مغالطة الشعب الذي فقد كرامته.. (مقال/ عبد الفتاح ماضي: كاتب وباحث أكاديمي)

مغالطة الشعب الذي فقد كرامته.. (مقال/ عبد الفتاح ماضي: كاتب وباحث أكاديمي)

من المغالطات التي تروجها الثورات المضادة في عالمنا العربي مقولة إن الشعوب تريد الأمن وليس الحرية، وإنها غير ناضجة لممارسة الديمقراطية والتمتع بالحرية. ولهذه المغالطات الكثير من التداعيات السلبية.

من المغالطات التي تروجها الثورات المضادة في عالمنا العربي مقولة إن الشعوب تريد الأمن وليس الحرية، وإنها غير ناضجة لممارسة الديمقراطية والتمتع بالحرية. تروج هذه المغالطات في ظل وجود ظهير شعبي للنظم التي تقيد الحريات وتجهض المسارات الديمقراطية، وفي ظل عودة أنصار الأنظمة البائدة بأسماء وأشكال جديدة.

لتلك المغالطات الكثير من التداعيات السلبية في عدة دول عربية وفي مصر تحديدا، ولهذا لا مفر من تفكيكها إن أردنا أن نتقدم للأمام.

أولا: إن صناعة المستبدين لمقولة التعارض بين الأمن والحرية واحدة من دعائم الاستبداد الأساسية. فالمستبد يستمر في حكمه ما دامت هذه المغالطة قائمة ولها أنصار، فإذا ما أدرك الشعب أن لا تعارض بين الحرية والأمن وأن هناك حكومات غير استبدادية تحقق الأمرين معا، فقد المستبد شرعيته وسقط.

كما أن صناعة عدو لتبرير الحكم الفردي والأحكام الاستثنائية وتدخل الأجهزة الأمنية في السياسة، سياسة قديمة قدم الاستبداد. فالحاكم الذي يتجاوز وظيفته الأصلية في “الحكم بما يحقق المصلحة العامة”، لا يمكن له تبرير استبداده بالسلطة واستغلاله للنفوذ بدون زرع الخوف في قلوب الناس عبر الترويج لعدو داخلي أو خارجي.

وهذا ما حدث -كما أشرنا مرارا من قبل- في أميركا اللاتينية تحت اسم محاربة “الإرهاب” والذي كان يتمثل هناك في الحركات اليسارية، وحدث على يد قوى الاستعمار تجاه حركات التحرر الوطني التي وصفت بالإرهاب والتخريب. ويحدث اليوم مع وصف المقاومة الفلسطينية بالإرهاب من قبل دولة الاحتلال ومن يتحالف معها.

ثانيا: إن تعثر الثورات له أسباب كثيرة ولا يمكن حصر هذه الأسباب في انخفاض وعي الشعوب. ومن أهم هذه الأسباب تكالب خصومها من الداخل والخارج ضدها، والإرث الأسود الثقيل الذي تركته الحكومات السابقة ومؤسساتها العميقة، وأخطاء القوى السياسية التقليدية التي تصدرت المشهد بعد نجاح الشعوب في إسقاط رؤوس الأنظمة القديمة، وغير ذلك.

أما تأجيل إقامة دولة الحريات والمؤسسات الديمقراطية حتى “ينضج” الشعب وترتفع ثقافته السياسية، فهي حجة يستخدمها الحكام المطلقون لأجل الالتفاف على مطالب الشعوب في الحرية، والإبقاء على وصاية الحكام على شعوبهم والإبقاء على الامتيازات الخاصة.

ومن الخطأ تصور أن نظم الاستبداد ستعمل على زرع ثقافة الحريات والحقوق، فهذه النظم لا تستمر إلا مع تغييب الوعي والهيمنة على كل وسائل تشكيل الرأي العام من مؤسسات وأحزاب ونقابات وجامعات وإعلام. وهذه النظم هي المسؤولة عن الفقر والجهل نظرا لفشلها في معظم سياساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، وإفسادها للإنسان ومستقبله.

لا شك أنه كلما ارتقت ثقافة الشعب، كانت المؤسسات السياسية أكثر فعّالية، لكن الثقافة أيضا تتأثر بالمؤسسات، بمعنى أن إقامة دولة القانون والمؤسسات ووضع منظومة للثواب والعقاب هي الأسلوب الأول لتوعية الجماهير وزرع ثقافة القانون والمحاسبة.

وهذا لن يتحقق إلا عبر الحياة والمؤسسات السياسية السليمة، والقضاء المستقل ومؤسسات الرقابة الفعالة، والمجتمع المدني الحر، والأنظمة التعليمية المتقدمة والجامعات المستقلة، والإعلام الحر.. وعلى أن يتم هذا كله طبقا لخطة وطنية مدروسة وعبر مدى زمني ممتد كما حدث ويحدث في دول كثيرة.

بجانب أن تجارب الشعوب والأمم الأخرى لا تؤيد فرضية الانتظار حتى ترتفع ثقافة الشعب ليحصل على حريته. لقد عرفت أوروبا أفكار عصر التنوير لكن الشعوب هناك خاضت صراعات دموية حتى تحصل على حرياتها، والمؤسسات هناك تزرع ثقافة الالتزام والمسؤولية.

وفي المقابل، لا تزال شعوب كثيرة بالعالم الثالث تعاني من مستويات متدنية من الجهل والفقر برغم أنها انتقلت إلى الديمقراطية. والحكومات الديمقراطية تجتهد هناك في بناء مؤسسات واقتصاديات هذه الدول، فحقق بعضها النجاح كتركياوالبرازيل والهند، ولا يزال بعضها الآخر يحاول. ويتم هذا كله دون سيطرة فئات محددة أو هيمنة المؤسسات الأمنية أو تحميل الشعوب المسؤولية كما هو حادث في منطقتنا العربية.

ثالثا: ليس المطلوب أن يكون كل الشعب -أو غالبيته العظمى- مع التغيير، فيكفي طليعة تحرك الأمور وتكتسب هي الأخرى ظهيرا شعبيا، فحركات التغيير والقوى التي تحرك الثورات تمثل عادة نسبة صغيرة من الشعب كما هو معروف.

بجانب أن كل النظم الشمولية والعسكرية تكتسب ظهيرا شعبيا إمّا طمعا وراء مكاسب مادية أو مناصب عامة، أو جرّاء عمليات تضليل الشعوب عبر الإعلام، أو خوفا من القمع، أو نتيجة الترويج لمشروعات وهمية لتخدير الجماهير وبث أمل زائف في نفوسهم.

إن المطالبة بالتغيير وتعبئة الجماهير وراء هدف إقامة دولة القانون والمؤسسات والحريات، تحتاج إلى طليعة على قدر من الوعي والفهم، وتحتاج إلى دعم شعبي قوي وضاغط وليس دعم كل الشعب. وأظن أن الجيل الجديد من الشباب العربي امتلك -بحكم تمكنه من أدوات العصر وتكنولوجيا الاتصال- هذا القدر واستطاع بالفعل تعبئة الشارع وتحريكه في ثورات سلمية في عدد من الدول العربية.

ولا تزال الشعوب العربية تدفع -في أكثر من قطر عربي- ثمن حرياتها يوميا عبر التظاهر والرفض وعبر تقديم الكثير من الشهداء والمصابين والمهجرين والمطرودين، وليس مطلوبا من الشعب أكثر من هذه التضحيات.

إن أزمة العرب في الأساس هي أزمة مع النخب وثقافتها وليست مع الشعوب. فالنخب التقليدية هي التي تصدرت المشهد في أكثر من بلد عربي بدلا من إفساح المجال للشباب والطلائع التي حركت وقادت الحراك الشعبي، وهي التي صدّرت خلافاتها التاريخية وتناقضاتها الفكرية إلى الشعوب، وهي التي تصر على تحميل الشعوب كل الخطايا وتمارس كل أنواع الوصاية عليها، وهي التي ارتكبت الكثير من الأخطاء وفشلت في البناء والتأسيس.

إن مرحلة البناء والتأسيس تحتاج إلى طلائع ورجال دولة وسياسيين لا مصالح شخصية لهم، ولديهم القدرة على الارتقاء إلى مستوى المسؤولية والقيادة وترتيب الأولويات ووضع الرؤى والبرامج وتدبر العواقب وحساب المخاطر والتخطيط العلمي للمستقبل.

رابعا: وفي مصر تحديدا استخدمت هذه المغالطات -ولا تزال- لتبرير الانقلابات وبقاء الحكام المطلقين لعقود طويلة، وذلك عبر استغلال الصراع العربي الصهيوني أولا ثم باستخدام خطاب محاربة الإرهاب. فانتهى الأمر إلى هزيمة عسكرية وضياع كامل فلسطين واحتلال أراضٍ من أربع دول عربية، وترسيخ نمط سيئ للحكم الفردي، وإقحام الجيش في السياسة، وإفساد مؤسسات الدولة، وضياع كل فرص التنمية الحقيقية، وإفساد الإنسان وهدم قيمه وهويته.

ومصر -كغيرها من نظم الحكم المطلق- تمتع الاستبداد فيها بظهير شعبي منذ عقود طويلة. ومن المهم فهم طبيعة الظهير الحالي والذي لا أعتبره يمثل المشكلة الأهم في مصر الآن. فهذا الظهير (أو ما تبقى منه بعد انكشاف الكثير من الحقائق جراء الفشل السياسي الواضح والمجاهرة بالجهل والفساد وبسبب التسريبات الإعلامية أيضا)، يتكون من ثلاث فئات: فئة المنتفعين من الاستبداد من أنصار نظام مبارك ومن المنتفعين واللصوص الجدد، وفئة تضم بعض المنتمين لمؤسسات الدولة الذين نجح نظام مبارك في الهيمنة عليهم عبر أسلوب الزبائنية المعروف وربط مصالحهم ببقاء النظام والفساد والاستثناءات، وفئة المغيبين الذين أثّرت فيهم وسائل الإعلام وآلة الدعاية ونشر الشائعات، فضلا عن بعض السياسيين والمثقفين الذين ظنوا فعلا بأنه يمكن الوصول إلى الديمقراطية عبر الاستقواء بالجيش وإسقاط الرئيس المنتخب.

إن الغالبية العظمى من هؤلاء لم تعارض من قبل ولم تخرج في أي مظاهرة معارضة أيام مبارك. ومن هنا فلا مشكلة كبرى في هؤلاء ولا يجب التعويل عليهم، والتغيير في واقع الأمر ضد مصالح الكثير منهم. وعندما تحين لحظة التغيير الثوري الحقيقي لن تسمع لهؤلاء صوتا، ولا يمكن القياس على ما حدث في مظاهرات 30 يونيو التي كانت في حماية الجيش والشرطة.

أما المشكلة الأساسية فهي في الفئات الأخرى المناصرة للتغيير. نعم يتم قمع هذه الفئات وبقوة، لكنها أيضا لا تمتلك الطلائع والقيادات القادرة على وضع رؤية محددة للتغيير وعلى المبادرة والفعل، كما أنها تعاني من التشرذم والانقسام والعمل في جزر منعزلة. بل يستسلم بعض رموزها للمغالطات التي نتحدث عنها ويردد بعضهم مقولة إن الشعب فقد كرامته ولا يستحق الحرية!

إن توسيع قاعدة المعارضين وإقناع أنصار النظام بضرورة الاصطفاف ضد الفساد والاستبداد أمر مهم، لكن قاعدة المعارضين أوسع من المؤيدين غير أنها غير فعالة. والمطلوب تحديدا هو وضع غايات وأهداف تجمع هؤلاء على مطالب جامعة، فعودة مرسي والتمسك بالشرعية ليست هدفا جامعا لأن هناك من يعتبر سياسات مرسي ومواقف الإخوان سببا أساسيا من أسباب تمكن الثورة المضادة وتمهيد الأرض لها.

وبالمثل فإن إقصاء الإسلاميين والحديث عن دولة مدنية بلا إسلاميين لا يمكن أن يكون هدفا جامعا، وليس واقعيا في ظل وجود ملايين من المصريين ينتمون إلى القوى ذات المرجعية الإسلامية.

لا يجمع هؤلاء جميعا إلا مطالب ثورة يناير التي فشلت القوى السياسية في الدفاع عنها منذ 12 فبراير/شباط 2011. ولا يمكن تحويل هذه المطالب إلى واقع إلا بتكتل كل أصحاب المصلحة في الثورة في تيار وطني عريض، أو كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية، والتركيز على هدف إستراتيجي محدد هو دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية والشفافية والمحاسبة، وتوحيد جهود كافة القوى وتكامل الأدوار التي تقوم بها، والاتفاق على ترتيبات ومؤسسات حكم انتقالية تكون مهمتها التأسيس لقيام هذه الدولة وتحقيق مطالب الجماهير في التحرر والكرامة والعدالة.

خلاصة القول إن الشعوب تحتاج إلى الحرية والأمن معا، وهي لا تتنازل عن حرياتها وإنما تقهر قهرا على تقييدها. والأمن الذي توفره نظم القمع والاستبداد أمن زائف لا يجلب في النهاية إلا الذل والفقر في الداخل والهزيمة والتبعية للخارج.

ودولة حكم القانون والمؤسسات الديمقراطية وإطلاق الحريات تمثل شرطا أساسيا لتوعية الشعوب ورفع ثقافتها وليس العكس. والطريق إلى هذه الدولة لا يتم إلا بالاصطفاف والتكتل على المشتركات والتوافقات الكبرى وعلى يد طلائع وقيادات واعية وقادرة.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: