مستقبل شاحب للديمقراطية في العالم العربي.. (مقال/ الكاتب و الصحفي فهمي هويدي)

الصراع حول الديمقراطية في العالم العربي أعقد وأكثر حدة مما نتصور، هذه خلاصة ورقة في الموضوع قدمتها بداية هذا الأسبوع إلى مؤتمر حزب البناء الوطني في تونس.

fahmi-200

(1)

الفكرة المفتاح في فهم تحديات التحول الديمقراطي تكمن في تحليل “طبائع الاستبداد” الذي “هو بيت الداء” والأساس لأغلب التحديات التي تواجه التحول المنشود. وهذا التقييم مقتبس مما أورده شيخنا عبد الرحمن الكواكبي (١٨٥٤-١٩٠٢) في كتابه الشهير “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”.

لكنني سأتعامل مع الفكرة من منظور آخر، أسلم فيه بأن الاستبداد أصل كل فساد كما ذكر، وأركز على بعد لم يتناوله بصورة مباشرة هو أثره على محاولة الانتقال إلى الديمقراطية.

ذلك أن الاستبداد في زماننا اختلف في أساليبه عما شهده وعرفه الكواكبي، وإن ظل محوره الرئيسي يكمن في احتكار السلطة والثروة، فلم يعد حاكما فردا تحيط به نخبة من المنتفعين ويمارس سلطانه من خلال أدوات القمع التقليدية، وإنما صارت للاستبداد أدوات أخرى تساهم في تكريس القمع والقهر، في مقدمتها حيل القانون ومنصات القضاء وأبواق الإعلام المرئي والمكتوب. بحيث صار الاغتيال المعنوي والسياسي منافسا للاغتيال المادي ومتقدما عليه، أعني أن الأساليب تطورت بحيث طرحت ما يمكن أن نسميه بالاستبداد الناعم، الذي يجلد بلا سوط ويقتل بلا قطرة دم.

صرنا أيضا إزاء ما يمكن أن يطلق عليه الاستبداد الديمقراطي، وهو المصطلح الذي استخدمه المستشار طارق البشري في كتاب أخير له. وفي ظله لا يلغي المستبد مؤسسات الدولة لكي ينفرد بالقرار ويمارس احتكار السلطة، ولكنه يقيم كل الهياكل والمؤسسات الديمقراطية، لكنه يفرغها من وظائفها، بحيث تصبح معبرة عن إرادته هو وليس إرادة المجتمع، وتحمي شخصه ونظامه بأكثر مما تحمي مصالح الناس وتستجيب لأشواقهم.

في هذه الحالة يسمح بظهور الأحزاب وإجراء الانتخابات وإقامة البرلمانات وتشكيل الحكومات المنتخبة، ويفتح الأبواب لتشكيل منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، لكن أصابع أجهزته تظل هي المحرك الأساسي لكل ذلك، وهي صيغة تبقي الحاكم بعيدا في الظل، لكن أعوانه وأجهزته يوظفون كل ذلك لحسابه.

بهذه الأساليب المبتكرة أصبح المستبد يمارس نفوذا أكبر، لا يدمر به الحاضر فحسب، ولكنه يدمر المستقبل أيضا. وهذا الشق الأخير هو الذي يهمنا في السياق الذي نحن بصدده. وإذا كان تدميره للحاضر معلوما، إلا أن أخطر انعكاساته على المستقبل تتمثل في أن الاستبداد يفقد المجتمع عافيته ويفسد أجواءه. ذلك أنه يصيب الفضاء السياسي بالتجريف، والقوى السياسية بالضعف والعقم، كما أنه يصيب مؤسسات المجتمع بالإعاقة والعجز. في ذات الوقت فإنه يؤسس لنخبة تابعة تبشر بقيم الانصياع وعبادة السلطان، في حين تحارب التنوع وتتهم الاختلاف حتى تجرمه. وتلك عومل لها تأثيرها السلبي على المستقبل من حيث إنها تشكل عقبات حقيقية تعترض طريق التحول الديمقراطي.

(2)

خبرة التاريخ تزودنا بالكثير من المعارف التي تساعدنا على تصور التحديات التي تواجه التحول الديمقراطي. وأستعيد هنا نصا يتعلق بالحالة المصرية، سبق أن أشرت إليه في مقام آخر، أورده المستشار طارق البشري في مستهل كتابه الأخير عن “جهاز الدولة وإدارة الحكم في مصر”، يسلط الضوء على ما يحدثه الاستبداد من تحول في عقيدة وبنية جهاز الإدارة. فهو يذكر “أننا خلال ثلاثة أرباع القرن الأخير عشنا في مصر في حالة طوارئ ثابتة اعتاد عليها جهاز إدارة الدولة وتشكلت في إطارها تجاربه ومهاراته وأساليب إدارته للشؤون العامة وللتعامل مع المواطنين”.

بمعنى أنه في “ثقافته” الإدارية وبحكم تجاربه وخبراته لم يستطع الحكم ولا ممارسة مهام عمله في التعامل مع المواطنين إلا في ظل ما تنتجه “حالة الطوارئ” هذه من سلطات وقدرات غير مقيدة. أي في إطار سلطات طليقة من القيود. الأمر الذي يعني -حسب تعبيره- أن إمكانية الحكم وإدارته لم تعد تنفصل عن خبرة الاستبداد ومعارفه وعادات تعامله.

هذه الشهادة تنبه إلى أن موقف أجهزة الإدارة التي تشكلت ونمت في ظل الاستبداد -وأجهزة الأمن جزء منها لا ريب- تمثل عقبة لا يستهان بها أمام طموحات التغيير المنشود. ببساطة لأنك لا تستطيع أن تقيم نظاما جديدا بأدوات وأجهزة النظام القديم، وهنا تبرز أهمية التفرقة بين الانقلاب والثورة الشعبية. ذلك أن الانقلاب يقوم به أحد مراكز القوة في المجتمع مستخدما بعض الأذرع المسلحة ليفرض إرادته على النظام القائم، وفي الموسوعة الحرة فإن الانقلاب هو “إزاحة مفاجئة للحكومة بفعل مجموعة تنتمي إلى مؤسسة الدولة -عادة ما تكون الجيش- وتنصيب سلطة بديلة لها، عسكرية أو مدنية”.

أما الثورة فهي انتفاضة المجتمع ضد السلطة بمختلف مؤسساتها وأجهزة الأمن والإدارة على رأسها، وذلك يهدف إلى تغيير نظام الحكم وتحقيق مطالب معينة لصالح المجتمع الذي قامت الثورة على أكتافه، والفئة التي قامت بالانقلاب بوسعها أن تفرض التغيير الذي تنشده باستخدام أدوات قوة السلطة التي تملكها. وهو ما لا يتوفر دائما للثورة الشعبية التي اشترط لينين وماركس لنجاحها حل الجيش والشرطة (استخدما في ذلك كلمة سحقهما) لأنهما يشكلان الخطر الأكبر الذي يوظفه النظام القديم لإجهاض الثورة.

ما حدث أن العالم العربي تجاوز مرحلة الانقلاب -في الوقت الراهن على الأقل- وتتابعت فيه منذ عام ٢٠١١ الثورات الشعبية، الأمر الذي يدعونا إلى استحضار خبرة التاريخ التي راكمتها الثورات المختلفة. ذلك أننا سنجد أن حصيلة تلك الخبرة حافلة بدروس تساعدنا في فهم وتفسير ما جرى ويجري.

(3)

عديدة هي الدروس التي تزودنا بها خبرة التاريخ، وهو ما اهتم بمعالجته كتاب عديدون في المقدمة منهم الباحث السوري الأستاذ حسين عبد العزيز والكاتب الفلسطيني الأستاذ منير شفيق. من أهم تلك الدروس ما يلي:

– إن التغيير في ظل الثورات الشعبية يتطلب لتحقيق أهدافه وقتا طويلا، قد يصل إلى عدة عقود، ولا ينسى في هذا الصدد أن استقرار الديمقراطية والتمكين لها في أوروبا اقتضى مرور قرن كامل في أعقاب الثورة الفرنسية (عام ١٨٩٨).

– إن أغلب الثورات الشعبية لم تنتقل من العهد الذي انتفضت عليه إلى الوضع الذي سعت إلى إقامته إلا بعد المرور بسلسلة من الاضطرابات التي وصلت إلى حد الحروب الأهلية، وهو ما ينطبق على الثورات الإنجليزية والفرنسية والروسية وغيرها من الثورات الأوروبية.

– إنه ما من ثورة شعبية إلا وتعرضت للانتكاسة على أيدي الثورة المضادة، لأن الأنظمة السابقة تملك من الخبرة وعناصر القوة والقدرة ما يمكّنها من تحدي الأوضاع الجديدة. ولا ينسى في هذا الصدد أن آل البوربون عادوا إلى عرش فرنسا بعد عقدين ونصف العقد على اندلاع الثورة الفرنسية، واستطاع شاه إيران العودة إلى الحكم بعد ثورة مصدق. كما استطاعت الثورة المضادة في تشيلي برئاسة الجنرال بينوشيه الانقلاب على حكم سلفادور اللندي الذي وصل إلى الحكم عن طريق صناديق الاقتراع.

– إن الدولة العميقة عادة ما تكون رأس الحربة في تحدي الثورات الشعبية. ذلك أنها تمثل تحالف أركان النظام السابق والمنتفعين به مع عناصر مؤسسات القوة المتمثلة في الجيش والشرطة. وهذا التحالف حين يخوض معركة ضد الثورة الشعبية فإنه يتصدى لها بشراسة وعنف لأن الأمر بالنسبة إليه معركة مصيرية، فإما أن يعود النظام القديم وإما تطوى صفحته نهائيا ويخرج من التاريخ بلا عودة.

(4)

إذا حاولنا أن نستخلص مما سبق أبرز التحديات التي تواجه التحول الديمقراطي في العالم العربي بوجه أخص فسوف نجد أنها تتمثل فيما يلي:

١- إن الجماهير التي عانت من الاستبداد، تظل معنية باحتياجاتها المعيشية بأكثر من اعتنائها بترسيخ قوائم الديمقراطية وقواعدها. وبسبب ذلك الشوق فإنها ترفع سقف توقعاتها عاليا وتنتظر من التغيير أن يلبي لها احتياجاتها. ولأن التغيير يستغرق وقتا ويتعرض لهزات وانتكاسات، فإن ذلك يثير استياء الجماهير المترقبة والمتسرعة ويستدعي عوامل الإحباط والغضب لديها، الذي تعبر عنه الإضرابات والاعتصامات وغير ذلك من الوسائل التي تبطئ من النمو الاقتصادي المراد إنعاشه.

٢- إن الجدب السياسي الذي يسعى نظام الاستبداد إلى إشاعته من خلال حرق بدائله حين يؤدي إلى موت السياسة وإصابة الطبقة السياسية بالإعاقة فإنه يحدث مفارقة تعاني منها عملية التحول المنشود. إذ نصبح بإزاء وضع تظل فيه الديمقراطية مطلبا ملحا ولكن الفضاء السياسي يعاني من غياب الثقافة الديمقراطية وندرة الديمقراطيين.

٣- هشاشة المجتمع المدني تعد مشكلة عصية على الحل. ذلك أن التدمير الذي يحدثه نظام الاستبداد إما أنه يلغي وجود مؤسسات المجتمع وإما أنه يضعفها ويفرغها من مضمونها. في حين أن نجاح التحول يظل أشد ما يكون حاجة إلى وجود وفعالية تلك المؤسسات باعتبارها ركيزة قوة المجتمع التي تشكل إحدى ضمانات نجاح التحول الديمقراطي.
٤- بسبب احتكار الاستبداد للسلطة فإن النشطاء السياسيين الذين يتقدمون صفوف الدعوة إلى التغيير يعانون من مشكلتين عويصتين. الأولى أنهم يفتقدون إلى خبرة إدارة المجتمع بسبب حرمانهم التاريخي من المشاركة في القرار السياسي وجهاز الإدارة. والثانية أنهم يفتقدون روح الفريق والعمل المشترك. وبسبب ذلك تسود بينهم عوامل عدم الثقة وأحيانا سوء الظن، الأمر الذي يعجزهم عن العمل مع بعضهم بعضا، وهو ما ينتهي إلى الاعتماد على عناصر النظام القديم في إدارة النظام الجديد.٥- يتصل بما سبق أنه في الوقت الذي يفرض التغيير الاحتشاد والتجمع لدى عناصر النظام القديم، فإن العناصر الداعية إلى التغيير كثيرا ما تستسلم لحساباتها وربما طموحاتها، الأمر الذي يوقعها في فخ الخلاف الذي ترجم في الحالة العربية إلى استقطاب حاد بين القوى العلمانية والليبرالية واليسارية في ناحية والقوى الإسلامية من ناحية ثانية، الأمر الذي يضعف الاثنين في نهاية المطاف ومن ثم يهدر الوفاق المطلوب لإنجاح التحول.

٦- تبدو ساحة المواجهة مع أركان النظام القديم أوسع بكثير من قدرة قوى التغيير الطامحة إلى إقامة النظام الديمقراطي. ذلك أن إسقاط رأس النظام ورموزه ربما كان أمرا ميسورا، لكن جسم النظام وأذرعه في مختلف مجالات العمل العام يتطلب تغييرها وقتا طويلا وقدرات وإمكانات غالبا ما لا تتوفر لعناصر النظام الجديد. إذ إلى جانب الدولة العميقة التي سبقت الإشارة إليها، فإن المشكلة تكمن بحدة في مجالي القضاء والإعلام، ومواجهة التحدي في هذين المجالين تتطلب حذرا شديدا لا يمس استقلال القضاء ولا ينال من حرية الإعلام.

٧- أخيرا فإننا لا نستطيع أن نتجاهل دور دول المحيط الرافض للديمقراطية ومسعاه الدؤوب طول الوقت لإجهاض التجربة. ولا أقصد بالمحيط بعض قوى الداخل فحسب، ولكنني أقصد تحديدا المحيط العربي الرافض للتغيير الديمقراطي (لنا في ذلك خبرة مشهودة)، إلى جانب إدراك الأطراف الإقليمية والدولية أن من شأن التحول الديمقراطي أن يضر بمصالحها ومخططاتها (الولايات المتحدة وإسرائيل مثلا).

ولست أشك في أن الصراع حول الديمقراطية في العالم العربي يمكن أن يحسم في الأجل المنظور. لأن القوى الراغبة في إجهاض التجربة ليست أقوى عددا وعدة فحسب، ولكن أيضا لأن الأمر بالنسبة لها يعد معركة حياة أو موت.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: