مصعد الحمار (تدوين فاطمة كمون)

ارتبط الحمار في ثقافتنا الشعبية بكثير من القيم السلبية والمستهجنة اجتماعيا فصور الحمار بصور الجهل والغباوة والسفه والعناد وسوء تقدير الأمور والعواقب، وهي أمور قد يكون مردها إلى بعض الخصائص الشكلية الملازمة للحمار كعظم الرأس وطول الأذنين والصوت المنكر. وهذه الصورة متوارثة بين الأجناس البشرية باختلاف منطلقاتهم التاريخية وتنوع أرصدتهم الثقافية والطريف مثلا ما يُنسب إلى الحمار من أنه حامل الشيطان إلى سفينة نوح أي انهم حملوه مسؤولية تواصل الشر عند الإنسان. ولكن وجدت بعض الحضارات التي اعلت من شأنه وأنصفته ورفعته درجة القداسة كالحضارة اليونانية القديمة
يقول الحكيم: لقد سميت الحمار – الفيلسوف وقد علمني أشياءا كثيرة بمجرد صمته وارتفاعه عن لجج البحر الخضم: بحر السخف الإنساني.
لا حظت ان هناك هوس حيواني على ألسنة الناس على شاشات الفضائيات وفي وسائل الاعلام ..ويظهر اننا عدنا لعصر جحا بنوادره مع حماره ربما لأن الحمار يستطيع أن يسلك الطرقات التي مشى فيها ولو مرة واحدة. ويتمتع بحدة السمع وهو من اقل الدواب مئونة وأكثرها معونة …
(بسبب شر وانحراف البشر يجب أن نعيش كالحمير) جاءت هذه المقولة في البيان التأسيسي لحزب الحمير العراقي الذي احدث ضجة اعلامية كبيرة ..كما انه عبر التاريخ وجدت جمعية للحمير في فرنسا ضمت صفوة مثقفي وفناني فرنسا برئاسة فرنسوا ميل و تأسست في مصر جمعية على شاكلتها عام 1930 كان رئيسها الفنان المبدع زكي طليمات وضمت في عضويتها عميد الأدب العربي طه حسين وعباس العقاد وتوفيق الحكيم…. وهناك جمعيات شبيهة في سوريا ولبنان استثنى عبد الناصر حل جمعية الحمير في سوريا من قرار الحل اثناء الوحدة السورية المصرية
في مصر وحين كان الشعب يشعر بالقلق والتيه والإحباط ونزف الكرامة، واهتراء الوعي قبل العبور كتب الأديب التوفيق الحكيم الرباعية الحمارية او بما تعرف بحماريات الحكيم برؤية واضحة لخص هدفه من كتابتها في: «أن يظل وعي الأمة قائماً بوظيفته الحيوية» ويعتبر اهم من كتب عن الحمير في الادب العربي
لا يخفى على احد ان رمزية الحمار تتضمن تعقيدات عدة فعالم النفس يونغ عرّف الحمار بأنه ثالوث الجحيم صوره على شكل وحشٍ ذي ثلاثة رؤوس أحد هما يمثل الزئبق والثاني الملح أما الرأس الثالث فيمثل الكبريت أي باختصار العناصر الرئيسية الثلاثة للمادة.
استمر توظيف الحمار في السياسة والأدب والفلسفة، فعلى سبيل المثال لا الحصر ( أبوليوس، توفيق الحكيم حمزة شحاتة ،…) استعانوا بالحمار في كتاباتهم ومؤلفاتهم للتعبير عن مواقف ربما كانت الظروف آنذاك لا تسمح بتمريرها في قالبها الحقيقي والواضح، وإذا كان الأمر كذلك فالحمار في السياسة الحزبية ووفقا لصورته السلبية في ذهنية المواطن تعبر عن زمن الانحطاط السياسي ،ووجود خلل على مستوى ضبط الممارسة السياسية ويجب ان اعرج على اقحام الحمار في حملة انتخابية في امريكا اعتمده الحزب الديمقراطي لمرشحه الرئاسي دون ان يعتمد الحزب هذا الرمز بل كان بمثابة الدعاية الإنتخابية فحسب
ان الفترة الحالية تتطلب تصورات ومبادئ لتكريس الديمقراطية بوجود احزاب وطنية غيورة على مصلحة العباد تتماشى مع متطلبات المرحلة على الصعيد الوطني والدولي خاصة بعد ميلاد الدستور …لكن في هذه المرحلة نشهد عبث سياسي حزبي ازداد منسوبه مما يطرح تساؤلات عدة عن وجود هذا الزخم من الاحزاب السياسية الشعبوية العاجزة على تنظيم الحياة السياسية دون تدخل اطراف خارجية وحتى محلية بعيدة عن الطروحات السياسية ووصفت مبادرتها عند الراي العام والشارع مبادرات حمارية لما في ذلك من غباء وبلادة
وفي ما يروى أن أحد سلاطين العبادل في لحج أطل من شرفة قصره فرأى جمعا من اللحوج ملتفين ومتزاحمين فأخذه الفضول ليستطلع الأمر بنفسه وعما حوله مجتمعين فإذا هم حول (حمار وحمارة) يمارسون عملية التكاثر والتزاوج… ومن حولهم اللحوج يتفرجون فغضب السلطان وفرقهم بعصاته فتفرقوا مسرعين فقال: (لعن الله شعبًا يجمعهم حمار وتفرقهم عصا).
فاطمة كمون

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: