريخها و من خلالها يتم تسويق الانقلاب بمباركة الحركات الوطنية و الاسلامية و من ثم تبارك الشعوب التي استأمنت مصيرها للنخبة الانقلاب بناء على مباركة الحركات الريادية و لا عين رأت و لا أذن سمعت . هذا باختصار تفاصيل المسرحية التونسية …يعاد فيها المشهد المصري و لكن بمساحيق تجميل لإزالة المناظر القبيحة من الوجه الأمريكي و تخرج الحركة الاسلامية من المشهد السياسي بدون دماء و لا ضحايا مقابل أن يسمح لها بقليل من الفتات من الحضور السياسي الذي لا يؤثر على الخطوط العريضة للسياسة الامريكية و هكذا نعيش اسلاما أمريكيا بمباركة حركة النهضة و الترويكا و قد يكون للنهضة مبرراتها و لكننا نرى أنه كان بالامكان تحقيق تقدما و نجاحا و تغييرا أفضل مما نحن عليه . يبقى السؤال الأخير : كيف يمكن اصلاح ما أفسدته السياسة في الأيام القادمة و انقاذ ما يمكن انقاذه …؟

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: