CH3IBI

معركــة وطنيــة.. (مقـال/ رياض الشعيبي)

يراها كثير من التونسيين بالفعل معركة وطنية لا مجرد تنافس انتخابي بين مرشحين اثنين كما يحصل في كل الديمقراطيات بالعالم.

تبدو الانتخابات الرئاسية في تونس كذلك بالنظر للرهانات التي تحملها والشعارات التي تعبر عنها: الديمقراطية الناشئة، والعدالة الاجتماعية واستقلال القرار الوطني التونسي، إذ إن عمق الأزمة السياسية ورهاناتها يجعلان من المعركة الانتخابية معركة وطنية حيث يتحدد مستقبل البلاد بين انتقالين: إما استمرار التجربة السياسية الحالية بما يؤسس لديمقراطية ناشئة تكتمل فيها ضمانات الحرية والتداول السلس على السلطة وتتوفر من خلالها شروط العيش الكريم للتونسيين وتكرس الخيارات الوطنية المستقلة عن الإملاءات الخارجية في حالة تشبه ما يمكن تسميته الاستقلال الثاني.

وإما دخول عملية البناء الديمقراطي مؤسسات الدولة في جمود يعيد إلى الأذهان صورة قريبة لم تمح بعد من ذاكرة المواطنين عن استقرار يتحقق على حساب الحرية والكرامة، وعن طريق أبشع وسائل القمع الممكنة في ما يمكن تسميته خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الوراء.

الماضي صورة الحاضر
عندما سمي السيد الباجي قايد السبسي رئيسا للوزراء في مارس/آذار 2011 كان أغلب التونسيين لا يعرفون هذا الاسم، وحتى الذين يتذكرونه من بينهم كانوا قد نسوه منذ سنوات عديدة، فجاء تعليق أحد السياسيين من أطرف ما قيل عن هذا التعيين: لقد جلبوا رئيسا للحكومة من الأرشيف.

لم يكن حينها من يتوقع أن هذه الشخصية سيكون لها حضور بشكل ما في مستقبل العملية السياسية في تونس، خاصة أنه تعهد بأن يعود إلى منزله بمجرد انتخاب المجلس التأسيسي في أكتوبر/تشرين الأول 2011، لكن وقبل أن يمضي شهر على تكليف الحكومة الجديدة صدر بيان يحمل توقيعه يدين النخبة السياسية المتصدرة للحكم تحت ذريعة عدم تحقيق أي منجزات للشعب التونسي.

كان واضحا حينها أن حزبا سياسيا جديدا بصدد التشكل، وكان بالإمكان أن يمر ذلك في صمت مثل بقية المائتي حزب المكونة حديثا لولا اجتماع ثلاثة أطراف أعاد بسرعة لذاكرة التونسيين التحالف السياسي الخفي الذي حكم تونس على امتداد ربع قرن: عناصر حزب التجمع المنحل، واليسار الانتهازي، ورأس المال الفاسد.

ولأن هذه الأطراف تحتاج لشخصية محورية تلتف حولها، ولأن ذلك صادف هوى في نفس السيد الباجي قايد السبسي المتشوق دوما للسلطة تم في النهاية تأسيس حزب نداء تونس.

لم يكن مقبولا في المزاج الشعبي تشكل هذه الأطراف في حزب سياسي، أولا لأن رئيس الحكومة المنتهية ولايته مطالب بالتحفظ والالتزام بتعهداته السابقة بدل استغلال منصبه لبناء قوة سياسية جديدة، ولأن هذه التركيبة القائمة على المنطلقات السياسية نفسها للتجمع المنحل قد فشلت في الخروج بالبلاد من أزماتها المتتالية، زاد من هذا النفور المواقف السياسية المعادية للبناء الديمقراطي للنظام السياسي الجديد وعرقلته.

ووصل بها الأمر إلى حد الانقلاب على المؤسسات الشرعية للدولة والمناداة -عبر عدمية فوضوية- بحل كل المؤسسات السيادية واستقالة رموزها، فضلا عن التحريض الإعلامي المتواصل واختراق أجهزة الدولة وتعطيلها لضرب المعنويات العامة للمواطنين.

عشية الانتخابات التشريعية في أكتوبر/تشرين الأول 2014 كانت فصول هذه الخطة قد اكتملت، وقد أعيدت صياغة الرأي العام الوطني في اتجاه تحقيق أهدافها المرصودة مسبقا، طبعا الهدف الرئيسي هو الاستيلاء على السلطة بكل الوسائل الممكنة.

لذلك كانت المطالبة بإلغاء المسار الانتقالي وحل المجلس التأسيسي واستقالة الحكومة وتجريم الثورة والقائمين عليها، واستهداف كل بعد رمزي للثورة، وبث الفوضى في البلاد واستدعاء التدخل الخارجي للضغط على الفاعلين السياسيين لهذا الغرض.

الوسائل الرئيسية التي وظفت لتحقيق هذه الأهداف هي المال والإعلام والجهاز التنظيمي للتجمع المنحل، لكنّ أحزابا سياسية أيضا أيقنت بعد انتخابات المجلس التأسيسي أن لا مستقبل لها خارج حاضنة النظام السابق، فقد تشكل المشهد السياسي بعد انتخابات المجلس التأسيسي على أساس صراع سياسي وأيديولوجي تقليدي لم يستفد من تحولات واقع ما بعد الثورة.

وفي حين تمترست الأغلبية بالشارع استقوت الأقلية بأجهزة الدولة، وما كان لها ذلك لولا تصالحها مع العمق الاستبدادي لهذه الأجهزة، فرأينا إعلاما حكوميا يشتغل ضد سياسات الحكومة ويشن عليها حربا لا سابقة لها، وهياكل نقابية افتكت سلطة القرار داخل المؤسسة، وقوى من المجتمع المدني أغلقت الفضاء العام وعطلت دورة الإنتاج.

ومهما يقل اليوم عن أخطاء الأغلبية لم يكن هناك من مفر من خوض معركة نقل الثورة من الشارع إلى الدولة بما يسمح ببناء نظام سياسي جديد، ورغم التجارب المقارنة التي أسالت كثيرا من الحبر داخل النخبة السياسية والفكرية آنذاك فإن التجربة التونسية لم تنسج على منوال التجربة الجورجية، بل كانت ميالة أكثر ربما لتتبع مسار تجربة الانتقال الديمقراطي في إسبانيا، لتنتهي أخيرا في أحضان التجربة الرومانية حيث أضحى الحاضر صورة مكشوفة عن الماضي.

تقدم السيد الباجي قايد السبسي للدور الثاني من الانتخابات الرئاسية يحمل بين طياته ثقل هذا الماضي ووزره، لكنه يحمل أيضا ضبابية المستقبل لمؤسسة تجتمع داخلها كل عناصر السيادة الوطنية من دون أن تتوفر الضمانات الكافية لحسن استعمالها بالنظر خاصة للظروف الصحية لهذا المرشح وتقدمه في السن.

اجتماع رئاسة الدولة وتشكيل الحكومة عند طرف سياسي واحد عليه كل هذه المؤاخذات سيجعلان نسبة المخاطر مرتفعة جدا في بلد يحتاج كثيرا لثقة محيطه الإقليمي والجهات الداعمة له.

ولو توقفنا عند مسألة تشكيل الحكومة القادمة لاتضح الأمر أكثر، فلقد أفرزت انتخابات 26 أكتوبر/تشرين الأول توازنات سياسية جديدة، حيث تقدم حزب النداء بأغلبية نسبية ووجدت الطبقة السياسية نفسها تواجه خطر التغول من خلال هيمنة هذا الحزب على مفاصل الدولة.

اليوم يجد قادة نداء تونس أنفسهم أمام اختبار مصيري، نجاحهم فيه قد يعيد من جديد الأمل في استقرار الوضع السياسي خلال السنوات القادمة، أما غير ذلك فسيعيدنا بسرعة لمشاهد الاضطرابات التي اجتاحت البلاد قبل هروب بن علي.

يتمثل هذا الاختبار في قدرتهم على بناء حكومة سياسية ذات تمثيلية شعبية واسعة تضم من بين أهم القوى السياسية حركة النهضة، ليس لأنها الكتلة النيابية الثانية في المجلس فقط ولكن لأنها الوشاح الأخلاقي الذي لا يمكن لأي سلطة أن تحكم دون أن تتدثر به في هذه المرحلة.

وسواء تحالف النداء مع الجبهة اليسارية أو مع القوى الليبرالية فلا هؤلاء ولا أولئك بحضورهم الهيكلي الضعيف في الشارع وبرمزيتهم التي تكاد تكون مفقودة قادرين على توفير الرضا الشعبي المطلوب تجاه الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية الموجعة التي ستجد الحكومة نفسها مضطرة لاتخاذها.

كما أن مشاركة حركة النهضة في الحكومة القادمة ستمثل أفضل تطمين يمكن أن يقدمه نداء تونس لفئات واسعة من التونسيين وللقوى الإقليمية والدولية المراهنة على نجاح تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس.
إذا كان للحزب الفائز شيء من العقلانية السياسية فلا شك أنه سيسلك هذا الطريق، أما إذا غلب داخله منطق الإقصاء فقريبا جدا سنجد أنفسنا أمام اضطرابات اجتماعية وسياسية لا نعرف مداها.

الثورة غير المكتملة
الثورة غير المكتملة هي عنوان التقرير الذي أعده صندوق النقد الدولي عن الوضع الاقتصادي في تونس، لكن يبدو أنه ينطبق اليوم على كل المشهد التونسي منذ اعتصام القصبة2.

لقد نبه الكثيرون إلى أن مفهوم الانتقال الديمقراطي الذي أصبح عنوان العملية السياسية على امتداد أكثر من ثلاث سنوات يتعمد القفز على حقائق الواقع ويعمي عن التحديات التي تواجهها عملية التغيير الشامل، فهذا التصور لمقتضيات العملية السياسية في تونس جاء في سياق معرفي ليبرالي يؤمن بالنهايات وفي إطار جيوإستراتيجي كولونيالي غير مستعد لمراجعة مسلماته ولكن بناء أيضا على تقدير لمصالح لم تتوفر بعد الإرادة السياسية لإعادة توزيعها في الداخل الوطني وفي الخارج.

مشروع الانتقال الديمقراطي يتمحور حول فكرة الإصلاح والتحسين، وهذا يقتضي استصحاب جزء من الماضي، خيارات سياسية واقتصادية وارتباطات خارجية وتمثيليات داخلية، فالصدمة التي أحدثتها الثورة التونسية ثم بقية الثورات العربية عند صانع القرار الغربي دفعت إلى بروز اتجاهات جديدة في السياستين الخارجيتين الأوروبية والأميركية.

وقد حصلت نقاشات عديدة داخل مؤسسات السياسة الخارجية الغربية ومراكز الدراسات الساندة لها كان قد تسرب بعضها من خلال الإعلام، بين سياسات خارجية محافظة لم تتجدد منذ الحرب العالمية الثانية تقوم على فكرة الهيمنة والتبعية، وبين تيارات جديدة أكثر انفتاحا وتشبعا بالقيم الإنسانية واحترام حقوق الشعوب في تقرير مصيرها، ولعل ما زاد في تغليب السياسات الخارجية المحافظة التعثر والبطء الذي واجهته حركة التغيير في تونس.

وفي الحقيقة فإن بين الثورات شبها كبيرا، فالثورة الفرنسية لم تستطع أن تتقدم على امتداد عشر سنوات، ولم تعرف انطلاقتها الحقيقية إلا مع بداية القرن الـ19 عندما تحولت إلى حركة تغيير شاملة وصلت إلى حد تقويض البنى المعرفية التقليدية، فضلا عن البنية السياسية للدولة في ما عرف بعد ذلك بالهندسة الاجتماعية.

 للأسف لم يحصل شيء من هذا في تونس وبقيت الثورة حالة شعورية دون أن تتحول إلى مشروع عقلاني في بنيته المعرفية واجتماعي في امتداده الواقعي.
ورغم خيبة الأمل فإن هذه الحالة الشعورية استمرت خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة وحتى الرئاسية في دورها الأول، فالنتائج التي حصل عليها حزب نداء تونس في التشريعية تساوي تقريبا النتائج نفسها التي حصلت عليها حركة النهضة في انتخابات 2011، لكن الحالة الشعبية والشعورية التي رافقت فوز النهضة آنذاك مختلفة كثيرا عن الأجواء التي طبعت فوز نداء تونس.

كل الملاحظين انتبهوا إلى حماس الشارع التونسي وحالة التعبئة الكبيرة داخله للتصويت للنهضة في 2011، لكن شيئا من ذلك لم يحصل في حالة نداء تونس، الأمر الذي لم يساعد على تحسس إمكان فوزه بالانتخابات على الرغم من مؤشرات سبر الآراء التي كانت لصالحه قبيل الانتخابات.

لم يصحب هذا الفوز حالة وجدانية عامة ولا حماسة تلقائية في الشارع بل وصل الأمر إلى عدم قدرة فئات واسعة على الصدع بتصويتها لنداء تونس وكأنها إزاء ارتكاب إحدى الشنائع الأخلاقية، بل عبر كثيرون عن ندمهم وتراجعهم عن هذا التصويت كما برز بعد شهر في عديد الدوائر الانتخابية عندما حصل الباجي قايد السبسي في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية على عدد من الأصوات أقل بكثير من الأصوات التي حصل عليها حزبه في الانتخابات التشريعية.

يبدو أن قدر الثورة غير المكتملة أن تكافح، لذلك نرى الرئيس الحالي محمد منصف المرزوقي يقود حملته في ظلمة إعلامية رسمية، وممنوع من التغطية المتساوية مع منافسيه. يواجه حشدا ماليا غير مسبوق في تونس، حيث أنفقت ملايين الدولارات بعيدا عن أعين المحاسبة لإعادة صياغة فرص المرشحين الآخرين للانتخابات وتشويه صورته وإضعافه، ورغم كل ذلك لم يستطع أي منافس أن يجاريه في نسق صعوده، إذ انتقل من 9% قبيل الانتخابات إلى ما يقارب 34% يوم الاقتراع في دوره الأول.

لم يكن ذنبه أن قاد المرحلة الانتقالية فقد كان ذاك قدره، وإنما يهاجم لأنه مثل العقبة الأخيرة قبل استكمال مشهد الردة عن ثورة ستبقى حلما في عقول أجيال متعددة من هذا الشعب، ومن يزرع حلما لا بد يوما أن يجني واقعا.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: