معركة واحدة ..انتصار واحد وهزائم عدة…( بقلم د. محمد ضيف الله )

مهما تكن نتيجة العدوان على غزة، فقد كتبت تاريخا جديدا، صمودا يتجاوز بالتأكيد صمود ستالينغراد، لقد آذنت المقاومة بزمن جديد، ليس لغزة فقط ولا للعرب فقط ولكن للعالم وللإنسانية جمعاء . انتهت الأساطير بدءا من أسطورة شعب الله المختار وانتهاء بأسطورة الجيش الذي لا يقهر. كلا الأسطورتين كانتا حصنا حصينا احتمى بهما حتى الآن الكيان الصهيوني، وضمنا له البقاء بين العالمين وبيننا، إلا أن غزة سطرت أسطورة جديدة، كم من فئة قليلة محاصرة منذ عشر سنوات، في رقعة هي الأكثر كثافة في العالم، بالكاد تجد قوتها، وإن وصلها فعبر الأنفاق والحصار من العدو والشقيق، فئة صغيرة لم يبق لها إلا قدرتها على أن تشهر دمها في وجه الأعداء وتواجه آلتهم الحربية الرهيبة بصدورها العارية وبتشبثها بالأرض وأديمها.

كم من فئة قليلة. لا مال الخليج عندها، ولا بترودولار السعودية، ولا أعداد الجيش المصري، ولا أسلحة الجيوش العربية مجتمعة أو متفرقة، ولا جنرالاتها، ولا نياشينهم، ولا أزياؤهم الجميلة، ولا الشهائد التي حصلوا عليها من أشهر الأكاديميات العسكرية في العالم. فئة قليلة بما فيها من أطفال رُضّع ونساء وشيوخ ورجال صامدين، اتفقوا جميعا على الصمود في وجه الجيش الأقوى في الشرق الأوسط، بما له من أسلحة وقدرة على التخريب والتدمير، ومخابرات هي الأقوى في الشرق الأوسط، الموساد تلك التي كاد عملاؤها يُعينون وزراء في بعض الدول العربية، ولكنهم عجزوا هذه المرة عن اكتشاف أنفاق غزة. وأنفاق غزة يمكن أن تسجل ضمن عجائب الدنيا السبع، وهي بالتأكيد أعظم من البعض منها، فعبرها كان يمر حليب الأطفال وأدوية الروماتيزم وكراسات التلاميذ وأقلامهم الملونة، وصولا إلى الأرز والحنطة وانتهاء بالصواريخ التي قصفت تل أبيب وديمونة والمواقع العسكرية.

فئة قليلة، لم يسبق لجيش عربي أن صمد صمودها أمام الجيش الأقوى في الشرق الأوسط، سيكتب التاريخ ذلك. هذا الجيش الأقوى في الشرق الأوسط لم يبق له مثلما نرى إلا القصف العشوائي للمدنيين في المستشفيات والأسواق ومدارس الأنروا والمساجد وفي الشوارع وفي البيوت الآهلة وسيارات الإسعاف…

غزة هذه صمدت في وجهه رغم الجراح والقتل والدمار، وقد حققت حتى اليوم ما لم تحققه ثلاثة جيوش عربية مجتمعة في 67، حيث لم تصمد آنذاك غير ستة أيام فقط، قهرهم فانسحبوا آنذاك خائبين من الجولان وسيناء وما بقي من فلسطين. إلا أن غزة اليوم مختلفة تماما. لم يترك لها العدو إلا قيودها لتكسرها وانكسرت، انكسر جنرالات ثلاثة جيوش عربية معا، تراجعوا أمام الجيش الذي لا يقهر إلا أن غزة قهرته بل كسرت أسطورته. ها هي تستعد في كل الحالات لترفع رايات النصر، فعلا هم جبارون وها الجيوش العربية تنهزم مرة أخرى حيث أنها لم تتحرك، وانهزمت لأنها استحضرت هزائمها، وانهزم الوهن في العرب، كما انهزم تماما الجيش الصهيوني الذي إن تقدم لا يضمن عدم خسرانه جنودا آخرين، وإن تأخر كتبت له الهزيمة، وانهزمت الموساد والشان بيت والأمم المتحدة والولايات المتحدة. انتصار خالص لغزة وحدها ولأطفالها الشهداء، انتصار خالص للأمة من البحر إلى البحر.

كانت معركة واحدة أسفرت عن انتصار واحد وهزائم ذات اليمين وذات الشمال. 

محمد ضيف الله

2 أوت 2014

 

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: