مصر: غياب العدالة والانتقام والأحكام الكارثية.. حصاد العام القضائي في ظل الانقلاب

بعد عام من الانقلاب العسكري الغاشم يؤكد المختصون أن القضاء كان من أهم المؤسسات التي ساعدت قادة الانقلاب ومهدت الطريق لهم حيث غض الطرف عن قيم العدل والحق، وأعمل سياط الانتقام والتشفي والكيل بمكيالين.

أحكام إجرامية كارثية
وليس أدل على سقوط السلطة القضائية في اختبار العدالة بعد الانقلاب أكثر من تحقيقها الرقم القياسي في اصدار أحكام بالإعدام بشكل جماعي ودون تهم حقيقية أو أدلة.
وقد كانت محكمة جنايات المنيا قد أصدرت في 24 مارس الماضي حكما بالإعدام على 529 من معارضي الانقلاب من الجلسة الثانية ودون سماع لأقوال المتهمين أو المحامين أو الشهود، كما أن نفس المحكمة وخلال شهر واحد وتحديدا في 28 إفريل الماضي أصدرت حكما أيضا بالإعدام على 683 آخرين من معارضي الانقلاب، أي أنه وفي شهر واحد تم الحكم على 1212 شخصا بالإعدام.

وبين هذين الحكمين صدرت أحكام أخرى بالإعدام على عشرات المتهمين في قضايا مماثلة من دوائر أخرى. ثم توجت الأحكام بالحكم الذي صدر بتاريخ 19جوان على أربعة عشر من قيادات الإخوان بينهم مرشد الإخوان المسلمين وهو الحكم الثاني عليه بالإعدام.

ووفقا لما ذكره الإعلامي “أحمد منصور” فقد غطت هذه الأحكام على أحكام أخرى صدرت في نفس التوقيت بحق طلاب ومعتقلين آخرين ففي نفس يوم تأكيد حكم الإعدام بحق 183 من مؤيدي الشرعية صدرت أحكام مشددة على طلاب من جامعة الأزهر وصلت إلى سبعة عشر عاما. أي أن هناك أحكام كارثية تغطي على أحكام أخرى كارثية أيضا ولكن بدرجة أقل…!!

وإذا أخذنا نموذجا آخر لأعمال القضاء في شهر واحد فقط من العام الانقلابي؛ فبحسب “المرصد المصري للحقوق والحريات” ففي خلال شهر افريل 2014 وصل إجمالي عدد المعتقلين الذين تم تقديمهم إلى المحاكمات 1923 معتقل، وإجمالي سنوات الحبس التي تم الحكم عليهم بها 14977 عام، إجمالي الكفالات التي حكمت المحاكم بها ضد المعتقلين 649 ألفا و500 جنيه مصري، إجمالي الغرامات التي حكمت المحاكم بها ضد المعتقلين 13 مليونا و115 ألف جنيه مصري.ما يعني أن تتبع العام كله يعني أرقاما مذهلة في تاريخ البشرية جميعها.

وفي تصريحات صحفية سابقة وصف المستشار أحمد سلميان -وزير العدل في حكومة رئيس الوزراء الشرعي الدكتور هشام قنديل- وصف البيئة القضائية الحالية بأنها تعاني من توسّع رهيب في السجن الاحتياطي من دون ضوابط، وتجديد الحبس للمتهمين من دون عرضهم على النيابة، وعدم معرفة أماكن بعض المعتقلين، ووجود كثير من الأطفال والنساء بين المعتقلين.

أما عن المحاكمات فقد انتقد الأحكام مستنكرا ما فعله قاضي جنايات المنيا في أحكامه التي لم يراعِ فيها أي اعتبار للإجراءات القضائية، مؤكدا أن الإخلال بحق الدفاع جريمة بحسب كافة الدساتير، ولا تسقط بالتقادم، أي أن القضاة الذين أصدروا هذه الأحكام، ارتكبوا جريمة وفقاً للمادة 99 من الدستور الحالي -أي دستور الانقلاب-، وهي جريمة لا تُسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم، ومع هذا، نجد وزارة العدل-الانقلابية- تحتضن هؤلاء القضاة وتدافع عنهم، وتقول إنه لا يجوز التعليق على الأحكام.

غياب العدالة وتسييس الأحكام
وحول خصائص قضاء عصر الانقلاب في مصر يقول عمرو علي الدين-منسق جبهة استقلال القضاء-: إن السمات العامة للحالة القضائية الآن هي غياب العدالة وتسييس الأحكام، بل لا نبالغ إذ نقول إن هناك عصابة هي من تسيطر على مقاليد الأمور داخل أروقة الجهاز القضائي، وأحكام تصدر من مكاتب أمن الدولة وبحسب تصنيف رجال أمن الدولة للقضايا والمتهمين إذا كانوا يتبعون الإخوان أو التيار الإسلامي عامة أم لا.

ومن أمثلة إخضاع الأمر للأجواء السياسية فرغم أن “أحمد ماهر، وأحمد دومة، وعلاء عبد الفتاح” كانوا من قبل من مؤيدي الانقلاب وسائرين في ركبه، ولكن عندما بدؤوا يعلنون الرفض لبعض الأشياء، أصبحت حركة 6 افريل متهمة الآن بالخيانة والتظاهر دون ترخيص، ويوقع عليها أحكاما تصل إلى 15 عاما كما هو الحال مع علاء عبد الفتاح.

يضيف: أن من السمات الأخرى لقضاء الانقلاب أنه أصبح ناهبا لثروات البلاد، وذلك مثل الحكم بمصادرة محلات “زاد” و”سعودي”، أيضا هذا القدر الكبير جدا من الكفالات التي يحكم بها يوميا، ومن المعلوم أن هذه الكفالات يدخل منها جزء كبير كمكافآت وحوافز للقضاة، هذا بخلاف إحدى حوافز “السيسي” للقضاة تحت مسمى منحة شهر رمضان، بلغت نحو 60 مليون جنيه.

أيضا من السمات المهمة؛ إقصاء كل شريف؛ وذلك حتى يبقى القضاء بؤرة فساد فقط؛ وهو ما شاهدناه في حالات الفصل الكثيرة للقضاة الذين يعملون وفقا لمعايير قانونية صحيحة. أما على الجانب الآخر فتتم مكافأة الفاسد، وهو ما حدث مثلا عند تعين وزير العدل الانقلابي محفوظ صابر؛ فهو في نفس الوقت رئيس لجنة الصلاحية التي أحالت القضاة الشرفاء إلى التقاعد، فقد قدم ضربة شديدة للمؤسسة القضائية بإقصاء شرفاء منهم من يفوقه سنا ومن هو أعلى منه مكانة، كذلك فقد حقق مع كثير منهم بالمخالفة للقانون.

وفي السياق نفسه أن من ملامح المرحلة أيضا أن النيابة العامة أصبحت تأتمر بأوامر الجهات الأمنية، وهذا يظهر بجلاء حين ينتقل أعضاء النيابة إلى مقار السجون لعقد جلسات التحقيق والتجديد والنظر في أوامر الحبس لمناهضي الانقلاب. وأيضا أصبح دور النيابة مغيبا في الرقابة على ما يحدث في السجون ومتابعة حالة حقوق الإنسان هناك.

و يحدث الآن في أروقة القضاء وهو تشكيل دوائر خاصة لمحاكمة ما يسمونه بـ”الإرهاب”؛ حيث طلب رئيس محكمة استئناف القاهرة من الجمعية العامة لنادي القضاة أن من يريد أن يحاكم “الإخوان” يتقدم بطلب، وبالفعل هناك مجموعة من الدوائر تقدمت بطلبات، وبناء عليه صدر باسمها قرارات لتتولى هي محاكمة من يقع تصنيفه تحت مسمى “إخوان”، أو “مناهض للانقلاب”، وعلى الرغم من أن هذه الدوائر من المعروف أنها في الجنايات فقط، ولكنهم بطريق آخر لم يتم الإعلان عنها، شكلوا دوائر مماثلة في الجنح أيضا، وبناء على ذلك فالكثير من القضايا يتم تحويلها إلى تلك المحاكم بشكل تعسفي حتى لو كان لها دور طبيعي في دائرة ومحكمة أخرى.

فالقضاء من المفترض أنه يخضع لاختصاص مكاني واختصاص ولائي، أي ينظر القضاة في القضايا تبعا للمكان الجغرافي التابعة له القضية، أما الآن فيأتوا بقاض من مكان آخر شريطة أن يكون معروف عنه عداؤه للتيار الإسلامي، كي ينظر هو هذه القضايا ويحكم بما يراه الانقلاب، خاصة إذا تنحى أحد القضاة لاستشعاره الحرج مثلا، فتكون دوائر “الإرهاب” جاهزة لهذا الغرض.

و يحدث الآن من القضاء يأتي كنتيجة حتمية للإستراتيجية التي كان يسير عليها نظام مبارك وهي فكرة التوريث خاصة في مؤسسات الجيش والشرطة والقضاء، وهذا جعل الغالب على القضاء هو “الشللية” وبالتالي مراعاة المصالح الخاصة ومصالح الأهل والأقرباء.

وفي هذا لا نستطيع أن ننكرأن العام من حكم الرئيس مرسي قد ظن في القضاء أنهم كانوا واقعين تحت ضغوط إبان حكم مبارك، ولذا فقد أعطاهم الضوء الأخضر لكي يطهروا أنفسهم بأنفسهم. في حين أن ما ظهر الآن أنهم جزء فاعل في الانقلاب.

مذبحة قضائية
ويصف المستشار الدكتور أيمن الورداني -العضو البارز بحركة «قضاة من أجل مصر»- أن القضاء تعرض في العام السابق ومنذ الانقلاب لمذبحة حقيقية؛ حيث تم تقديم ما يقرب من 110 قضاة إلى التحقيق والصلاحية لمجرد مخالفتهم الرأي فيما حدث بعد 30 جوان2013، بل تم بالفعل صدور أحكام بفصل وإقصاء عدد من القضاة بلغوا حتى الآن 10 قضاة تمت إحالتهم للتقاعد، بعد القرار الأخير بحق المستشار “طلعت عبد الله” النائب العام الشرعي؛ في ازدواجية واضحة لمعايير المحاسبة فبينما كانت التهم الموجهة لهؤلاء القضاة هي الاشتغال بالسياسة.

ولاء لعصر مبارك ونظامه
ومن جانبه “عماد الدين نجيب”-محامي معتقلين- يقول: إن النيابة العامة الآن أصبحت أداة في يد النظام مثلها مثل أمن الدولة تماما، فهي تقوم الآن بدور المباحث.
يضيف: إن القضاء المصري على الرغم من أن جسده في الأساس سليم، إلا أن الأركان الرئيسة بداخله فاسدة بل مسرطنة، وهذا نلحظه في أن هناك بعض الدوائر وإن كانت أقل إلا أنها ما زالت تحكم بالقانون، في حين أن من يدير العملية برمتها فاسد. بما يمكننا أن نقول إن 80% من القضاء الآن ما هو إلا يد من أيادي الانقلاب لا أكثر.

ومن بين الأمثلة على ذلك أن لدينا الآن الآلاف خلف السجون في تمديد مستمر للحبس الاحتياطي لما يقرب الآن من عام، وذلك دون اتهامات حقيقية موجهة لهم، وهو نفسه الوضع الذي كان عليه “عبد الله الشامي” صحفي الجزيرة.

مقارنة سريعة بين القضاء الذي يحاكم المخلوع مبارك وحاشيته ومن يحاكم الآن مؤيدي الشرعية؛ فيقول إن من تُعرض أمامه الآن قضايا مؤيدي الشرعية فلا توجد لديه سوى توجيهات تكتب مسبقا على ملفات القضايا، فيكفي أن يرى تصنيف القضية “إخوان” حتى يحكم بالإدانة وأشد الأحكام، فلا وجود لأوراق حقيقية ومذكرات ودفوع وما شابه، بل إن الأحكام انتقامية وفقط.

وعلى سبيل المثال فلدينا أحكام تصدر يوميا وفقا لقانون التظاهر، على الرغم من أن نصف من تصدر بحقهم تلك الأحكام لم يكونوا في التظاهرات أساسا. وكل ذلك على الرغم من أن هذا القانون غير دستوري من الأساس.

في حين أن من يحاكم مبارك ونظامه فهم وكأنهم يعلنون أنهم يدينون بالولاء لمبارك وعصره ورموزه، ولذا فالقضاة أنفسهم هم خير دفاع في تلك القضايا، تبحث دائما عن عدم كفاية الأدلة وعن الثغرات.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: