مفهوم السلام عند السيد المسيح عليه السلام ( ليلى العود )

في ظل أجواء من الكراهية والحروب والفوضى والمجون والجاهلية والسلام المزيف والمزعوم احتفل العالم بما فيه العالم الإسلامي المقلد بالسنة الميلادية الجديدة 2014 باحتفالات لا تمت برسالة صاحب المناسبة بأي صلة وهو السيد المسيح عليه السلام
فتعالوا  في ظل الحديث عن السلام المزعوم نعود إلى مدرسة السيد المسيح عليه السلام لنفهم منها معنى السلام العالمي الحقيقي حتى تعود إنسانية الإنسان في عالمنا …
وسأبدأ  بالوقوف عند  الفترة  التي سبقت بعثة المسيح عليه السلام وهي فترة لا تقل فوضى وجاهلية عن عالمنا اليوم وعم فيها سلام – كالسلام الذي يراد فرضه اليوم في عالمنا – وكان بالتنسيق بين حاكم اليهود ببيت المقدس هيرودوس و امبراطورية الشر الامبراطورية الرومانية التي أكملت هيمنتها في 31 ق.م على أغلب مناطق العالم مثل منطقتنا شمال إفريقيا و منطقة آسيا الصغرى وسوريا وبلاد غوليا ( Gaule) التي كانت تشمل سابقا فرنسا وبلجيكا وإيطاليا الشمالية …. وفي سنة 31 ق.م سقطت الاسكندرية إثر معركة ” أكسيوم – Actium” الي دارت بين القائدين الرومانيين أوكتافيوس ابن يوليوس قيصر بالتبني وأنطونيوس مرقص الذي وقع في حب ملكة مصر كليوباترا …وانتهت هذه المعركة بهزيمة أنطونيوس وانتحاره وانتحار كليوباترا من بعده حزنا عليه وعلى سقوط وطنها …وقضى اوكتافيوس بعد انتصاره على النظام الجمهوري في روما وأعلنها امبراطورية وأصبح أول امبراطور لها ولقب بأوغسطس ( AUGUST) ووضع يده في يد السفاح هيرودوس حاكم بني إسرائيل ببيت المقدس ليفرضا نظاما عالميا يقوم على هيمنة عقائدية وثقافية ضيق معها الحناق على كل من مازالوا يعبدون خالقهم وعلى كل فكر نير لتتعداها إلى هيمنة اقتصادية تنهب فيها ثروات الشعوب وتفرض ضرائب مشطة يوزع القسط الأكبر منها على أتباع وانصار وجواسيس النظام العالمي الفاسد والظالم وعلى الكهنة ببيت المقدس مكافأة لهم على تحريف شريعة الله وتعويضها بالشعوذة والخرافة وبما يخدم أهواء وشهوات الطغاة ومصالحهم لتغرق الشعوب في جهل فظيع وفقر مرير ولم تملك إلا الخضوع لهذا النظام العالمي – الذي أباح حتى زواج المحارم – إما خوفا من البعض وعدم قدرتهم على التمرد والمقاومة وإما مباركة من البعض الآخر لمصالحهم مع هؤلاء الطغاة
…وبهذا استعبدت الشعوب وعم سلام عالمي أخضع وركع له الجميع ولم يبق معه من بقية الله على الأرض إلا قلة تدعو الله لينجلي هذا السلام الباطل والظالم …ومن بين هؤلاء القلة آل عمران الذين اصطفاهم الله ببعث مخلص العالم من بينهم وهو عيسى عليه السلام الذي بشر بقدومه النبي يحيى عليه السلام… ولكن طغاة العالم تآمروا على يحيى عليه السلام لأنه كان يذكرهم بشريعة الله وبضرورة التمسك بها حتى يتحقق العدل كما كان يبشرهم بقرب قدوم مخلص العالم من طغاته لكنه قتل من قبل اليهود الذين كانوا يحرفون شرع الله و يحاربون كل من يتمسك ويذكر به …إلى أن بعث عيسى عليه السلام ليصحح مفهوم السلام ويسقط السلام الذي بني على تركيع العالم لنظام باطل وفاسد وظالم فقال عليه السلام: ” ما جئت لأرسي سلاما بل سيفا …فإني جئت لأجعل الإنسان في خلاف مع أبيه والبنت مع أمها والكنة مع حماتها …من أحب أمه أكثر مني فلا يستحقني ”
والسيد المسيح لم يقصد بكلامه هذا التحريض على العقوق ولم يقصد بالسيف سيف الاقتتال أو الفتنة بل يفهم أنه جاء ليحقق الحرية الفردية ويحرر الانسان من التبعية لذلك النظام الفاسد حتى في صلب العائلة الواحدة إذ لا مجال كما قال القرآن ” هذا ما وجدنا عليه آباءنا ” ولا مجال لطاعة كبراء هم في ضلال كما جاء في القرآن أيضا ” ( وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا )خصوصا إن كان الآباء والحكام في ضلال
فسيف المسيح عليه السلام هو ذلك السيف الذي يفصل الناس إلى صفين بعدما يختار كل صف وبكامل الحرية بين شريعة الله وشريعة الحكام المتألهين والظالمين والفاسدين ويركع لها العالم باسم سلام جاء السيد المسيح عليه السلام ليحاربه ويحرر الإنسان وإرادته ومطالبا بحق الشعوب في الاطلاع على شريعة الله الحقيقية بعدما طالها التحريف من كهنة بني إسرائيل ومطالبا بحق الشعوب في اختيار هذه الشريعة كنظام حياة يشرف على تطبيها قادة شرفاء من حقهم الوصول للقيادة ..ولا سلام حقيقي إلا مع شريعة الله القائمة على العدل والحرية الحقيقية والأخلاق والإخاء وهو السلام التي تسعى إليه شعوبنا في عصرنا …لكن طغاة العالم يقفون الآن ضد تحقيقه ويحاصرونه في كل مكان باسم الحرب على الإرهاب ليسود سلامهم الباطل الذي خططت له نفس الأمم ونصبوا عملاءهم على الأمة الإسلامية وفرضوا نظاما عالميا على هذه الشعوب بغطاء حوار الأديان والثقافات والحضارات وتحت شعارات عديدة كالحرية والحداثة والاعتدال ونبذ التطرف والتسامح وبتواظئ منظمات وجمعيات تحت مسميات مغشوشة كحقوق الإنسان لتغرق الشعوب في النهاية في الجهل والفقر والبطالة وانهارت المجتمعات بانهيار الأسرة التي عمل الطغاة على تفكيكها وتغيير مفهومها ودورها لترتفع بذلك نسبة الطلاق وونسبة الفواحش التي خلفت الآلاف من أبناء الزنا كما ارتفعت نسبة الجرائم التي تزهق معها الأرواح كأسهل ما يكون إلى أن انعدم في النهاية كل ما يثبت الإنسان إلى إنسانيته
وهكذا هو النظام العالمي الذي تستباح فيه كل المحرمات ويسعى الطغاة وعملاؤهم إلى إخماد كل صوت يعارضه ويسعى إلى تغييره لتستسلم الشعوب إلى سلام الشرق الأوسط الجديد أو بالأحرى الشرق الأوسخ القديم الذي ركعت فيه الشعوب لسلام أوغسطس وهيرودوس الكبير حاكم بني إسرائيل وقاتل أطفال بيت لحم ومن بعده ابنه هيرودس أنتيباس قاتل يحيى عليه السلام وصولا الى عصرنا مع الصهاينة قتلة رجال المقاومة والشرفاء
فهل أصبح العالم الآن في حاجة ملحة لعودة السيد المسيح عليه السلام ليفصل بين الحق والباطل ويحقق للشعوب السلام العادل؟ وهل أن انطلاق ثورة تونس والتي امتدت إلى شعوب أخرى هي التي بدأت تزعزع السلام الموهوم وتظهر أهل الحق والباطل بوضوح ولم يعد يفصلنا على إعلاء الحق على الباطل إلا ظهور القائد الذي سيقود هذه الشعوب الثائرة والمتطلعة إلى هزيمة دولة الباطل ودولة الشيطان؟
نحن مع سلام عيسى عليه السلام لا مع سلام الطغاة الذين تنبأ لهم أنبياؤهم أن لا سلام يقام على دولة الباطل وعلى دماء الأبرياء وفرض شريعة الغاب …كما تنبؤوا لهم أن لا سلام يقام ببناء الجدران الفاصلة
فلو كان بنو إسرائيل يؤمنون بكتبهم لما بنوا جدار الفصل والكراهية والتمييز وقد نبأتهم كتبهم بمصير هذا الجدار إذ تقول نبوءة النبي حزقيال ./” لأنهم حقا أظلوا شعبي قائلين ” سيكون لكم سلام …فكان شعبي يبني حائطا وهم يطلونه بماء الكلس …قل للطالين بماء الكلس أن الحائط يتداعى إذ ينهمر مطر جارف …و أنتن يا حجارة البرد تساقطن …ولتعصف به ريح جائحة فلا يلبث السور أن ينهار …فيتلاشى السور والذين يطلونه الذين هم أنبياء إسرائيل الأدعياء المتنبؤون لإسرائيل – الذين يرون لها رؤى سلام مع أنه لا سلام هناك يقول السيد الرب – كتاب حزقيال – الإصحاح 13 ”
هذا هو مصير جدارهم العنصري حسب كتبهم لأن السلام ليس ببناء الجدران الفاصلة وليس بمحاربة إيمان الآخرين باسم الحرب على الإرهاب وليس بنهب ثروات الشعوب
فليت المنخرطين في هذا النظام العالمي الباطل ينقذون أنفسهم من التبعية للباطل و أهله قبل عودة السيد المسيح عليه السلام وحكم العالم بالإسلام رغما عن الطغاة وقبل أن يجد أتباع هؤلاء الطغاة أنفسهم بين يدي الله وقد تبرأ منهم المتبوعون : ( وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ

إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ

وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ

حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ – سورة البقرة )

 
( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ

اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ

قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم بَلْ

كُنتُم مُّجْرِمِينَ – سورة سبأ )

وختاما …
أنهي مقالي بقول إن كان هناك حلف مسيحي إسرائيلي يؤمن بعودة السيد المسيح عليه السلام وأن الله قد أعطى لهم  كما يدعون قيادة العالم لتطهيره من الأشرار – وهم المعارضون لهم وخاصة المسلمون منهم  – و إن كانوا   يحضرون لعودة السيد المسيح عليه السلام من خلال معركة هرمجدون الكبرى التي يباد فيها كل المعارضين للنظام العالمي الفاسد – وقد قال في ذلك رئيس الأمريكي ريغان الذي لم يتوقف في انتخابات الرئاسة عن الحديث عن هرمجدون،أي الحرب الكبرى بين إسرائيل وأعدائها : ” إن نهاية العالم قد تكون في متناول أيدينا … إن هذا الجيل بالتحديد هو الجيل الذي سيشهد هرمجدون “. وقد كان ريغان يظن أن التزامه القيام بواجباته ومنها إضعاف المسلمين والعرب تمشيا مع ارادة الله” –   فإن  كان هذا الحلف يؤمن بمجيئ المسيح ولكنه لن يكون إلا مسيحهم الدجال الذي  يقيم لهم دولة المادة والطغيان و دولة الشيطان  فإننا نحن كمسلمين نؤمن أيضا بحرب ينتصر فيها أهل الحق ويتكلم فيها الشجر والحجر ونؤمن أيضا بعودة السيد المسيح عليه السلام الذي سوف لن يقف مع هؤلاء الطغاة الذين يحاربون شرع الله والمؤمنين به  بل سيقف مع الشعوب الثائرة ليحقق لها الحرية الحقيقية والعدل والعلم والسلام الحقيقي وسيسقط هذا النظام العالمي الذي استباح فيه الطغاة كل الحرمات والمحرمات والأرواح
فهنيئا لمن سيثبت للنهاية ويكون من جند المسيح عليه السلام ومن جند الإسلام الذي سيسود العالم ويحكم به عيسى عليه السلام  رغما عن طغاة العالم  ومجانينه وعملائهم

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: