مسارات الرّاهن و تحدّيات المستقبل..بقلم سامي براهم

مسارات الرّاهن و تحدّيات المستقبل سيكتب التّاريخ لاحقا أنّ من حاولوا قطع الطّريق على أوّل مسار للتّأسيس الدّيمقراطي في تاريخ البلد هم تحالف هجين متنافر من أصحاب المصالح و الإيديولوجيّات الذين لا يخدمهم المسار الدّيمقراطي … التقوا موضوعيّا و إن اختلفت المرجعيّات و الدّوافع و الخلفيّات : تيّار دينيّ متطرّف اتّخذ من الاقتداء بالسّلف الصّالح عنونا و من الجهاد شعارا يريد تفكيك الدّولة التي حكم عليها بالطّاغوتيّة و الكفريّة و تركيب الخلافة المنتظرة التي بدات بشائرها تلوح من إمارة العراق و الشّام الإسلاميّة … تيّار طالما رفع شعار ” تونس ارض دعوة لا ارض جهاد ” و ” اسمعوا منّا و لا تسمعوا عنّا ” في نفس الوقت الذي كان يكدّس فيه السّلاح و يخطّط للاغتيالات و جرائم القتل و الذّبح … تيّار علماني متطرّف بوجهي عملته المتلازمين الليبيرالي و اليساري … مثقل باحقاد الماضي القديم و الجرح الانتخابي الغائر و الخشية من الوقوف ثانية موقف الاختبار الدّيمقراطي … مستعدّ لحرق الأخضر و اليابس على طريقة الأرض المحروقة للكاهنة من اجل تدمير كلّ المسار ” عليّ و على أعدائي ” … مستعدّ لاستعمال كلّ الأوراق و الوسائل لإيقاف المسار مستفيدا من أخطاء خصومه و تعثّرات البداية و صعوبات الانتقال … تيّار النّظام القديم بكلّ مكوّناته الحزبيّة و الجمعيّاتيّة و النّخب و مكوّنات الدّولة العميقة و هو المستفيد الأكبر من كلّ هذه التّجاذبات و المستثمر لها من أجل إعادة الانتشار و الاندماج في المعادلة السياسيّة الجديدة بصفته مخلّصا و منقذا بعد خلّصت الثّورة منه البلاد و العباد و انقذت الوطن من فساده و استبداده و لو بشكل جزئي يحتاج عقودا للتحقّق الفعلي … مسار انقلابيّ بامتياز يستثمر إعلاميّا كلّ شاردة و واردة من أخطاء من هم في موقع الحكم مجازا … لم تسعفه قوّة العسكر و لا الأمن و لا التّزكية الخارجيّة لتحويل الانقلاب حقيقة منجزة واقعا … لكنّه يحاول و ينتظر و يراهن على الهدايا المجانيّة لحلفائه الموضوعيين من اليمين السلفي الجهادي الوجه الثّاني لليمين السلفي اللاجهادي المساند للخيار الانقلابي في مصر … هل ستبقى إرادة القتلة هي التي تحرّك المشهد السّياسي العامّ في تونس و تشكّل التحالفات و تصنع السياسات و تنحت مستقبل البلد ؟ هل سيحكمنا الإرهاب من خلال وكلائه السياسيين الذين يتلقّفون جرائمه بكلّ لهفة و يستثمرونها بكلّ قوّة لإيقاف هذا المسار الانتقالي المتعثّر أصلا بفعل ارتباك من يشرفون عليه إزاء تعقيدات معطيات الواقع … للثّورة و ما انبثق عنها من مسارات و مؤسسات شعب يحميها … هكذا نقدّر دون أن يكون لنا تصوّر موضوعيّ دقيق عن هويّة هذا المعطى الذي يسمّى الشّعب التّونسي … نعرف عنه القليل و يغيب عنّا الكثير … نعرف يقينا أنّه يتوق للحريّة و الكرامة و العدالة الإجتماعيّة و دفع من أجلها دماء أبنائه و لكنّنا لا نعرف على وجه اليقين إن كانت لديه المهارة و الطّاقة و القوّة و الآليّات و الصّبر على تحقيقها و الحفاظ عليها و حماية مسارها … و يبقى المسار الدّيمقراطي هو الاختبار الحضاري الأكبر و الأوحد لكلّ مكونات المجموعة الوطنيّة شعبا و سياسيين و أحزابا و نخبا و برامج و مشاريع و تصوّرات … اختبار أساسيّ لبناء وطن جديد على أسس مواطنيّة جديدة تتكافأ فيها الفرص و الحظوظ و يتساوى فيها جميع المواطنين في الحقوق و الواجبات … مازال الشّعب التّونسي رغم كلّ العراقيل و التحدّيات و المؤامرات قادرا على صنع المفاجأة و اهداء الشّرق نموذجا متقدّما للانتقال المدني السلمي القائم المصالحة بين الهويّة و الحداثة …

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: