مصاص السيجار وقائد السبسي ( كتبه الدكتور أبو يعرب المرزوقي )

مصاص السيجار وقائد السبسي

أبو يعرب المرزوقي :تونس

فأما مصاص السيجار فهو محلل دستور الرقاصين: عمرو موسى. وأما قائد السبسي فهو المتخابث والعابث بصغار اليسار الذين لا يفلحون إلا في تخريب الديار: الباجي قائد السبسي. رأيتهما في ديفوس فلم أر إلا ما يقتزز منه كل ذي نفس أبية ومؤمن بقيم الحضارة الإنسانية: فكلاهما مسيلمة إذ هما يدافعان عن الإرهاب تبريرا لاغتصاب حقوق الشعوب بسلطان الدبابة العميلة في خدمة التبعية الذليلة. كلاهما لا يكن للشعب إلا الاحتقار وقابل للاستئجار. كلاهما يظن أنه من الكبار وهو في الحقيقة من أرذل الصغار. كلاهما يرمز إلى ما تدنت إليه بعض قيادات هذا الجيل من الجهل برهانات العصر والخسة إزاء قيمه بما أوصلوا إليه الأمة من تبعية وذل.

سر الثورة المضادة
لكني قبل الكلام عليهما أريد أن أعرج على أداتي من تمثله هاتان الدميتان وجهين للتبعية صاحبي السبسي والسيجار ورمزي الذل والعار والمدافعين عن الشر والدمار. ذلك أنهما فضحا سر ما لم أعد أعجب منه. كنت أعجب من قدرة مشعوذي الحداثة واليسار على تخريب الديار رغم تفاهة عددهم وعدتهم في جبهتي الأنقاض الشهيرتين في مصر وتونس. لكني أعتقد الآن أن الجميع فهم دورهم. فليس هو في الحقيقة إلا مقياس التبعية التي فرضت على شعوبنا وما ترتب عليها من قيود تكبل ممثلي من يريد أن يحكم في إطارها فلا يصارح الشعب الذي ثار ليعلمه بحقائق الأمور حتى يتحمل المسؤولية كاملة في تحقيق أهداف الثورة المشروطة بالتحرر من العيش الكاذب على التسول الناتج عن هذه التبعية بسبب ما وضع من عوائق تحول دون التنمية المستقلة مادية كانت أو معنوية.
فلو لم يكن وراء هؤلاء المراهقين من يحميهم ويبتز الشعوب في خبزها اليومي لما أمكن لهم أن يعطلوا الثورة ولكان بالوسع تطبيق القانون عليهم وتخليص الأمة من شرهم بمجرد إرجاعهم إلى حجمهم الطبيعي دون نفي حقهم في الاختلاف المشروع. فبمجرد فهم هذه الحقيقة والتخلص من موقف المتسولين على أعتاب الاستعمار تصبح الثورة قوة لا تقهر لأن الابتزاز هو أداته الوحيدة لتأبيد التبعية والاستعمار خاصة إذا ظلت تربية الشعب مبنية على ثقافة التواكل وفقدان المشروع الطموح لاستئناف الدور الكوني للأمة. ومثلما أن تعفف الأفراد هو شرط حريتهم في أنظمة الاستبداد والفساد داخليا, فكذلك الشأن بالنسبة إلى تعفف الشعوب وأنفتها دوليا لأن النظام الدولي الحالي مبني على الاستبداد والفساد هو بدوره بل إن ذلك معلول هذا وهذا علة ذاك

طبيعة الإشكالية الثورية
والمشكل الذي يجعلني أكتب على صاحبي السيجار والسبسي هو أنهما كانا يحيطان بوجهين يراد لهما إن عاجلا أو آجلا أن يخضعا بالتدريج للابتزاز فيصبحا من هذا التوجه الذي يتصور أصحابه أنه يوجد قدر مقبول من التنازل لهؤلاء المراهقين مباشرة وللغرب بصورة غير مباشرة فيقبل بما يظنونه تنازلا كافيا لإرضائه ومن ثم للقبول بهم بديلا من عملائه من دون أن يحاول تحويلهم إلى عملاء تحت التهديد بأحد الخيارين إما القبول بالعمالة أو تكليف من ينقلب عليهم بتهمة التكفير والإرهاب أعني من حضر للكلام باسمه صاحبي السيجار والسبسي.

صفات ممثلي الثورة المضادة
سأقصر كلامي على وارث السبسي لأن صاحب السيجار المصريون أدرى بدوره الخسيس في التلحيس رئيسا للجنة الرقاصين الذين كتبوا دستورا في أسبوع وناقشوه في ستين يوما في مكاتب مغلقة ثم فرضوه على الشعب بقوة السلاح: لست أدري كيف لا يستحي فيتكلم باسم نظام يقتل من شعبه الآلاف ويسجن عشرات الآلاف ويجرج مثلهم أو أكثر ويصف جل شعبه بالإرهاب حتى يمكن الجنرالات من نصف ثروة البلاد. فمثل هذا الرجل لا يستحق إلا أن يبصق كل عاقل في وجهه. كلامي على وارث السبسي يتعلق بما تأكد لدي لما رأيته في ديفوس وأريد أن أشرحه للقراء لعلهم يدركون أن هذا الرجل الذي أيد انقلاب السيسي يعترف بأنه لو كانت لديه القدرة لفعل أكثر منه وأنه يستحق إذن ما فعل جحا بحماره المعقول.
يعلم الجميع المتابعين لكتاباتي أني من اليوم الأول أولت قصته حول التارزي الروماني. وسبق لي أن قلت له لعلك التاريخ مكنك من فرصة الخروج من باب كبير قاصدا عملية الانتخابات. لكنه عاد ولن يخرج إلا مما سيخرج منه السيسي وصاحب السيجار. لذلك فأنا لا زلت على ذلك الموقف الذي تأكد لدي في كلامه الذي لا يعلم صاحبه أنه كان في الحقيقة فرصة تاريخية جمعت اعترافاته الخمسة التي تدينه ليس قانونيا فحسب بل وكذلك خلقيا إن صح أن مثل هؤلاء الرهط يمكن الكلام معهم على الأخلاق:
فقد سبق له أن اعترف بتزييف الانتخابات. وهذا أمر يعلمه القاصي والداني دون حاجة إلى اعترافه. لكن الاعتراف سيد الأدلة وقد حصل. وهو مسجل في حواره مع صحفي الجزيرة. ومجرد رئاسته لمجلس نواب ابن علي يدل على أنه كان شاهد زور: لأن المجلس نفسه مزيف وكل القوانين التي تسن فيه لا تعبر عن إرادة الشعب ومن ثم فهي التزييف النسقي لأساس الشرعية السياسية.
ثم هو يعترف بالخيانة عندما يقدم نفسه ممثلا للبورقيبية. ذلك أنه إذا صدقناه في ما يدعيه فلا بد أن نتهمه بخيانة بورقيبة. فهو قبل أن يشارك من عزله في الحكم ولم يكتف بذلك بل قبل إهانته في آخر أيام حياته دون أن يحرك ساكنا. ورغم أنه محام وكان بوسعه أن يدافع عنه في المحاكم المحلية والدولية ليس من أجل إعادته إلى الحكم بل من أجل تحريره من السجن. لكنه لم يفعل بل هو لم يزره طيلة سجنه أي 13 سنة.
وهو قد جعل ما كان يتهم به وكان للراي العام عليه الكثير من الشهود لكنه بقي تهمة لأن العدالة لم تثبته جعله يصبح حقيقة باعترافه بما هو من جنسه إذ هو قد اعترف في ديفوس بشرعية ما فعله السيسي أي إن تبريره للانقلاب وما ترتب عليه اعتراف بأنه مستعد لفعل ما هو من جنسه والراي العام يتهمه بذلك. وحتى محاولته نسبة ما فعله السيسي بعد الثلاثين من يونيو “كل بلاد وارطالها” فيه احتقار للشعب المصري وفيه عدم اعتراف بكونية قيم الحرية والديموقراطية: فهو ينسي أن كل بلاد وارطالها لم يعد صحيحا بعد وصول البشرية إلى المقاييس الكونية (المتر والكلغ إلخ..) والقيم الكونية: فلا يمكن من دون نفي كونية القيم واحترام الإنسانية الزعم بأن الشعب المصري يستحق ذلك لأن أرطاله غير أرطال السبسي. وإذن فهو يعترف بأنه لا مانع لديه من الانقلاب وقتل الآلاف من أجل الحكم وهو ما يتهم به في بداية العهد البورقيبي.
ثم هو يعترف بأنه ليس رجل دولة لأن الكلام على الخلافات بين التونسيين في الأمور الأساسية من حياة الأمة وذلك في محل دولي لا يليق برجل دولة يتصور نفسه أكثر القيادات الحزبية التونسية أهلية لرئاسة الدولة. ومعنى ذلك أنه يريد بكلامه ذلك وخاصة إذا وصلناه بما قال عن المصريين أن يقنع أصدقاءه الذين يتصورهم قادرين على إيصاله إلى سدة الرئاسة بأنه معاد لما يعتبرونه عدوهم الأول أعني المرجعية الإسلامية ما يعني أنه يحذر أصدقاءه مما سموه في مصر أخونة وسماه هو أسلمه لكأن التونسيين ليسوا مسلمين.
وأخيرا فهو قد فضح نفسه أيما فضيحة عندما عرَّض نفسه لوضعية تجعل “التلوبيق” و “برودة الريق” بطريقة المقاهي الشعبية سلاحه الوحيد في الكلام على ركح دولي و بثقافة شارعية سخيفة جعلتني لا أعجب الآن من أن البعض ممن طمع في تحقيق توازن بين القوى السياسية قد فهموا أن الرجل ضحل المستوى وأنه لم يبرز إلا لأن زعامات الحزب الدستوري انقرضت و إلا لبقي كما كان من الصفوف الأخيرة يُنتدب فقط للأعمال الدنيا. لذلك سمعنا الكثير منهم بدأ يشكو ولعل من سكت واكتفى بمجرد الابتعاد اكتشف بعد الحماسة الأولى الناتجة عن الجهل بالرجل أنه لا يساوي فلسا.
وعندي أن عقد حزبه سينفرط قريبا وأنه لن يبق معه حتى أولئك الذين طمعوا في الوصول إلى الحكم عن طريق النداء بعد أن يئس من الوصول إليه عن طريق الحزب الذي أوصله إلى المجلس. فحتى من باع ثقة الشعب بالطمع في الكرسي بدأوا يشعرون أنهم معرضون لخسران الأمرين في آن. قد يبقى معه بعض الحطام من الزعماء “المكسرين” من الساحة الطلابية أو النقابية أو الذين فشلوا في التنافس القيادي في التيار اليساري أو القومي أو الإسلامي أو الليبرالي أعني خليط الفاشلين. وجميع هؤلاء سيصبحون على الهامش بمجرد أن يعود الحزب الدستوري إلى الساحة بعد أن يتحرر مما ضمه إليه ابن علي من الحثالة.

رسالتي إلى ممثلي الثورة
لا فائدة من محاولة إرضاء الاستعمار وعملائه. فهم لن يرضوا حتى تتبعوا ملتهم أي حتى تصبحوا تابعين وعملاء مثلهم. ينبغي ألا نخفي على الشعب شروط التحرر من التبعية لأن ما يجري في مصر وفي ليبيا وفي سوريا سيكون في النهاية مصير كل من يحاول التحرر بحق ولو بالقدر القليل الذي سعى إليه الشعب في مصر أو في سوريا أو في ليبيا وقبل ذلك في الجزائر وفي العراق. فلا يفرحن أحد بما يظن حلا طريفا في تونس أو في المغرب. وإذا كان ذلك حاصلا لا محالة فبيدي لا بيد عمرو. ذلك أن منافسة عبيد المستعمر على العبودية ومحاولات إرضائه مهمة مستحيلة وأيسر منها بكثير الذهاب بالثورة إلى غايتها: لن يقبل الاستعمار بالغنوشي وابن كيران إلا إذا أوصلهما بالتدريج إلى ما عليه وارث السبسي وصاحب السيجار. ذلك أن شرط المستعمر للقبول ببديل من عبيده هو أن تكون أكثر خضوعا فتزيد في التبعية حتى يفضلك على من اختارهم قبلك وأعطوه كل ما يطلب.
لكن هذه المعادلة يمكن أن تنعكس لو أن الثوار سلموا بهذه الحقيقة فأعدوا الشعب لمقتضيات الموقف الثوري وصارحوا العدو وعملاءه بأنهم قرروا أن تكون ثورتهم ثورة بحق أعني أنها لن تتوقف حتى تحقق أهدافها التي هي في الغاية الحرية والكرامة بشروطهما المادية (السياسية والاقتصادية) والرمزية (التربوية والثقافية) على أساس المرجعية الدينية والفلسفية النابعة من الذات وغير المغتربة. ينبغي أن يعلم العدو وعملاؤه أن الثوار يرفضون أي مساومة أو أي ترضية لهما على حساب هذين الهدفين بشروطهما تلك كلفهم ذلك ما كلفهم: وطبعا فشرط ذلك هو أن يكون الشعب قابلا بعدم استبدال الذي هو تبعية وذل بالذي هو حرية وكرامة. عندئذ سيعيد العدو نفسه ومعه عملاؤه حساباتهم. ذلك أنهم حينها لن يكونون أمام مفاضلة بين:
صنفين من العملاء الذين وقعت عليهم الثورة والثوار الجدد الذي يريد أن يطوعهم بالتدريج والابتزاز مشترطا عليهم للبقاء في الحكم القبول بأكثر مما كان يقبل به أصحاب الأنظمة التي وقعت عليها الثورة.
بل بين الإبقاء على المصالح المشروعية بين شعوب أنداد تتبادل الاحترام المتبادل وفقدان كل ما من أجله يريد الاستتباع فيجنح إلى السلم والاعتراف الندي بالمصالح المتبادلة التي لا تنكرها الثورة بل تريدها اختيارا لا اضطرارا.
وطبعا فهذا الموقف سيحاول العدو وعملاؤه وصفه بالتكفير والإرهاب وسيعملون كل ما يستطيعون لكي يحدثوا منظمات إرهابية من جنس ما رأينا في الجزائر وتونس ومصر والعراق وسوريا ولها أسماء يعرفها الجميع. لكن ذلك لن ينطلي على أحد ولن يكون ذا فاعلية. فهذه الخطط الاستخباراتية لم تكن فاعلة إلا لما كانت أفعال أفراد أو مجموعات بعضهم صادق وجلهم تابع للاستخبارات هدفها إطالة عمر الأنظمة العميلة وتبرير استبدادها وفسادها. لكن ثورة الشعوب بكاملها لا تقبل الوصف بالتكفير ولا بالإرهاب. فالشعب الثائر من أجل حريته وكرامته ليس مكفرا لمستعبديه ولا إرهابيا يقتل الأبرياء بل هو مقاوم للمكفرين والإرهابيين الذين يكفرونه ويقتلوه والذين هم التكفيريون والإرهابيون بحق:
فالتكفير الحداثي والعلماني يوجه إلى كل من لا يقبل بالتعبية لاتهامه بمعاداة الحضارة والحداثة, أي إنه تكفير باسم قيم الغرب التي هي في الغاية دين جديد (أنظر العلاقة بين الحداثة وتمسيح العالم: هيدجر العالم بما هو صورة).
والإرهاب هنا هو إرهاب استعماري وهو يوجه إلى كل الشعوب التي تريد أن تحكم نفسها بنفسها وأن تكون سيدة على أرضها وثرواتها وخياراتها أي إنه إرهاب باسم قيم العولمة التي هي في الغاية فرض نموذج بالعنف على البشرية والمعمورة.
ونحن إذا صمدنا في هذا الموقف سنعاني دون شك الأمرين. لكن الثورة من دون ذلك تصبح سعيا لتكوين إمارات تابعة بل أشد تبعية مما كانت عليه الدويلات التي أنشأها الاستعمار ونصب عليها أنظمة الاستبداد والفساد التي ثار عليها شبابنا من أجل الحرية والكرامة غاية بعيدة ليس لنا وحدنا بل للبشرية كلها: فكل البشر فاقدون للحرية والكرامة باستثناء المافيات التي بيدها سر السلطان المادي أعني السياسي والاقتصادي وسر السلطان الرمزي أي التربوي والثقافي أي ما أطلقنا عليه في الفصل الثالث من مقال الملحمة الجارية اسم الربا المادي للسلطان على الأبدان وإفساد الطبيعة والربا المعنوي للسلطان على النفوس وإفساد الثقافة.
ولست أشك في أن الكثير يستكثر على أمتنا أن يكون لها مثل هذا الدور: لكنها أمة أراد لها مكر الله أن تكون في حالتي استضعافها مكلفة بالشهادة على العالمين بتحقيق رسالتها التحريرية للإنسانية كلها من الاستبداد والفساد لتحقيق الحرية والعدالة شرطي الكرامة. ومن دون هذا الطموح تكون الثورة مجرد استجابة لحاجة المستعمر وتصدق نظرية المؤامرة الاستعمارية على ما حصل في الربيع العربي: مجرد تغيير “الطرحة” مثل السائق الذي يغير عجلات سيارته التي تآكلت أعني أن النخبة التي كانت حاكمة لم تعد قادرة على تحقيق أغراضه فاستبدلها بنخبة أقرب إلى الشعب حتى يستطيع التمديد في عمر الاستعمار غير المباشر.

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: