مكافحة الارهاب و دولة القانون.. المعادلة الغائبة (أحمد الرحموني)

ربما يبدو هذا الموضوع في السياق الذي نعيشه من الاشكالات البارزة التي تواجهنا خصوصا بعد القرارات الاخيرة لرئاسة الحكومة التي اتخذت على اثر العملية الارهابية بجبل الشعانبي وما خلفته من خسائر فادحة في صفوف الجيش الوطني . ومن الاكيد ان عددا كبيرا قد راى في تلك الاجراءات ردا ضروريا و مطلوبا لمقاومة المظاهر المشجعة على الارهاب و التصدي لدعوات العنف و التكفير التي تغذي الانشطة الارهابية .

و لكي نتجنب منذ البداية كل التباس بشان الحديث عن الحدود القانونية للاجراءات التي سنتها الحكومة من الواجب التاكيد بان تلك القرارات الحكومية –  التي تضمنت الايقاف و الغلق وتقييد حرية التعبير – يمكن احتمالا تفهمها اذا كان من الثابت يقينا انطباقها على الاشخاص و المؤسسات التي لا شك في ارتباطها بالشبكات الارهابية لكن الامر في الواقع على خلاف ذلك بالنظر الى ان انطباقها يشمل الاشخاص او المؤسسات “المشتبه” في مشاركتهم او مشاركتها في الانشطة الارهابية او تعاونهم مع الارهابيين.

ولهذا السبب وبهدف ان تتم مكافحة الارهاب بصفة ناجعة كان من الضروري التفكير حول السبل الملائمة لمطابقة التدابير المتخذة في هذا الشان مع مقتضيات دولة القانون .فلا مجال بطبيعة الحال لاي تبرير يضفي مشروعية على الارهاب او يعطي الحق لاي كان لقتل الابرياء.
فمن الواضح ان الارهاب لا يخدم اية قضية مهما كان وزنها او موقعها بل يعمد الى تلطيخها و الاساءة اليها.
الا ان افة الارهاب – وان كانت تستدعي ردا صارما لا يقبل المهادنة-فلا يجب ان يكون هذا الرد عاطفيا بل يقتضي الحال ان يكون متعقلا .ومعنى ذلك ان ما تدفع اليه العمليات الارهابية من غضب و خوف وشعور بالعجز لا يجب ان يمنعنا من التفكير السليم .واضافة لذلك فمن الوهم ان نعتقد ان القوة العسكرية يمكن لها وحدها ان تقضي على الارهاب .فالاعتماد على القوة يمكن في بعض الحالات ان يكون الحل الوحيد لتحييد المجموعات الارهابية لكن ليس بامكان تلك القوة بمفردها القضاء على الارهاب.

وعلى هذا الاعتبار فان مكافحة الارهاب لا يجب ان تنفصل عن عنصر ضروري وهو احترام حقوق الانسان.
فلا يجب مطلقاونحن نقاوم الارهابيين ان تهن عزائمنا فيدفعنا ذلك الى محاكاتهم.ولهذا السبب كان من واجب الدولة ان تسهر على احترام الحدود القانونية التي تفرضها المعايير الدولية والقيم الديمقراطية التي نسعى الى ترسيخها.
فلا يجب ان يغيب عن نظرنا ان المجموعات الارهابية يمكن ان تحقق” انتصارات”
– لا قدر الله -اذا ما عمدت الحكومات- في ردها على اعمال العنف و الارهاب – الى تجاوز سلطاتها القانونية و الاعتداء على الكرامة البشرية و الحريات الشخصية .فمثل هذه التجاوزات و الاعتداءات لاتصطبغ فقط بعدم الشرعية بل يمكن استغلالها من قبل الارهابيين انفسهم وذلك بمساعدتهم على استقطاب مؤيدين جدد واشاعة اجواء العنف و الترهيب.

وبناء على ذلك فلا يمكن التضحية بحقوق الانسان تحت عنوان مكافحة الارهاب خلافا لما يعتقده عدد كبير من المثقفين و الناشطين بالمجتمع المدني .كما لا يمكن التسليم بان الدفاع عن حقوق الانسان يتناقض مع مقاومة الارهاب .فعلى خلاف ذلك يبقى المبدا الجوهري المتعلق باحترام كرامة كل شخص – اضافة الى الضمانات المتصلة بالحريات – احد الاسلحة الاكثر قوة لمكافحة الارهاب .
ولهذا فان الدفاع عن حقوق الانسان والسعي الى احترامها وتطبيق المعايير الدولية في هذا الشان يجب ان تبقى الاركان الاساسية لمجابهة الارهاب .

أحمد الرحموني رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء

باردو في 23 جويلية 2014

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: