معاوية ليس الفئة الباغية/ مع د.طه الدليمي

معاوية ليس الفئة الباغية/ مع د.طه الدليمي

… تكملة

مدخل تمهيدي(*)

طالعت على موقع (الكادر) مقالاً بعنوان (هل معاوية حقاً من الفئة الباغية بعد مقتل عمار بن ياسر) للكاتب الفاضل يزيد بن الحسين. لفت انتباهي قوله في أوله: “من الأحاديث المتواترة عند المسلمين أن النبي صلى الله عليه وآله مدح عمار بن ياسر رحمه الله، وأخبر بأنه ستقتله الفئة الباغية”. لأنني وجدت بالبحث المعمق النبيه أن:

1. نص الحديث مخالف لحيثيات الحدث.

2. وفي سنده تفاصيل وثغرات وعجائب تستوقف النظر.

والكاتب – وإن كنت أتفق معه في نظرته الإجمالية إلى سيدنا معاوية (رضي الله عنه) وهو خير في موقفه من هذا الصحابي الجليل من كثير ممن خاض في هذه اللجة – فاتته أمور يبدو أنه لم يطلع عليها. ولا غرابة في أن تفوته فالضخ الإعلامي الشديد ضد معاوية في غياب آليات (الأمن الثقافي) مسخ ثقافة الدهماء ودوخ فطاحل العلماء!

رواية (عمار تقتله الفئة الباغية) في (الصحيحين)؛ لذا فقد أغمض عامة العلماء – لا سيما المتأخرين – عيونهم عن البحث فيها. على أن البحث العلمي يسفر عن مفاجآت صادمة للثقافة السائدة الصادئة! وإليكم شيئاً مما أسفر عنه البحث، قسمته قسمين: الأول عن حيثيات الحدث، والثاني عن سند الرواية.

القسم الأول

حيثيات الحدث ( النزاع بين علي ومعاوية )

الرواية في عمومها وظاهرها وما يبنى عليها تسيء إلى صحابي جليل لاسيما وقد أطال الرواة وعرضوا فيها، واستثمرها الكثيرون حتى من السنة في النيل من سيدنا معاوية (رضي الله عنه)؛ فلا بد من تقليبها على وجوهها للتأكد من سلامة إعمالها. إن البحث في حيثيات الحدث لمعرفة مدى تطابق النص مع واقع الحدث، يكشف عن علة في المتن لم أجد من تطرق إليها، تستدعي التوقف عن تنزيله على سيدنا معاوية. والتوقف عن إعمال الحديث الصحيح السند إذا خالف الواقع منهج علمي اتبعه الإمام مالك وغيره، فتقديم عمل أهل المدينة على الحديث الصحيح أمر معروف عنه. وهو نوع من تحقيق المتن في عملية تصحيح الحديث. تعالوا إذن لنبحث قليلاً في الحدث.

1. قتلة الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنه) هم الفئة الباغية

لا يشك أحد في أن الذين قتلوا أمير المؤمنين عثمان بن عفان (رضي الله عنه) فئة باغية معتدية ظالمة، لا يمكن تأويل ما ارتكبت من جرم بأي نوع من أنواع التأويلات لصالحها.

هذا هو أصل البغي، وهذه هي الفئة الباغية التي لا خلاف في بغيها.

ولنا أن نلحظ هنا أمرين:

أ. هذا الصمت المريب عن ذكر بغي الفئة التي قتلت سيدنا عثمان، حتى ليكاد ينسى فلا يخطر على بال، وإزاحة دائرة الضوء بعيداً بعيداً عنها رغم أنه لا خلاف في بغيها.

ب. لجوء هذه الفئة الباغية إلى سيدنا علي (رضي الله عنه) وإقناعه بتولي الأمر بعد أن كان رافضاً له عقب مقتل سيدنا عثمان (رضي الله عنه) كما رفضه سواه من كبار الصحابة: سعد وطلحة والزبير وابن عمر ومحمد بن مسلمة، وربما غيرهم. وتحول هذه الفئة إلى قوة ضاربة ليس لعلي غنى عنها بعد أن انفض عنه معظم الصحابة لعدم إقامته الحد على رؤوسها وتقريبه لهم، ورفضه جميع الحلول التي أشار بها كبار الصحابة عليه علاجاً للفتنة؛ وما ذاك إلا لتمكن البغاة من زمام السلطة، وفقدانه أي مصدر للقوة سواهم. لكن هذه القوة لم تكن في الواقع مخلصة له، إنما دفعته للبيعة كي تحتمي به من القتل، فلما تم لها ما أرادت صارت هي المتحكمة بالأمر، بينما الخليفة لا يملك شيئاً! وهو القائل (الفتنة ووقعة الجمل، ص97، سيف بن عمر التَّمِيمي: (كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم)؟ وفي عبارة ثانية (شرح نهج البلاغة، 9/291، لابن أبي الحديد): (كيف لى بقوة والقوم المجلبون على حد شوكتهم يملكوننا ولا نملكهم).

هذا هو أصل الخلاف ولب الصراع. لكن الثقافة السائدة لا تعي أن الباحثين يتجاوزون هذه النقطة لحساسيتها؛ فبقيت الصورة الحقيقية لمشهد الفتنة يكتنفها الغموض.

ابن كثير : علي خالف رؤوس الصحابة وطاوع أمراء الخوارج

قال ابن كثير (البداية والنهاية:7/255-256): “ولما استقر أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة (رضي الله عنهم) وطلبوا منه إقامة الحدود، والأخذ بدم عثمان. فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا. فطلب منه الزبير أن يوليه إمرة الكوفة ليأتيه بالجنود، وطلب منه طلحة أن يوليه إمرة البصرة، ليأتيه منها بالجنود ليقوى بهم على شوكة هؤلاء الخوارج، وجهلة الأعراب الذين كانوا معهم في قتل عثمان رضي الله عنه فقال لهما: مهلاً عليّ، حتى أنظر في هذا الأمر”.

وذكر ابن كثير نصيحة المغيرة بن شعبة له بأن يقر العمال على البلاد، فإذا أتته طاعتهم استبدل بعد ذلك بمن شاء وترك من شاء. فلم يستجب له فتركه إلى مكة. وذكر نصائح ذهبية أسداها إليه ابن عباس من استمرار النواب في البلاد، إلى أن يتمكن الأمر. وأن يقر معاوية خصوصاً على الشام، وقال له: “إني أخشى إن عزلته عنها أن يطلبك بدم عثمان ولا آمن طلحة والزبير أن يتكلما عليك بسبب ذلك. فقال علي: إني لا أرى هذا ولكن اذهب أنت إلى الشام فقد وليتكها. فقال ابن عباس لعلي: إني أخشى من معاوية أن يقتلني بعثمان، أو يحبسني لقرابتي منك. ولكن اكتب معي إلى معاوية فمنِّه وعدْه. فقال علي: والله إن هذا مالا يكون أبداً…”. وختم ابن كثير ذلك بقوله: “فأبى عليه ذلك كله، وطاوع أمر أولئك الأمراء من أولئك الخوارج من أهل الأمصار”.

فكيف – والوضع على هذا – تمّ اغتيال وعي الجمهور بحيث أخفي بغي الفئة الباغية حقاً، وحوّل إلى فئة ثانية؟! هل كونها مع سيدنا علي (رضي الله عنه) يعفيها من جريمتها البشعة التي هي أكبر من البغي؟ أم لأن وصمها بالبغي يخشى منه انسحاب الوصف إلى علي؟ مع أنه بريء منه، وإنما رأى اضطراب الأمور فعمل بما أدى إليه اجتهاده. ولا أحد من الأمة يظن فيه ذلك. الذي أراه أن خلطاً للأوراق جرى من قبل جهة ما مستغلة العاطفة مستفيدة منزلة سيدنا علي، وبهذا تم ذلك التحويل المجحف. وكثير من أهل العلم يعلم لكنه يخشى من ردة فعل الجمهور المستغفَل! وعميت الحقيقة على الأجيال المتعاقبة.

2. معاوية يطالب بحقين ولم يرفض بيعة علي إنما علقها حتى استيفاء الحقوق

كان معاوية يطالب بإقامة الحد على قتلة سيدنا عثمان (رضي الله عنه). عندها سيسلم ويبايع علياً. وكان له في ذلك حقان: حقه الخاص لأنه ولي الخليفة القتيل. والحق العام الذي من أجله خرج الزبير ومن معه على علي. أما البيعة قبل القصاص من القتلة فمن غير الممكن إتيانها؛ لأن الشوكة بيدهم، فإذا فعل قتلوه. وكان علي لا يكاد يخرج عن أمرهم “وإلا ألحقناك بصاحبك” هذه هي العبارة التي يهددونه بها. وفي آخر المطاف قتلوه فألحقوه فعلاً بصاحبه. فإن كان معاوية باغياً في هذا فالزبير وطلحة باغيان من باب أولى. فهو صاحب حقين وهما صاحبا حق واحد. وهو لم يبايع وهما بايعا ثم خرجا! الفرق أنهما وجدا من يتأول لهما. أما معاوية فالثقافة السائدة مجبولة على التأويل ضده لا له؛ فلماذا؟

3. ليس معاوية الوحيد الذي خرج على علي

لقد خرج الزبير وطلحة وأكثر الصحابة عن طاعة علي حين أيسوا من تنفيذه القصاص في حق البغاة. بل إن رؤوس أهل الشورى منهم (سعد وطلحة والزبير) لم يبايعوه. ومن لم يخرج عليه من الصحابة فمعظمهم اعتزله ولم يبايعه، كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وسعيد بن زيد. أما الزبير وطلحة فبايعاه مكرهين تحت شفار السيوف، لكنهما اشترطا إقامة الحد. والسبب أن البيعة تمت بإرادة من قتلة عثمان لينجوا من القتل الذي ينتظرهم على يد الجيوش القادمة من الأمصار بأمر من عثمان. فلما علمت الجيوش بمقتله رجعوا تجنباً للفتنة، ففاتت الفرصة. ولو وصلت الجيوش قبل مقتل عثمان لانحل الإشكال. ولو صبر علي حتى وصلت لتولت زمام الأمر وقبضت على المجرمين، ثم اجتمع المسلمون على أمير لهم. وفي الغالب سيكون علياً. وفي هذه الحال سيكون حاكماً كامل الأدوات مالكاً للقوة نافذ القرار.

لقد خرج معاوية على علي كما خرج طلحة والزبير عليه. وخرج ابن الزبير والحسين على يزيد من بعد. بل إن الحسين دعا إلى نفسه مع وجود خليفة شؤعي قد بويع له من قبله! وهو ما لم يفعله من سبق ذكرهم. النتيجة أن الغي ألقي على معاوية وحده دون الآخرين مع أنهم أولى بالبغي منه لو كان ثمت بغي فعلاً؟!

4. ابن عمر يصف ابن الزبير بالفئة الباغية

قال الذهبي (تاريخ الإسلام، 5/276) وصححه: قال الزهري: أخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر قال: أقبل علينا ابن عمر فقال: ما وجدت في نفسي من أمر هذه الأمة ما وجدت في نفسي من أن أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله، فقلنا له: ومن ترى هذه الفئة الباغية؟ قال: ابن الزبير بغى على هؤلاء القوم، فأخرجهم من ديارهم ونكث عهدهم.

والسؤال: لماذا هذا العول؟ ومن وراءه؟

موقع القادسية

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: