مشروع القانون التونسي للمصالحة يُهَدِّد مكتسبات الثورة ( ديفيد تولبرت / رئيس المركز الدولي للعدالة الانتقالية)

مشروع القانون التونسي للمصالحة يُهَدِّد مكتسبات الثورة ( ديفيد تولبرت / رئيس المركز الدولي للعدالة الانتقالية)

 

لقد نجحت تونس في الهام “الربيع العربي” وبقية العالم منذ الأحداث الهامة لجانفي 2011، عندما تحدى آلاف المواطنين في جميع أنحاء البلاد ديكتاتورية بن علي للتعبير عن ضيمهم من البطالة والفساد والتهميش. و قد وضعت الثورة التونسية اولويات الإدماج الاقتصادي، وتعزيز كرامة كل التونسيين، والتحول الدستوري. وكانت بداية رحلة صعبة مليئة بالمخاطر، ولكن أيضا غنية بالفرص والأحلام. في حين أنه الآن، قد يتحول الحلم الى كابوس.

يهدد الاختلال الوظيفي للنظام السياسي، الفقر الشديد في المناطق الريفية المهمشة الداخلية للبلاد، ووحشية الإرهاب بتدمير مكتسبات الثورة. إنَّ الحكومة التونسية، للأسف، تنكبُّ على الاستجابة للأزمة الراهنة بتدابير من شأنها أن تزيد الطين بلة وتجرَّ الوضع إلى الأسوإ. فبدلاً من البِنَاء على مسار الكشف عن الحقيقة والمكاشفة بها، وجبر الضرر، وتحقيق المساءلة والمحاسبة، ألا وهي الأهداف السامية التي كرَّسها قانون العدالة الانتقالية لعام 2013، والذي تضمَّن استحداث هيئة الحقيقة والكرامة والدوائر المختصَّة، ها نحن نرى الحكومة الجديدة تقترح خطَّةً قد اعتراها الحياد عن الصواب بمنح الفاسدين من رجال الأعمال وكبار المسؤولين من العهد البائد لبن علي العفو تحت قناع “المصالحة”.

وتقول الحكومة إنَّ مثل هذا القانون ضروري ليس فقط بصفته حلاًّ عمليًّا يتَّسِم بالسَّخاء والعقلانية إزاء المشكلة المفترضة والمتمثِّلة في التحقيقات الجنائية المتعدِّدة الجارية من أجل مكافحة الفساد وتشجيع الاستثمارات قصد المساعدة على إنقاذ الاقتصاد التونسي.

ولقد تمَّت إحالة “مشروع قانون المصالحة” بهدف تنقيح قانون العدالة الانتقالية إلى مجلس نواب الشعب. وهو قانون يُعطي الفاسدين من المسؤولين في النظام السابق لزين العابدين بن علي، بمن فيهم أولئك الذين تورَّطوا في القمع والاضطهاد السياسي، وكذا رجال الأعمال ممَّن تآمروا معهم، فرصة تقديم نسبة يُحدِّدونها بأنفسهم للدولة من مكاسبهم غير المشروعة. بيد أنَّ هذا القانون لا يستحدث أية آلية مكينةٍ متينةٍ للتحقق من مدى فسادهم أو من مكاسبهم غير المشروعة. وهو كذلك قانون خالٍ من أيَّة أحكامٍ تقضي بإجبار هؤلاء على الإدلاء بشهادة الحق ضد أولئك الذين ارتكبوا أفعالا موغلة في الفساد— من أمثال بن علي والبعض من أقاربه. وعلاوة على كلِّ ذلك فهذه عملية تُعوِزها أيَّة آلية للشفافية، وينقصها أيُّ فضاء أو مساحة للمشاركة العامة أو لإشراك الشعب في النقاش بعد أن يتقدَّم الفاسدون من المسؤولين ورجال الأعمال للإدلاء بإفاداتهم.

إِلاَّ أنَّه وفي مقابل كلِّ ذلك، فإنَّ هؤلاء المسؤولين سوف يُمنَحون شكلاً من أشكال العفو — حتَّى وإن كان مشروع القانون لا يستخدم هذا المصطلح أبدًا — وَبِذَا يُسمَح لهم بالوصول إلى مكاسبهم غير المشروعة، بما فيها تلك المكاسب والأموال التي تمَّ بعد تجميدها ووضعها تحت طائلة الإجراءات القضائية الرامية إلى استردادها في سويسرا، وفي المملكة المتحدة، وفي غيرهما من سائر أصقاع المعمورة.

وإنَّه لَحرِيٌّ بالنواب البرلمانيين التونسيين عند النظر في مشروع القانون هذا، أن يسألوا أنفسهم، أوَّلاً وقبل كل شيء: لماذا قامت تونس بثورتها قبل أقلِّ من خمسِ سنوات مضت؟ فانطلاقًا من جذور هذه الثورة التي تعود إلى انتفاضة عام 2008 لعُمَّال الحوض المنجميِّ في ولاية قفصة، ووصولاً إلى الإقدام اليائس لمحمد البوعزيزي على الانتحار حرقًا بعد عامين من ذلك، كانت الثورة تعبيرًا عن مقاومة الفساد ومكافحته. فظلَّت صورة البلاد الناصعة التي لا تُدَنِّسها لوثة الفساد هي الحُلم الراسخ منذ ذلك الحين. وهكذا فإنَّه من الصعوبة بمكان أن نتصوَّر خطوةً تكون أشدَّ إحباطًا لنفوس التونسيين والتونسيات من أن نقول لهم فجأة بأنهم في حاجة إلى تأليف القلوب وإصلاح ذات البين والمصالحة مع طغمة حاكمة كان قوامُها المختلسون.

لقد وقَّعت تونس على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في عام 2004. إلا أن الحكومة الحالية تريد تجاهل المعايير الدولية لمكافحة الإفلات من العقاب على الفساد على نطاق واسع، وترفض أدوات المعاهدة من أجل استرداد الأصول.

ثانيًا، إنَّ النوَّاب البرلمانيين في أمسِّ الحاجة لتوضيح أهداف مكافحة الفساد. فهل تتمثَّل هذه الأهداف في توفير الحصانة والإفلات من العقاب للفاسدين؟ أم أنَّها تكمن في استعادة المكاسب والأصول التي تعود ملكيَّتها للشعب التونسي وخلق ثقافة الشفافية والمساءلة؟

ومع ذلك، فإنَّ مشروع القانون هذا يتغاضى تمَامًا عن الجهود المبذولة من قبل المحقِّقين التونسيين وكذا عن يد العون والمساعدة المقدَّمة من الحكومات الأخرى من خلال إجراءات المساعدة القانونية المتبادلة في الخارج والتي أدَّت إلى تجميد ما لا يقلُّ عن 68 مليون دولار من الأرصدة والأصول المودعَة في كندا وسويسرا وإعادة 28 مليون دولار من الأرصدة المودعَة في لبنان في ظرف سنتين فقط من انتهاء الدكتاتورية. وما على المرء إلاَّ أن يُقارن ذلك بالجهود الرامية إلى تجميد واسترداد الأرصدة والأصول ممَّن ولَّت عهودهم من المستبدين في سويسرا وحدها دون

غيرها من الدول. فلقد تطلَّب شروع هايتي في الإجراءات الهادفة إلى استعادة ما لا يقلُّ عن 6 ملايين من الدولارات الأمريكية من أرصدة دوفالييه ما يُناهز 30 سنة تقريبًا، في حين استغرق استرداد الفلبين لـــ680 مليون دولار من أموال ماركوس عشر سنوات. واستعادت بيرو 174 مليون دولار في أقلِّ من خمس سنوات من الحسابات المصرفية الامريكية لفوجيموري. أمَّا في حالتي الفلبين وبيرو، فإنَّ استرداد الأرصدة والأصول، وليس العفو، هو الأمر الذي نجح في تعزيز العدالة والمساءلة. وتمَّ تخصيص جزء من هذه الأرصدة المستعادة للمساعدة على تمويل هيئة الحقيقة

البيروفية وبرامجها الخاصة بجبر الضرر وتقديم التعويضات الجماعية. وفي عام 2013، أصدرت الفلبين قانونًا يقضي بمنح التعويضات وغيرها من أشكال جبر الضرر لضحايا النظام الديكتاتوري لماركوس، وتمَّ تمويل هذه التعويضات بمبلغ قدره مائتي مليون دولار من أصل 680 مليون دولار التي تمَّ استردادها من عائلة ماركوس حتى الآن. فعمليَّة “المصالحة” التي تعتمد بالكامل تقريبًا على حسن نية وصدق المختلسين والمسؤولين الفاسدين، أقلُّ ما يُمكِن أن يُقَال عنها أنَّها عمليَّة ساذَجة.

ثالثًا، ما يتعيَّن على المشرِّعِين القيام به هو أن يتوجَّهوا بالسؤال إلى أبناء وبنات دوائرهم الانتخابية عن آرائهم ومواقفهم. فهل صحيح أنَّ التَّحَلِّي برحابة الصدر الشهامة حيال زُمرة من أثرياء الجُنَاة سوف يؤدِّي إلى المزيد من اللُّحمة والوحدة الوطنية؟ إنَّ مشروع القانون هذا من شأنه أن يُؤسِّس لمنحدرٍ شديد الانزلاق نحو الإفلات من العقاب. فبعد تخليص الفاسدين من المسؤولين ورجال الأعمال من قبضة القانون والعدالة، من سيكون المستفيد الموالي من مثل هذا الإفلات من العقاب؟ هل سيكون المستفيدون ممَّن قاموا بتعذيب السجناء السياسيين أو ايذاء أفراد أسرهم جنسيا واقتصاديا؟

ولقد شهدت منظمة المركز الدولي للعدالة الانتقالية، في العديد من البلدان كيف أنَّه لا يُمكِن بأيِّ حال من الأحوال الفصل بين النضال من أجل تحقيق المساءلة عن أعمال الفساد المستشري على نطاق واسع والتي يتِمُّ ارتكابها في ظل الديكتاتوريات والأنظمة القمعية، وبين النضال من أجل تحقيق العدالة بشأن الانتهاكات الجسيمة والمنهجية لحقوق الإنسان من قبل تلك الأنظمة. وإنَّ الانتهاكات الجسيمة المتعلِّقة بالفساد المستشري والانتهاكات العنيفة لحقوق الإنسان هي انتهاكات يُعزِّز كلُّ انتهاك منها الآخر، وما لم يتمَّ الكشف عن هذا الارتباط العضوي وكسره، فمن شأنه أن يُؤدِّي إلى معاضدة كلٍّ منهما للآخر وتعزيزهما المتبادل للإفلات من العقاب.

إنَّ إعادة بناء المجتمعات بعد حكم عصابات المختلسين أمرٌ يتطلَّب الالتزام الكامل بحكم القانون وسيادته، سواء كان ذلك يتعلَّق بمكافحة الفساد أو بالعمل ضد انتهاكات حقوق الإنسان. وفي حين تتحضر تونس لمناقشة مشروع القانون المثير للجدل هذا، فإنَّ العالم يتساءل، إذ ينتابه القلق، عمَّا إذا كانت روح الشفافية والمطالبة الشعبية بالمساءلة والمحاسبة سوف تُحافِظ على البقاء، أم أنَّها سوف تتهاوى وتنهزم أمام سُلطة المال غير المشروع مِـمَّا من شأنه أن يجرَّ البلاد إلى دوَّامة القمع المتفاقم والفساد المتزايد والعنف المتطرف المتصاعد بلا هوادة.

جريدة المغرب

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: