image

مفـهــوم الحريــة فــي الإســلام / مع الباحثة وفاء نايف خالد العجمي

مفـهــوم الحريــة فــي الإســلام / مع الباحثة وفاء نايف خالد العجمي

 
(بحث)

المـــقـدمـــة

الحمد لله رب العالمين، القائل {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [1]. والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد:

فإن الأصل في الخلق الإلهي للإنسان “الحرية بكافة أنواعها، حرية فكر، واختيار، وإرادة، ومشيئة، ونحو ذلك مصداقاً لقوله تعالى {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا} [2].

قد اهتم المفكرون والأصوليين بالحرية والإشادة بها، وإنها قيمة من أنفس القيم الإنسانية، ومطلب من أعلى المطالب ضرورة حياتية لا تقل أهميتها عن باقي الضروريات التي لا تستقم حياة الإنسان غالباً إلا بوجودها، بل وأكد عدد من الباحثين الإسلاميين على أن من أهم أهداف الحرية في الإسلام الحفاظ على الضروريات الخمس التي هي [النفس، والدين، والعقل، والمال، والعرض]، لذا آثرنا أنا والطالبة البحث بهذا الموضوع فعنونا للبحث بـ [مفهوم الحرية في الإسلام] هذا البحث يشتمل على مقدمة، وتمهيد، ومبحثين، وخاتمة.

المقدمة: وفيها أهمية الموضوع، وسبب الاختيار.

التمهيد: مفهوم الحرية.

المبحث الأول: مكانة الحرية في الإسلام وصورها.

المبحث الثاني: علاقة الحرية بالمسئولية حدود وضوابط.

المبحث الثالث: مفاهيم خاطئة للحرية.

الخاتمة: وتتضمن أهم نتائج البحث، والتوصيات.

مشكلة البحث:

تتمثل مشكلة البحث، في الجهل والخلط، والمواقف المتطرفة بين الأصناف الفكرية تجاه مفهوم الحرية، ومن هنا نسأل ما مفهوم الحرية في الإسلام؟

وينبثق عن هذا السؤال الرئيس الأسئلة الفرعية التالية:

1- ما مفهوم الحرية؟

2- ما أنواع الحرية؟

3- ما مكانة الحرية في الإسلام؟

4- علاقة الحرية بالمسئولية؟

5- ما هي المفاهيم الخاطئة للحرية؟

أهداف البحث:

1- التعرف على مفهوم الحرية في الإسلام.

2- بيان مكانة الحرية في الإسلام وأنه أول من نادى بها.

3- توضح العلاقة بين الحرية والمسؤولية في ضوء الحدود والضوابط.

4- تسليط الضوء على المفاهيم الخاطئة للحرية.

5- تحقيق الحفاظ على حرية الفكر والتعبير للإنسان، ما دام في حدود الشرع ومصلحة الجماعة، صوناً «لآدميته» المكرمة من الله تعالى.

أهمية البحث:

1- ضرورة تحديد المفاهيم والمصطلحات الخاصة بالحرية من المنظور الإسلامي.

2- ما تحققه الحرية بالمفهوم الإسلامي من الإيمان النفسي والكمال الإنساني والسعادة في الدنيا والآخرة.

3- تأثر المجتمعات الإسلامية بدرجات متفاوتة بتيارات الفكر الغربي، ومظاهر الانحراف الفكري والانحلال الأخلاقي والتمرد الاجتماعي وغيره، بحجة تحقيق الحرية.

منهج البحث:

سيتبع في هذا البحث المنهج الوصفي التحليلي في عرض مفهوم الحرية اللغوي والاصطلاحي، ثم نتبعه بالمنهج الاستقرائي في عرض الأدلة والنصوص الشرعية، الدالة على مكانة الحرية في الإسلام؛ وصورها، وعلاقة الحرية بالمسئوولية .

التمهيد

بيـــان مفهــوم الحريــــة

أولاً: تعريف الحرية لغة:

جاء في لسان العرب[3] أن كلمة الحر من كل شيء هي أعتقه وأحسنه وأصوبه والشيء الحر هو كل شيء فاخر، وفي الأفعال هو الفعل الحسن والأحرار من الناس أخيارهم وأفاضلهم.

ثانياً: تعريف الحرية اصطلاحاً:

تعددت المذاهب في تعريف الحرية واختلفت الآراء في تحديد مصطلح منضبط للحرية، فقد ورد في إعلان حقوق الإنسان الصادر عام 1789 إن الحرية: هي «حق الفرد في أن يفعل ما لا يضر بالآخرين».

ثالثاً: تعريف الحرية في الإسلام:

هي «ما وهبه الله للإنسان من مكنة التصرف لاستيفاء حقه وأداء واجبه دون تعسف أو اعتداء»[4].

رابعاً: تعريف الحرية عند الغرب:

«هي الانطلاق بلا قيد والتحرر من كل ضابط، والتخلص من كل رقابة، ولو كانت تلك الرقابة نابعة من ذاته هو».

فالحرية عندهم تعني أن تفعل ما تشاء وتأكل ما تشاء وتلبس ما تشاء وتعتقد ما تشاء وتنام مع من تشاء فإذا كان هذا هو الحال فما هي النتيجة؟ الجواب مسموع ومشاهد ومعلوم للقاصي والداني، إن أعلى معدلات الجريمة والقتل والسرقة والاختطاف والاغتصاب والشذوذ والخيانة والسكر والانحلال الخلقي الغير مسبوق هذا كله وأكثر موطن البلاد الراعية والداعية إلى الحرية[5].

وحق الحرية عام وشامل وأصل لحقوق متعددة مثل: حرية الاعتقاد، والتدين، وحرية الذات، أو الحرية الشخصية، وحرية التفكير، وحرية الرأي أو التعبير، وحرية العمل والمسكن والتملك والانتفاع، والحرية السياسية، والحرية المدنية، حتى إن إنسانية الإنسان رهن بحريته[6].

المبحث الأول

مكانة الحرية في الإسلام وصورها

للحرية في الإسلام مكانتها السامية، حيث أطلقها هذا الدين الحنيف حتى في اختيار عقيدة الإسلام كما نص على ذلك قوله تعالى:{ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [7] فهو سبحانه بذلك يقرر للإنسان حريته بأمور الإيمان والعقيدة والتوحيد، وهي أسمى الأمور، وحمله مسئولية حريته في ذلك، وهذا هو العدل التام، وأقام عليه الحجة بما أعطاه من حرية قوامها الإرادة والاختيار والعقل[8]. فقال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [9].

وقال تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [10] وقال سبحانه وتعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} [11].

كما من أسرار الشريعة الإسلامية حرصها على تصميم الحرية في الإسلام بكيفية منتظمة، فإن الله لما بعث رسوله بدين الإسلام كانت العبودية متفشية في البشر، وأقيمت عليها ثروات كثيرة، وكانت أسبابها متعددة ومن أهمها : الأسر في الحرب، والخطف في الغارات، وبيع الآباء والأمهات أبناءهم، والرهائن، والتداين، والتداين، فأبطل الإسلام جميع أسبابها عدا الأسر[12].

ومكانة الحرية في الإسلام تتحقق من خلال الحقوق والواجبات باعتبارهما وجهين لعملة واحدة لأن الحقوق من دون أن تقيد بالواجبات سيصبح الفرد غير مرتبط بالآخرين وقد يعرف حقوقه ولا يعرف حقوق الآخرين عليه وبذلك يصبح انفرادياً في تعامله قاصراً عن أداء واجباته.

وقد حرص الإسلام على تطبق مبدأ الحرية في هذه الحدود وبهذه المناهج في مختلف شؤون الحياة، وأخذ به في جميع النواحي التي تقتضي كرامة الفرد وأن يأخذ به في شؤونها وهي النواحي المدنية والدينية ونواحي التفكير والتعبير، ونواحي السياسة والحكم حتى وصل به في كل النواحي إلى شأن رفيع لم تصل إلى مثله شريعة أخرى من شرائع العالم قديماً وحديثاً.

فالإسلام يرى أن إنسانية الإنسان هي رهن حريته إذ لا يمكن أن تتحقق إنسانيته بدون حرية وقد عزز الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة وسيرته العطرة ، مبدأ “الحرية” سواء في التفكير أم في التعبير أم في إعمال الرأي والاجتهاد في أمور الدين والدنيا، حرصاً منه على تكوين الشخصية المستقلة المتماسكة القوية لدى المسلم[13].

والتاريخ الإسلامي مليء بقصص الحرية الواسعة الأبواب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده.

فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما أراد أن يبعث الصحابي الفقيه “معاذ بن جبل” رضي الله عنه إلى اليمن ليعلم الذين دخلوا إلى الإسلام ويفقههم، قال عليه الصلاة والسلام: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟» قال: أقضي بكتاب الله قال: «فإن لم تجد في كتاب الله» قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟» قال: أجتهد برأي ولا آلو. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول الله إلى ما يرضي رسول الله»[14]. كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»[15].

ومن صور الحرية التي نظمها الإسلام:

1- حرية التفكير: فلقد أعطى الإسلام للإنسان حرية التفكير في حدود الآداب العامة والأخلاق الفاضلة، شريطة عدم السب واللعن والكذب والقذف، وكل ذلك بما يتفق مع المبدأ العام. عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «قضى أن لا ضرر ولا ضرار»[16].

2-حرية القول: وإذا كان الإسلام قد أعطى للإنسان حرية التفكير فإنه أعطى له أيضاً حرية القولولكنها ليست مطلقة وإنما هي مقيدة، فالقول الذي فيه إيذاء للآخرين حرمه الإسلام قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [17] وقال صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت»[18].

3-الحرية السياسية: ومن تعاليم الإسلام الحنيف أنه قرر عدم الحجر على الناس في إبداء آرائهم وشرح وجهات نظرهم في الحياة الإنسانية ومن بينها الحياة السياسية، والحرية السياسية ليست إلا فرعاً لأصل إسلامي عام هو الحرية الإنسان، وهذه الحرية التي يقررها الإسلام يحددها قيدها وحث هو التزام حدود القيم الإنسانية فلا يجوز أن يكون الرأي الذي يبديها الإنسان طعناً في الدين أو خروجاً عليه فذلك مخالف للنظام العام في الدولة الإسلامية[19].

4-حرية الكسب والتملك: مما لا شك فيه: أن العمل مكفول لكل الناس، وقد حث الإسلام على العمل أياً كان نوعه ما دام من الأعمال المباحة قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [20].

5-حرية العقيدة: لقد أباحت شرعية الإسلام حرية الاعتقاد بمعنى أنها لا تجبر أحداً على اختيرا معتقد بعينه. وعملت على صيانة هذه الحرية وحمايتها إلى أبعد الحدود قال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [21].

المبحث الثاني

علاقة الحرية بالمسؤولية

حدود وضوابط

إن الإسلام بين علاقة الحرية والمسؤولية في إنها علاقة تلازم وتكامل، لتكون حرية الإنسان إرادة خيرة فاعلة في مسؤولياته بالرغبة والاقتناع، وتكون المسؤولية استثمارا عاقلاً ونافعًا لإرادته الحرة، من أجل مصلحة الفرد والجماعة والمجتمع والأمة والإنسانية جميعًا.

أما الحرية المطلقة بغير قيود ولا حدود، فهي سلوك بهيمي فوضوي مفسد ومدمر، لايليق بكرامة الإنسان صاحب الرسالة، ولا بحياته ومجتمعه. إن حقيقة التلازم بين الحرية والمسؤولية في حياة الإنسان أشبه بحال السائق وقواعد نظام السير: فأنت حر أن تركب سيارتك من ذوقك واختيارك، وتسير حيث تشاء، لكنك مطالب بمراعاة قواعد نظام السير واحترامها، حفاظاً على سلامتك وسلامة غيرك، ولو أردتها حرية مطلقة في الطريق بغير التزام ولا انضباط، جنيت على نفسك وعلى غيرك وعلى النظام العام. والواقع شاهد بالمآسي المفجعة لحوادث السير على مغبة التهور والشطط وخرق حدود الحرية وضوابطها[22].

فلابد لحرية الإنسان من ضوابط تكبح جماحها وتلزمها سمت الاعتدال وتروضها على التفاعل الإيجابي مع الواجب والمسؤولية, فمهما كانت حريتك حقا مشروعا، فهي تنتهي حيث تبدأ حرية غيرك، وأيًا كان حقك فيها فهو قرين الواجب نحو غيرك، وتلك ضرورة الحياة الاجتماعية الإنسانية التي لا تستقيم على الأمن والاستقرار بغير انضباط والتزام.

وبهذا تزول مظاهر الخلط والاضطراب والالتباس الحاصلة في هذا الموضوع، لأن كثيرا من الناس يحكمون أهواءهم وأنانياتهم في فهم الحرية وتقدير المسؤولية وممارستهما. وإنما فسدت أحوال المجتمعات واضطربت وضاعت المصالح والأمن والاستقرار بعاملين رئيسيين:

أحدهما: الإفراط والغلو والشطط في طلب الحرية وممارسة حقها، بغير ضوابط عقلية ولا دينية ولا خلقية، فتصبح تهورا وتمردا تعقبه الشرور والمفاسد.

وثانيهما: التفريط والتقصير في أداء واجب المسؤولية، عن جهل أو تجاهل أو تمرُّد، مما يؤدي إلى ضياع الحقوق والمصالح. لهذا يحرص الإسلام بتشريعه الربَّاني الحكيم على التلازم والتوازن والاعتدال بين الحرية والمسؤولية وما يتعلق بهما من الحقوق والواجبات، كأساسٍ لتوازن الحياة الإنسانية أخلاقيا واجتماعيا وحضارياً[23].

فحين يرعى الإسلام حرية الإنسان، فانه يؤسسها بداية على تحريره هو من كل ما يكبل إرادته ويلغي إنسانيته وكرامته. يحرره في قلبه ومشاعره من سيطرة الأهواء والدوافع الشيطانية الانحرافية, ويحرره في عقله وتفكيره من قيود الأوهام والخرافات والانحرافات الفكرية, ويحرره في بدنه وكيانه من عناصر الظلم والقهر والاستعباد والمهانة, وذلك من أجل أن تبقى كل معاني العبودية والخضوع خالصة لله وحده، وهو الذي أراد لعباده حياة التحرر والكرامة والامتياز قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [24]. ويأتي في هذا السياق مقولة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- المشهورة وهي من حكمة الإسلام: «متى استعبدتم الناس وقد ولَّدتهم أمهاتهم أحراراً»[25].

وحين يرعى مسؤوليته، فإنه يربيه على تقديرها وتعظيم شأنها باعتبارها أمانة: وعهداً مرعياً، وذلك من خصال الإيمان قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ }[26].وفي الحديث عن أنس بن مالك، قال ما خطبنا نبي الله إلا وقال صلى الله عليه وسلم:: «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له»[27], بل يعتبر الإسلام الناس جميعا مسؤولين، كل في دائرته وبحسب استطاعته ووسعه

كما هو البيان الصريح للحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلمأنه قال: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»[28].

وإنما سميت المسؤولية كذلك ووصف الإنسان بها لأنه متبوع بالمساءلة والحساب بموازين الدنيا أولاً ثم يوم القيامة، فان أفلت من الأولى فلا مفر من موازين الحق يوم القيامة مصدقاً لقوله تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ} [29], يوم المحكمة الربانية العادلة، قال تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [30]، وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [31].

لذلك لابد في مقياس تحمل المسؤولية من وجود شرطين متكاملين وهما الأهلية، والأمانة، قال تعالى:{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [32].

وفي صحيح مسلم أنا أبا ذر -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني، قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: يا أبا ذر: أنك ضعيف، وأنها أمانة، وأنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها [33].

لذلك يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقدر أمانة المسؤولية، وإلا نستهين بها، خاصة إذا كانت إشرافاً على مصالح الناس وحقوقهم، فبقدر ما تعظم تكاليفها يعظم حملها ويشتد حسابها يوم القيامة: «إنها يوم القيامة خزي وندامة» لهذا لا يجوز التجرؤ على المسؤوليات بغير اقتدار على إنجازها بصدق وكفاية وأمانة «إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها».

ما أحوج الأمة الإسلامية اليوم، بل العالم كله، إلى فهم الحرية والمسؤولية وممارستهما على نور من شريعة الله تعالى، شريعة الحق والعدل والرحمة والكمال والتوسط والاعتدال. الدين الذي يكلف العباد في غير ما حرج ولا مشقة ولا اعنات، ولا يحاسبهم بما فوق طاقاتهم قال تعالى: {…رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا …}[34]، ولا يؤاخذهم بالخطأ والنسيان والإكراه ولنتذكر أننا بقدر ما نحن أحرار، فنحن مسؤولون أيضاً[35].

المبحث الثالث

مفاهيم خاطئة للحرية

إن الإسلام جعل الحرية حق من حقوق الإنسان، بل وجعلها فريضة وواجباً شرعياً، وضرورة من الضرورات، لا يحل للإنسان أن يتنازل عنها، فهي بمثابة الحياة له، وهي من أهم المكتسبات التي يجب الحفاظ عليها، لذلك من الضروري أن نفهم معنى الحرية، وأن نمارسها بالشكل الصحيح، فهي لا تعني أن نتخطى على حدود الآخرين، ولا أن أسير عكس الاتجاه، ولا تعني أن رأيي فقط هو السليم، كما لا تعني أن لا نتفهم ظروف الآخرين[36]:

لذلك لا يوجد حرية مطلقة في الإسلام، وإلا ما كان للعبودية لله وحده معنى، لأن الحرية المطلقة تقتضي ألا تقيد بأي قيد قال صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»[37] بمعنى إنه لا ضرر بالنفس ولا ضرار بالغير، حيث إن بعض الناس يفهم الجزء الثاني من الحديث [لا ضرار] يعني: لا يجوز أن تضر بغيرك فقط، إما نفسك فلا بأس بالإضرار بها، وهذا غير متحقق في مفهوم الحرية في دينار الإسلامي[38].

لذلك يقولون: حرية الاعتقاد، اعتقد بما تشاء، اعتقد بحجر، بشجرٍ، عمود كهرباء، اعتقد بما تشاء، بلا دين، تكون يهودياً، نصرانياً، بوذياً، سيخياً، هندوسياً، كن ما شئت، حرية اعتقاد، هذا غير موجود في دين الإسلام، فالإسلام يوجب على الناس أن يعبدوا الله ويسلموا له: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [39] فعاقب الله أقواماً على أنهم أشركوا به، وكفروا، فعاقب قوم عاد، وثمود، وقوم لوط، وشعيب[40].

وكثير من الناس يتكلمون عن حرية الرأي، ويدخلون فيها حرية الكفر، ويخلطون بين حرية الفكر، وحرية الكفر، ويسمحون بحرية الكفر ضمن حرية الفكر، وأن تعتقد ما تشاء من المذاهب الضالة، ولذلك عندهم مشكلة حقيقية في حد الردة، وفي حديث: «من بدل دينه فاقتلوه» والمقصود بدينه دين الإسلام، كما بين العلماء في شرح الحديث، فيقولون: من أراد أن يخرج من الدين فليخرج، ولكن في الإسلام الذي يخرج من الدين يقتل، وإلا يصبح الدين بوابة بلا بواب، ولا راع، ولا حارس، ويجترئ الناس على ترك الدين، وعلى ترك الإسلام، وهكذا يصبح الدين ألعوبة، من شاء دخل ومن شاء ترك[41].

كما إن الاعتداء على النفس أو الملك الشخصي لا تعتبر حرية للإنسان، لذلك حرم الإسلام الانتحار أو الإضرار بشيء من الجسد أو الملك في غير مصلحة صحيحة، كما لا يُعتبر الاعتداء على الغير سواء باللسان كالسب أو الأركان كالضرب من الحرية. فمن فعل ذلك فهو من الأشرار لا الأحرار. ومن حدود الحرية: قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [42].

الحرية في الإسلام ليست سائبة ولا مطلقة حتى تهوي بصاحبها إلى قاع الضلال الروحي ودرك الانحطاط الأخلاقي، بل هي حرية واعية منضبطة، فإذا خرج بها الإنسان عن أحكام الدين ونطاق العقل وحدود الأخلاق ومصلحة الجماعة، تمت مساءلته ومحاسبته وإيقافه عند حده ورده عن غيه، منعاً لضرر الفرد والجماعة، وفساد الدين والدنيا[43].

الخاتمة

من خلال البحث في موضوع [مفهوم الحرية في الإسلام] أستطيع أن أوضح أهم النتائج والتوصيات التي توصلت لها على النحو الآتي:

أولاً: النتائج:

1- أن الحرية من أهم القيم الإسلامية ، لأنها فطرة الله التي فطر الناس عليها، ويتميز الإنسان بها عن سائر الكائنات الحية الأخرى.

2- أن المفهوم الحقيقي للحرية هي تمكن الإنسان من أن يقوم بدوره الطبيعي في الحياة دون تعسف أو الإضرار بالآخرين.

3- إن تمام حرية الفرد تكمن في قمة عبوديته لله تعالى، وتخلصه من عبودية ما سواه، وهذا يتحقق بمجرد دخول الإنسان دين الإسلام.

4- إن حرية الاختيار بالنسبة للدين تكون عند لحظة الاختيار الأول، أما بعد الدخول في الإسلام فهو ملزم باتباع كل أوامره واجتناب كل نواهيه، تحقيقاً لمسئوولية الاختيار.

5- أن دوافع الأفعال شرعية ، وليست من هوى النفس، أو إملاءات الشهوة، وهذا هو الفرق الأساسي بدين الحرية والتفلت.

6- الحرية الحقيقية في علاقتك بالآخرين تعني ارتباطك بهم طبقاً للقواعد الشرعية، وليست وفقاً لقدرتك على غلبتم وقهرهم، وانتزاع حقوقهم.

7- إن إحساسك بالعلاقة بينك وبين الآخرين ينمي فينا حسن المسئوولية وأداء الأمانة.

8- أن للحرية صور نظمها الإسلام، ومنها حرية التفكير، والقول، والحرية السياسية، وحرية الكسب والتملك والتنقل، وحرية العقيدة، والتي هي من أحلى الصور في الإسلام.

ثانياً: التصويبات:

1- ضرورة توجيه طلاب العلم الشرعي والباحثين للاهتمام بالعلوم المتعلقة بالحرية والمسئولية ، دراسة وفهماً وبحثاً وتأصيلاً.

2- التأكيد على أهمية إقامة مؤتمرات، وندوات محلية، ودولية، في مجال الحرية ومكانتها، وحدودها وضوابطها.

3- التأكيد على ضرورة تأصيل مفهوم الحرية في الإسلام لدى طلاب العلم في كافة المراحل، وتدريسها كمقررات اختيارية في الجامعات والتعليم العالي.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

المصدر: مجلة البحوث والدراسات الشرعية

[1] سورة فصلت، آية رقم 46.

[2] سورة الكهف، آية رقم 29.

[3] 4/181 مادة حر.

[4] انظر: مفهوم الحرية من المنظور الإسلام لـ يوسف محمد أبو سليمة ص/2.

[5] انظر: مفهوم الحرية عند الغرب، روبرت دال، ترجمة نمير عباس مظفر ص/517.

[6] انظر: حقوق الإنسان في الإسلام للدكتور/ ومحمد الزحيلي ص185 وما بعدها، الحريات في النظام الإسلامي ص88-29، حقوق الإنسان في الإسلام ص/91-95.

[7] سورة الإنسان، آية رقم 3.

[8] انظر: فلسفة التربية الإسلامية في القرآن والسنة ص/196.

[9] سورة البقرة، آية رقم 256.

[10] سورة يونس، آية رقم 99.

[11] سورة الغاشية، آية رقم 21-22.

[12] انظر: مفهوم الحرية من المنظور الإسلامي ص/6.

[13] انظر: مفهوم الحرية من المنظور الإسلامي ص/6.

[14] أخرجه: أبو داود، كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء 2/327، الحديث رقم 3592-3593، والترمذي في سننه، كتاب باب ما جاء في القاضي كيف يقضي، 3/616 الحديث رقم 1327-1328 وقال الترمذي: هذا الحديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي متصل.

[15] أخرجه: مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً ، دون ما ذكره صلى الله عليه وسلم من معايش الدنيا على سبيل الرأي ص/1110، الحديث رقم 2363.

[16] أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره ص/414 الحديث رقم 2341.

[17] سورة البقرة، آية رقم 83.

[18] أخرجه : البخاري في صحيحه كتاب الرقاق، باب ما يكره من قيل وقال ص/1046 الحديث رقم 6475.

[19] انظر: الحرية في منظور الإسلام ص/3-4.

[20] سورة البقرة، آية رقم 168.

[21] سورة البقرة، آية رقم 256.

[22] انظر: الحرية والمسئوولية في الإسلام على الموقع الإلكتروني مسك ص/2.

[23] الحرية والمسئولية في الإسلام على الموقع الإلكتروني مسك ص/2.

[24] سورة الإسراء، آية رقم 70.

[25] أخرجه: ابن عبدالحكم في فتوح مصر وأخبارها ص/290، وأورده محمد بن يوسف الكاندهلوي في حياة الصحابة، باب عدل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه 2/88.

[26] سورة المعارج الآية رقم 32.

[27] أخرجه: الإمام أحمد في المسند 3/135، وأبي شيبة في مصنفه 5/159 والبيهقي في السنن ، شعب الإيمان 4/78.

[28] أخرجه: البخاري في صحيح، كتاب العتق، باب العبد راع في مال سيده ونسب النبي صلى الله عليه وسلم المال إلى السيد، ص/410، الحديث رقم 2558، كتاب النكاح، باب قوله تعالى: ]قو أنفسكم وأهليكم نار[ ص/867 الحديث رقم 5188، ومسلم في صحيحه كتاب الإمارة باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم ص/886/887 الحديث رقم 1829.

[29] سورة آل عمران، الآية رقم: 30.

[30] سورة الحجر ، الآية رقم 93.

[31] سورة الصافات ، آية رقم 24.

[32] سورة القصص، آية رقم 5

[33] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة ، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة ص/885 الحديث رقم 825.

[34] سورة البقرة، الآية رقم 286.

[35] انظر: الحرية والمسؤولية في الإسلام على الموقع الإلكتروني مسك ص/3.

[36] انظر: الحرية وحقوق الإنسان من المنظور الإسلامي ص/2-3.

[37] سبق تخريجه ص / 7.

[38] انظر: مفاهيم خاطئة للحرية ص/3.

[39] سورة آل عمران، الآية رقم: 85.

[40] انظر: مفاهيم خاطئة للحرية ص/4.

[41] انظر: مفاهيم خاطئة للحرية ص/4.

[42] سورة الحجرات ، الآية رقم: 11-13.

[43] انظر: فلسفة التربية الإسلامية في القرآن والسنة ص/459.

رسالة الإسلام

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: