مظلمة براكة الساحل :لقد طال الانتظار وتعفن الجرح فهل قرار بن ضياء الجائر أكثر علوية إلى اليوم؟( بقلم الرائد الهادي القلسي )

اليوم السابع والعشرون من نوفمبر 2013 ….
طال الانتظار وقد يزيد الجرح تعفنا
المؤامرة:انطلقت الحكاية في شهر أفريل 1991 بحملة اعتقالات غريبة وعجيبة في صفوف عناصر الجيش من مختلف الرتب والوحدات والجهات شملت 244 عسكريا قاسمهم المشترك أنهم كانوا عسكريين ذوي تكوين وتعليم متميّز وكفاءة وانضباط

ثم كان ظهور عبد الله القلال وزير الدولة وزير الداخلية على شاشة التلفاز يوم 22 ماي 1991 ليبرز شطارة إدارة امن الدولة في اكتشاف مؤامرة أخطبوطية نسج خيوطها ضباط عسكريون بهدف الاستيلاء على الحكم وقدم تسجيلا للنقيب أحمد عمارة يعترف فيه ( نتيجة التعذيب والتهديد) بضلوعه وعدد من الضباط في إعداد الانقلاب المزعوم.
وقد حصلت حملة الاعتقالات بطريقة تتنافى والقوانين العسكرية وأصول التعامل خاصة في كيفية الاعتقال دون تحر وتثبت وتسليم عسكريين تحت السلاح إلى جلادي أمن الدولة بالرغم من قدرة الأمن العسكري والمحكمة العسكرية للتعامل مع كل شبهة أو تهمة توجه للعسكريين.لكن أوامر بن علي كانت أقوى من جميع القوانين .
من الوحدات العسكرية إلى سراديب الداخلية:تمّ نقلنا إلى سراديب إدارة امن الدولة أين نالنا تعذيب ممنهج موصوف من قبل أعوان وحوش استنسخوا من الشيطان صفته وشره وأبدعوا في طرق ووسائل التعذيب بتعد صارخ على النفس البشرية . فكانت لهم فرصة التمثيل الجسدي والنفسي بعسكريين لا ناقة لهم ولا جمل في وضعهم المحتوم وراحوا يضربون ويلكمون ويركلون ويصلبون ويجرون ويعلّقون ويسبون ويشتمون ويستفزون ويستهزئون ويمسّون الأعراض ويسكبون الماء البارد والساخن على الأجساد العارية المعذّبة ويعتدون بالضرب على الأماكن الحساسة بوحشية لا توصف حتّى يصيب الضحية الإغماء فيتم إرساله إلى المستشفى والاحتفاظ به تحت اسم مستعار حتّى إذا استرجع أنفاسه أعادوه من جديد إلى التعذيب.
ولعلّ التشويه الجسدي الباقي أثره على أجساد بعض الموقوفين لدليل صارخ على وحشية هؤلاء .
بعد مرحلة التعذيب البشعة ، جاءنا عبد الله القلال يوم 23 جوان 1991 ليقدّم اعتذارات بن علي لضحايا المظلمة واعترف ببطلان التهمة وأعلمنا بأننا سوف نعود إلى سالف مواقع عملنا بعد أن نتمتع بشهر من الراحة. ورغم هذا الاعتذار فقد تمت المحاكمة ومقاضاة93 عسكريا وتراوحت الأحكام بين 16 سنة سجنا وعدم سماع الدعوى وإخلاء سبيل 151 .
السجن الكبير : تم إخلاء سبيلنا لكن السلطة( المؤسسة العسكرية ووزيرها آنذاك عبد العزيز بن ضياء) اتخذت في شأننا قرارات إدارية اقل ما يقال فيها أنها جائرة وغريبة وعجيبة تراوحت بين الإعفاء من الوظيفة مرورا بفرض الاستقالة على البعض وإحالة البعض الآخر على التقاعد بمختلف أنواعه النسبي الوجوبي و القصور المهني إلى الطرد التعسفي لآخرين.
لم يقف تعسّف السلطة عند هذا الحد، بل سلّط علينا بوليس النظام رقابة لصيقة تكفل بموجبها بمنعنا من العمل رغم انعدام الدخل الشهري للكثير منّا وحُرمنا من التغطية الصحيّة الاجتماعيّة وسُلبت منّا هويتنا العسكرية حتى أن البعض أجبر لاعتماد صيغة “عامل يومي” عند إصدار بطاقة التعريف . تحوّلنا إلى مساجين في زنزانة واسعة حيث منع عنّا السفر وحجرت جوازاتنا بل أن بعضنا لم يكن باستطاعته التنقل داخل الوطن حيث تمّ تحديد أماكن تواجدنا وفرض على بعضنا الحضور إلى مراكز الأمن ثماني مرّات يوميّا قصد الإمضاء .
إنها المعاناة في أعظم مظاهرها والمقاساة في أشد أشكالها ،أفرزت تشتتا عائليا وإحباطا ويأسا ومذلة وفشلا تعليميا واجتماعيا لأطفالنا. فرض علينا السكوت والصمت وقبول الأمر الواقع ودامت المعاناة عقدين كاملين لم ننعم خلالهما بأبسط حقوق الإنسان في الكرامة والعيش والعدالة والحرية .
الحياة بعد الموت: جاءت ثورة الشباب وهرب بن علي وتحررت تونس من دكتاتوريته ونظامه البوليسي.
لم يكن أحد يحلم بما حدث ويصدّقه ولكنّه حدث وصدقناه فانطلقنا بعد أيام من الثورة في التعريف بمظلمتنا وأسسنا هيئة جمعية إنصاف لقدماء العسكريين فتفاعل معها الرأي العام التونسي وتعاطفت معنا كل أطياف المجتمع وخاصة وزارة الدفاع التي استقبلت عديد المرات هيئتنا كطرف رسمي وتمت لقاءات كثيرة أفضت إلى إعداد وزارة الدفاع لآلية تعويض ما فات وجبر الأضرار.
وكان يوم 14 أكتوبر2011 يوما تاريخيا بالنسبة لنا حيث أقامت وزارة الدفاع تحت رعاية السيد وزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي والسيد الفريق أول رشيد عمار حفل استقبال متميّز وحميمي وتمّ إعلامنا خلاله أن وزارة الدفاع أعدت آلية التعويض وجبر الأضرار وهي في انتظار السند القانوني لتفعيلها.
وبقينا ننتظر تحقيق الحلم إلى أن أعلن السيد سمير ديلو وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية يوم الثامن من فيفري 2012 أن ملف مظلمة براكة الساحل سوف يُغلق خلال أسابيع بعد ان لام وعاب على الحكومة السابقة عدم اخذ قرار استرداد حقوقنا
ثم جاء يوم 23 جوان 2012 ليقدم رئيس الدولة السيد محمد منصف المرزوقي القائد الأعلى للقوات المسلحة اعتذار الدولة لضحايا براكة الساحل وعائلاتهم وتم بقصر قرطاج يوم 10 ديسمبر 2012 بصفته اليوم العالمي لحقوق الإنسان رد الاعتبار للضحايا وعائلاتهم وقام رئيس الدولة بتوسيم 218 من ضمن244 حضروا بوسام الجمهورية وذلك في انتظار استرجاع الزي العسكري وإصدار السند القانوني للتعويض وجبر الأضرار وتنظير التقاعد مع الحصول على الرتبة المستحقة التي من المفروض الوصول إليها
خصوصية فريدة قبل الثورة وبعدها:ان لهذه المظلمة خصوصية فريدة قبل الثورة وبعدها وإن اختلف مضمون الخصوصيّة ففي عهد بن علي تمثّلت خصوصيتها في ظلم الدكتاتور لشعبه حيث ضرب من خلالها مؤسسة سيادة بأكملها أما بعد الثورة فخصوصيتها تتمثل في كون المرسوم عدد 1 للعفو العام لم يشمل عسكريي براكة الساحل كما لا يمكن تفعيل العودة للعمل لأن النظام الداخلي للعسكريين لا يمكّن العسكري من العودة للعمل في حالة تجاوز عمره أربعين سنة . نتيجة لهذه الخصوصية فإن الحلّ يكمن في قرار سياسي يتضمن ما بقي من حقوق مشروعة بعد الاعتذار ورد الاعتبار :
 لباس الزى العسكري أثناء حفل رد الاعتبار بالرتبة المستحقة.
 تنظير التقاعد وتحيين المسار المهني حسب الرتبة المستحقة للحصول على لقمة العيش
 التعويض المادي عما فات من رتب ومرتبات.
 الاستفادة من العسكريين وإعطائهم إمكانية المساهمة في بناء تونس المستقبل داخل الوطن وخارجه.
أملنا أن لا يطول الانتظار ويتحقق حلم كان في أقرب الأيام سرابا فيتم القطع مع الماضي وتعود بسمة غابت أكثر من عقدين على شفاه المتضررين وأقاربهم فتتحقق بذلك العدالة وتمكّن ضحايا مسرحية براكة الساحل من قضاء ما تبقى من عمر في كنف الكرامة خاصة وأن أغلبهم بلغ سن التقاعد القانوني.
مظلمة براكة الساحل :لقد طال الانتظار وتعفن الجرح فهل قرار بن ضياء الجائر أكثر علوية إلى اليوم؟متى يتم إلغاؤه وتعويضه بما ينصف ضحايا براكة الساحل لتمكينهم من لقمة العيش؟
الرائد الهادي القلسي احد ضحايا مظلمة براكة الساحل

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: