مكانة الثورات العربية من دروس الهجرة النبوية:( بقلم ليلى العَوْد )

حل علينا عام هجري جديد جعله الله مباركا على أمتنا ويعاد عليها بالعزة والكرامة والنصر على أعدائها وعملائهم

وأود بهذه المناسبة الوقوف على معانى الهجرة وعلى بعض دروسها التي غيرت مجرى الصراع بين الحق والباطل ونستجلي معا مكانة الثورات العربية من هذه الدروس

فالهجرة حسب الشيخ محمد متولي الشعراوي – رحمه الله – هجرتان: هجرة بالقلب إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهذه الهجرة هي الهجرة الحقيقية وهي الأصل وتتضمن ” من ” و ” إلى” فيهاجر الإنسان بقلبه من محبة غير الله إلى محبته سبحانه وتعالى , ومن عبودية غيره إلى عبوديته والذل بين يديه والخضوع له والتوكل عليه لا على غيره

ومن هنا كان قول سيدنا إبراهيم عليه السلام : ” إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم العنكبوت – 26 “…وهذا بعينه معنى الفرار إلى الله :” ففروا إلى الله -الذاريات- 50 ” …الفرار الذي يتطلب هجرة كل ما نهانا الله عنه

ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ” المهاجر من هجر ما نهى الله عنه

والهجرة الثانية هي الهجرة بالجسد من مكان لآخر لغرض ما كالبحث عن العمل ولطلب علم ولكن يبقى أعظم غرض الدعوة لله وإعلاء كلمته والجهاد في سبيله

عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه

و هجرة الرسول صلى اله عليه وسلم هي درس للمستضعفين في الأرض الذين عليهم أن لا يرضخوا لقوى البغي ويسعوا من خلال الهجرة إلى نصرة الحق إذا انعدمت لديهم وسائل وسبل نصرته في المكان الذي يقيمون فيه وعلا فيه باطل المفسدين في الأرض

إن الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا- 97 – إلا المستضعفين من الرجال واالنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا- 98- النساء”

وقوى الباطل هم أصلا يسعون لإخراج أهل الحق وإبعادهم كما نرى في عصرنا من نفي للمعارضين لسياسة المفسدين وقتلهم وسجنهم حتى يتسنى لهم إعلاء باطلهم في أجواء هادئة وبعيدة عن أي معارضة ككفار قريش الذين خططوا إلى إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم الذي عز عليه فراق مكة فواساه الله بهذه الآية الكريمة : و إن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها و إذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا -الإسراء -76″

و بالفعل وقعت غزوة بدر بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم بقليل وقتل فيها أكثر الذين دبروا لإخراجه صلى الله عليه و سلم كأبي جهل و أمية بن خلف معذب بلال و عتبة بن ربيعة و أخيه شيبة و الوليد بن عتبة و لم يلبثوا في مكة بعد هجرة الرسول صلى الله عليه و سلم إلا قليلا كما وعد الله رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يتمتعوا لا بالسيادة و لا بالأرض و لا بالإيمان و خسروا الدنيا و الآخرة

وتلك هي سنة الله التي لا تتحول وها قد رأينا بعد سقوط الطاغية زين العابدين بن علي كيف عاد إلى تونس الذين هاجروا من الوطن وخرج هو ذليلا و كشف الله كل جرائمه التي ارتقت الى مستوى الخيانة العظمى التي مازال يضر عليها ذيوله وزبانيته

فليت هؤلاء الذيول والزبانية وأصحاب الباطل وليت المتآمرين على أمن دولنا والخادمين لأجندات الغرب في أوطان الأمة الإسلامية بما فيها تونس أن يهجروا هذه الأجندات ويهاجروا إلى ربهم وإلى الحق وإلى تطلعات الشعوب لأنهم مهما قاموا من تآمر ومهما خططوا لإجهاض الثورات فإن الأمور قد فلتت من أيديهم وتشتت أوراقهم ولن يحلم أي كان بإعادة الشعوب إلى القمقم بعد ثورة تونس أو أن يعود العالم إلى ما كان عليه قبلها كما كان الأمر مع هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي هجرة غيرت وجه العالم ولم يقدر الكفار والمنافقون السيطرة على المد الإسلامي الذي تعاظم مع هذه الهجرة

فالله غالب على أمره وستتواصل بإذنه هذه الثورات المباركة لتصبح عالمية وتسقط نظاما عالميا ما قدم للشعوب إلا الظلم والبغي ونهب الثروات و التعدي على الهويات لطمسها وفرض ثقافة تقوم على الإلحاد والشذوذ وكل ما يخرج الإنسان من إنسانيته

فلا يعتقد أصحاب الباطل أنهم سيظلوا متحكمين أمنيا وسياسيا وثقافيا وعقائديا في رقاب الشعوب بل نحن وصلنا اليوم بفعل الثورات المباركة إلى احتدام المعركة بين الحق والباطل

فأصحاب الباطل سقط في أيدهم بقيام الثورات وتتعرى مكائدهم ومخططاتهم يوما عن يوم لذلك لا نترقب منهم إلا مزيدا من الفوضى والتفجيرات هنا وهناك وإلقاء كل ما لديهم من ورقات شرهم لاستمرار باطلهم و كذلك الشأن بأصحاب الحق فإنهم مستعدون اليوم إلى كل التضحيات وغير مستعدين للتخلي عن الحريات وبعض الحقوق التي تحققت لهم بفعل هذه الثورات

وصدق الشيخ محمد الغزالي لما وصف فترة احتدام الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل – وهو ما نعيشه اليوم – فقال : ” إذا احتدمت المعركة بين الحق والباطل حتى بلغت ذروتها، هناك ساعة حرجة يبلغ الباطل فيها ذروة قوته ،ويبلغ الحق فيها أقصى محنته. والثبات في هذه الساعة الشديدة هو نقطة التحول والامتحان الحاسم لإيمان المؤمنين سيبدأ عندها ، فإذا ثبت ، تحول كل شيء عندها لمصلحته وهنا يبدأ الحق طريقه صاعداً ويبدأ الباطل طريقه نازلاً وتقرر باسم الله النهاية المرتقبة “./ انتهى قول الغزالي

وإني لأرى أن مرحلة الثورات العربية بلغ فيها أصحاب الباطل ذروتهم في البطش والتآمر ونستشعر أنهم في موقع دفاع في معركة وجود حقيقية كما يعيش أصحاب الحق أشد محنتهم للوصول إلى خارطة طريق حقيقية و ليس خارطة طريق يفرضها الصهاينة على الأمة أو خارطة طريق يفرضها الرباغي الراعي للحوار في تونس لتنصيب من يقمع إرادة الشعب ويستعبده من جديد وإني أعتبر أن هاتين الخارطتين متحدتان وتتقاسما الأدوار ولا تنفصل أحدهما عن الأخرى

فهنيئا لمن سيثبت إلى نهاية خارطة طريق أصحاب الحق وهو طريق معبد بكثير من التضحيات والحكمة والصبر والآلام والدماء

فسنة الله لا تتبدل ولا تتغير في نصرة أصحاب الحق وإن طال أمد الباطل ومهما تسلح أصحابه بكل وسائل القوة الماديبة والبشرية

فعبر العصور لم يكن فارق العدة والعتاد بين أطراف الصراع هو المحدد للنصر والهزيمة بل ما حددهما هي الرسالة التي يؤمن بها كل طرف ومدى التضحية من أجلها وإعلائها …و قد ثبت أن أصحاب الباطل لم يحملوا رسالة إنسانية وخالدة بل صارعوا الحق من أجل مصالحهم ومن أجل طمس دين الله الذي يرونه يقف أمام مصالحهم وشهواتهم ووجودهم لذلك كانت الهزيمة مآلهم لأنهم ماكانوا يحاربون إلا خالقهم ودينه  وأنفقوا أموالهم من أجل حربهم على الله و على المؤمنين بأحكامه …ولكنهم لم يعلموا أن من غالب الله غلبه

وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( يوسف – 21 )

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ( الأنفال -36)

فهنيئا لأبناء شعوب الأمة الإسلامية والعربية الذين سيهاجرون إلى الله ويهجرون كل ما خدروا به من عقود خلت و كل ما يجعلهم سلبين وغير فاعلين في فرض واقع مغاير على أصحاب الباطل وهو واقع منوط بعد ثوراتنا المباركة بعهدة الاحرار من نساء ورجال بالتساوي وهي المساواة الحقيقية بين المرأة والرجل وليس تلك المساواة التي يطالب بها رجال ونساء مشبوهو  الانتماء ولا يرون في المساواة إلا تغيير أحكام الله في الميراث وزواج المسلمة بغير المسلم و إعطاء المرأة لقبها لأبنائها وغيرها من المفاهيم المبهمة للمساواة

فدور المرأة اليوم لا يقل عن دور الرجل في المضي قدما بثوراتنا حتى تحقيق كامل أهدافها وهو دور غيب سابقا بالحرية المغشوشة وهي حرية جعلوا المرأة فيها مجرد ديكور في المحافل السياسية دون أن يكون لها موقف ورأي من القضايا المصيرية للأمة بل كانت شأنها شأن الرجل تصفق وتؤيد ولا يسمح لها بأن ترى أبعد من أرنبة أنفها وأصابع قدميها من قضايا أمتها

لذلك كان الرهان عبر عقود على إسقاط المرأة وتخديرها وهو ما صرح به مثلا الصهيوني {مالحوم اخنوف }صاحب فكرة : ستار أكاديمي حيث قال في حوار معه أنهم يخططون لغزو البنات المسلمات

ولما سئل لماذا البنات بالتحديد

أجاب : نخطط لغزو البنات المسلمات لأننا نعلم إذا انحرفت المسلمة سينحرف جيل كامل من المسلمين وراءها

ولما سأله محاوره بماذا تصفون غزوكم للمرأة المسلمة ؟

أجاب : نحن اليوم نحرص على غزو المسلمه وافسادها عقليا وفكريا وجسديا أكثر من صنع الدبابات والطائرات الحربية !!

نعم هكذا فعلوا في تخدير المرأة هم وعملاؤهم بأوطاننا …لذلك على المرأة المسلمة اليوم أن تعي بدورها في نصرة قضايا الأمة ..فنحن إن عدنا إلى فترة الهجرة فإننا نرى ما كان لأسماء بنت أبي بكر من دور عظيم وما تكبدته في حمل الأخبار والغذاء للرسول صلى الله عليه وسلم وأبيها أبو بكر الصديق وقطعها الطرق الوعرة للوصول إلى غار ثور بالرغم من أنها حامل في شهورها الأخيرة

وهو دور يسمى اليوم بالدور اللوجيستي ولكنه لا يخدم قضايا الأمة بل يقوم به حكام الأمة واتباعهم لصالح الأعداء ويقدموا لهم كل التسهيلات والثروات والقواعد العسكرية والاخبار من أجل التغلغل أكثر فأكثر في أراضي الأمة ونهب ثرواتها ومتابعة أبنائها الشرفاء باسم الحرب على الإرهاب

وآن لهؤلاء العملاء أن يخجلوا من أنفسهم ويكفوا عن نصرة أعداء الأمة ويعودوا للتاريخ ليقفوا على مصير العملاء بعد قضاء الغرب حاجتهم ومصالحهم منهم

أنهي مقالي متمنية أن نهجر جميعنا كل ما يبعدنا عن الله وعن قضايانا المصيرية ومصالح الأمة العليا وأن نحدد مواقفنا من الحق والباطل ونثبت في طريق الحق ونستعد لكل التضحيات للوصول إلى فجر يوم جديد ينعم فيه العالم بسلام حقيقي وليس كذلك السلام الذي يراد به استعباد الشعوب وقهرها وتنصيب عملاء عليها يمعنون في إذلالها وطمس هوياتها والوقوف أمام حرية معتقدها وفرض نظام عالمي يحارب الأخلاق بكل الطرق والوسائل

والنصر آت بإذن الله

وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ

بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( الروم)

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: