من الخندق إلى غزة…: د. علي بن عمر بادحدح

وصية الله سبحانه وتعالى لكم في كل آن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران: 102).
معاشر المسلمين..
نقلت لكم من قبل مقولة الحسن البصري: “إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار”، وما من شك في أن سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم هي كذلك نبراس وضياء نتلمس به الطريق في ظلمات الشبهات وإغراءات الشهوات، ومن ثم رُوي عن الحسن بن علي أنه قال: “كنّا نُعَلَّم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نُعَلّم السورة من القرآن”، ومن عجب أن الله جل وعلا نصب لنا القدوة المثلى في كل شأن من شؤون الحياة، وفي كل ميدان من ميادينها، وفي كل ظرف من ظروفها، وفي كل وقت وزمان، وفي كل عصر وأوان: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (الأحزاب: 21).
وأنتقل بكم الآن إلى ومضات من بعض أحداث سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم لنرى في ضوئها ما نحتاجه اليوم، ولنرى في أحداثها ومواقفها ما كأنه شريط لما يجري في واقعنا في هذه الأيام.
في شهر شوال الذي نحن فيه من العام الخامس من الهجرة النبوية كان حدث عظيم له ما بعده في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأبدأ الحدث بتداعي زعماء اليهود من بني النضير سلام بن أبي حقيق وحيي بن أخطب وكنانة النضري وغيرهم الذين بدؤوا جولة للتأليب والتحزيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى صحابته وعلى الإسلام الدين الجديد، فذهبوا إلى قريش ودعوها دعوة خبيثة إلى حرب الرسول صلى الله عليه وسلم، وقالوا: سنكون معكم حتى نستأصله.. كذا ورد النص في سيرة ابن هشام وغيره، وهنا قالت قريش: إنكم أهل الكتاب الأول وتعلمون ما بيننا وبين محمد من خلاف فأي دين أحق وأحب ديننا أم دين محمد؟ كفار قريش.. عبدة الأصنام الذين نقضوا وخالفوا ملة إبراهيم عليه السلام يسألون اليهود أصحاب التوراة أتباع موسى عليه السلام، وهذا هو المظنون بهم، ديننا خير أم دين محمد؟ فأجابوا على التو: دينكم خير من دين محمد، هكذا هي السيرة وهكذا هي المسيرة وهكذا هي السنة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم.
والله جل وعلا يقول في ذلك: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً {51} أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً} (النساء: 51-52)، ومضوا بعد أخذهم موافقة قريش إلى غطفان وهي من القبائل الكبيرة وأعادوا عليهم القول وقالوا: قريشٌ معنا، ومضوا إلى المدينة يُحْكِمون أمرهم وتدبيرهم الخبيث وكيدهم الماكر، وبدأت الأحزاب تتوافد وتتحرك والنبي صلى الله عليه وسلم ليس في غفلة بل هو متيقظ لأعدائه، ليس راكناً لدنياه ولا واثقاً بمن يعادي دين الله ويحارب عباد الله ويتربص بالمسلمين الدوائر، ولذا تهيأ النبي صلى الله عليه وسلم لذلك وبدأ يستعد وكان حفر الخندق كما تعلمون.
ومضة أخرى لفئة هي من أخطر الفئات في سائر الأوقات وفي كل المجتمعات وعلى جميع الديانات وفي إسلامنا على وجه الخصوص، فئة المنافقين، أثناء حفر الخندق وبعدُ لم يجدّ الجدّ ولم تصل الأحزاب كانوا يقولون: لا نستطيع المشاركة، نحن ضعاف وهذا الحفر يشق علينا، ومرة أخرى يعتذرون: {يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} (الأحزاب: 13)، وراءنا بيوتنا ليست محمية وقد يتسلل إليها من يسرقها، أو يعتدي على أهلنا ويخرجون من هذا الميدان دون استئذان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك في البدء، وبعد ذلك في أثناء الحدث وفي آخره كان دورهم إرجاف وتثبيط وكانت سمتهم كفر حقيقي ليس فيه ذرة إيمان ولا بصيص يقين ولا تصديق وعد من الله ولا من رسوله صلى الله عليه وسلم: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً} (الأحزاب: 12)، حتى قال بعضهم: “إن أحدنا لا يستطيع أن يذهب ليقضي حاجته ومحمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يعدنا قصور كسرى وفارس”.
هذا الغرور.. هذه الأحلام.. هذه المعادلات غير الواقعية وغير المنطقية، كيف لضعاف وقلة لا تستطيع مواجهة القوى العظمى ولا الأسلحة الفتاكة ولا الجيوش الجرارة، كيف تحلم أن تقول إنها تستطيع الثبات أو تحقيق النصر، قالها المنافقون من قبل ويقولها المرجفون اليوم على أهلنا في غزة وفلسطين: {مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً}، هذه أحلام.. ذلك غرور ليس له من الواقع نصيب، {وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا} (الأحزاب: 13)، لماذا تهلكون أنفسكم؟ لماذا تدخلون حرباً خاسرة؟ لماذا تتعرضون لأمر نتيجته محسومة؟ ارجعوا إلى بيوتكم وإلى دياركم انخذلوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تكونوا مع المؤمنين الصادقين، لا تثبتوا مع المجاهدين المرابطين {لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً} (الأحزاب: 13)، كلها حجج، كلها تبريرات، كلها أكاذيب، لأنهم ضعاف، ليس عندهم قوة ولا شجاعة، ليس عندهم إيمان ولا يقين، ليس عندهم شهامة ولا رجولة، منافقو الأمس ومنافقو اليوم كلهم ملة واحدة وهيئة واحدة ولسان واحد وفعال واحدة، وتأمل ما يقول الله جل وعلا من بعد: {يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً {13} وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً} (الأحزاب: 13-14)، لو دخل الأعداء عليهم وسئلوا الفتنة أي الشرك، لأشركوا وكفروا وكانوا مع أعداء الله مباشرة، وبسرعة وبدون تردد، وبدون وقت طويل، ونراهم اليوم يسابقون الأمر قبل أن يأتي الضر والشر وقبل أن يحيق الأمر ويضيق، وإذا بهم يعلنون لساناً هو أفصح من لسان الكفر، ويقولون قولاً هو أظهر مما يقوله الأعداء، ولذلك بيّن الحق سبحانه وتعالى حقيقتهم: {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً} (الأحزاب: 15)، والأمر هنا فيه خطورة لأن أهل الإسلام، بل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته في ذلك الوقت واجهوا خطرين وعانوا الأمرّين من جانبين: الأعداء الذين يقاتلونهم ويحاربونهم ويتحزبون عليهم ويتألبون لاستئصالهم، وواجهوا أذىً آخر وهو أذى التثبيط والخيانة والإرجاف والمعونة التي تقدم من المنافقين للأعداء الكافرين، يمدونهم بالمعلومات.. يعطونهم الأسرار.. يدلونهم على طريق الولوج إلى مواطن يحسبونها من مواطن الضعف عند المسلمين، وهكذا كان الأمر في هذه الغزوة وهو كذلك اليوم فيما نشهده وعلى وجه الخصوص في أحداث العدوان الإجرامي الصهيوني على إخواننا المسلمين في غزة، والحديث يطول وفيه الكثير والكثير.
ووقفة ثالثة: عندما تجمع الأحزاب كان عددهم يبلغ نحو عشرة آلاف أحاطوا بالمدينة وحال بينهم وبينها الخندق الذي حفره رسولنا صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، وبقيت الجهة الجنوبية الشرقية التي كان فيها بنو قريظة وكانوا معاهدين لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم معه في صف واحد، لما طال الحصار ولم تستطع قريش ولا الأحزاب أن تصنع شيئاً أمام هذا الخندق وهذه الحيلة العجيبة ذهب حيي بن أخطب إلى كعب بن أسد سيد بني قريظة يغريه بنقض العهد، فقال له مما قال: لقد جئتك بعز الدهر جئتك ببحر طام جئتك بقريش على قادتها وسادتها، وبغطفان على قادتها وسادتها ونحن معهم نستأصل محمداً وأصحابه، نستأصلهم، حربٌ نهائية، لا يبقى بعدها مقاومة مطلقاً ولا سلاح أبداً ولا رافع لرأسه ولا قائم بأمر الله بحال من الأحوال، هكذا قالوا، فمازال يفتل له في الذروة والغارب وكعب يقول: ما رأيت من محمد إلا وفاءً وصدقاً لكنه مال إلى ذلك وغدر، وجاء خبر الغدر الذي كان أشبه بأعظم طعنة في الظهر في أحلك وقت وأشده وأصعبه، كما يمر اليوم كذلك بأهلنا في فلسطين عندما يُحاصرون من ذوي القربى وذوي العروبة وذوي الإسلام في طعنة لا تبعد، وليست هي إلا صورة كأنما هي نسخة تتجدد ولذلك قلت كما أن القرآن رسائل فالسيرة كذلك رسائل تخبرنا عن المواطن ما فيها من صواب أو خطل وما فيها من حق أو باطل، ماذا قالوا؟ كيف صنع النبي صلى الله عليه وسلم.
وهنا وقفات لابد أن نتأمل فيها أيها الإخوة، وأنا دائماً أكرر هذا المعنى لأنني أرى شيئاً من الطغيان والانتشار والتأثير للغة السياسة الدبلوماسية، وللغة الإعلام التضليلية على حساب لغة القرآن الإيمانية وعلى حساب ما في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من الموازين الإيمانية والمعايير الإسلامية التي لا تخضع للمادة، نحن اليوم مع كل هذه الأقاويل والأراجيف بتنا ربما أحياناً نردد ما قد يردده من قالوا: {مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً}، وكأننا لا نصدق الآيات، وكأننا لا نوقن بوعد الله الصادق الذي لا يُخلف، وكأننا لا نرى اليقين رأي العين كما رآه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم قال النضر في يوم أحد: “واهاً لريح الجنة، والله إني لأجد ريحها دون أحد”، كأنما يلمس ذلك لمساً، كأنما يراه رأي العين، كأنما يشم رائحة الجنة، وعندما يندق الرمح في صدر أحدهم ويخرج من ظهره يكبر ويقول: “فزتُ ورب الكعبة”.
وكلنا يعلم كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يبث اليقين ويعلن النصر قبل أن تبدأ المعارك، فعل ذلك يوم بدر وفعله أيضاً عندما جاءه الخبر بنقض قريظة للعهد كبّر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: “الله أكبر الله أكبر، أبشروا أبشروا”، كيف يبشر والحصار ازداد إحكاماً؟، كيف يبشر وليس هناك منفذ ولا نجاة؟، وكيف يبشر وقد اجتمعت شدة البرد وشدة الجوع وشدة الخوف؟، كيف يبشر وليس هناك أسباب مادية؟، لابد أن نبشر بتبشير الإيمان، ولابد أن نذكر بحقائق القرآن، ولابد أن نراجع يقيننا وقلوبنا إن لم نكن كذلك فنحن نخشى على أنفسنا أن يكون الإيمان قد ضمر في قلوبنا حتى أصبحنا أوثق بما في أيدينا مما في وعد ربنا وما في كتابه سبحانه وتعالى.
“أبشروا أبشروا” قالها محمد صلى الله عليه وسلم وثبت معه الأصحاب وانظروا إلى الموقف الفريد العجيب اجتهد رسولنا صلى الله عليه وسلم لما رأى هذا الحصار، وهذه الجموع الغفيرة وهذا العداء العظيم وراسل غطفان فاوضهم على أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة وينصرفوا من الأحزاب، فوافقوا لكن النبي لم يُمضِ ذلك بل أتى بزعماء الأنصار أهل المدينة، جاء بسعد بن عبادة وسعد بن معاذ يستشيرهم في ذلك، فأي شيء قال سعد رضي الله عنه، سأل النبي صلى الله عليه وسلم سؤالاً واضحاً قال: يا رسول الله أمراً تحبه فنصنعه أم شيئاً أمرك الله به لابد لنا من العمل به، أم شيئاً تصنعه لنا؟ قال: “بل شيء أصنعه لكم، ولقد رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وقد كالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما”، وكأني أرى الوصف اليوم كما هو رماهم العالم عن قوس واحدة لا يخلص إليهم حبة دواء ولا قطرة ماء، ولا لقمة غذاء ولا قطعة كساء في تآمر ليس له مثيل فيما أرى في العصر الحديث “أردت أن أخذل عنكم”، هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، فأي شيء قال سعد، وهو يعلم الموقف وهو في ذلك المحل والمكان والكرب الشديد العصيب قال: “يا رسول الله كنا وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة واحدة إلا قرىً أي: إكراماً وضيافة أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا إليه وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا، والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم”.
هل هذا تصرف حمقى؟ هل هذا تصرف متهورين؟ هل هذا تصرف مجازفين؟ يسترخصون الدماء ويستجلبون العداء! حاشا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ذلك، أولئك قوم مؤمنون، أولئك قوم تجري في عروقهم عزة الإسلام وكرامة الإيمان، أولئك قوم يثقون بنصر الله ووعده ثقة أعظم من كل أمر يكون في أيديهم، على التو قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمتين اثنتين لا أكثر: “أنت وذاك، أنت وذاك”، الأمر إليك والحكم لك وهذا القول قولكم، ولم تأتِ هنا ما يُزعم أنه حكمة ولم يأتِ هنا ما يُقال إنه حقن لدماء، “أنت وذاك” فأخذ سعد بن معاذ الوثيقة التي كانت قد أُعدت ومحاها وانتهى الأمر كله، واليوم أبطال لنا نحسبهم نموذج جهادي أراد الله عز وجل أن يُصنَع على عينه وأن يكون في هذه الأمة سبباً لتجديد كثير من المعاني الغائبة والحقائق المشوهة والمواقف التي للأسف الشديد تبدلت وتحولت في كثير من أحوال أمتنا، وإذا بهم يقولون: لا نعطِ الدنية في ديننا، ويقول لهم أهل الوهن والخور وأهل النفاق والدجل: أنتم الذين تتسببون في الدماء، وأعجبني مثل قرأته في من يلوم المجاهدين بأنهم سبب لقتل إخوانهم من الأطفال والنساء قال: “كأنما امرأة عدا عليها مجرم يغتصبها فلطمته فزاد في أذاها فقيل أنتِ التي تسببت في ذلك، لِمَ تلطمينه؟”، والعياذ بالله، صورٌ يراد لها أن تكرس في واقعنا ذلاً لا منتهى له، ودناءة لا كرامة معها، وضعفاً ليس فيه أدنى قوة، واستسلامٌ لا تكون فيه أي صورة من صور المقاومة، وما طيب الحياة بعد ذلك، هل يكون للإنسان إنسانية؟ أو للمؤمن والمسلم إسلام وإيمان، إذا سلّم واستسلم لعدوه وسلّم سلاحه وسلّم كل شيء وأعطى الدنية في دينه وغيّر حتى المفاهيم والمعاني والآيات التي تتلى في كتاب الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ} (الممتحنة: 1)، تُسرون إليهم بالمودة.
كل هذه المعاني والآيات التي ذكرناها من قبل ينبغي أن نعلم أننا في حاجة ملحة وماسة إلى أن نعرفها، صدقوني المحتاجون هم نحن، وليس المتضررون من إخواننا في فلسطين، وفي غزة على وجه الخصوص، أولئك قوم رأينا كيف تقدم المرأة أبناءها كلهم شهداء ثم تقول لئن كان هناك غيرهم فسأقدمهم وأزفهم إلى الشهادة، رأينا صوراً أحسب أن بعض الحمقى يظنها أو يدعي أنها ملفقة أو مفبركة، ولكننا رأينا وراءها صور القوة الإيمانية والثبات، والمعاني التي نحتاج نحن أن ننتبه إلى غيابها من نفوسنا.
وأقف وقفة أخيرة: عندما استطاع عمرو بن ود العامري ومعه عدد قليل أن يجتازوا الخندق في موضع من المواضع، وخرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه الفارس المغوار الكميُّ الشجاع، وعمرو بن ود رجل من أشاوس المقاتلين، ودار حوار فكان مما قاله علي بن أبي طالب: “لقد عزمتُ ألا يعطيك أحد من قريش أمراً إلا أخذته عنه، وإني أعطيك” قال: هات، قال: “إما أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله”، قال: ليس لي بذاك حاجة، قال: “وإما أن تقاتلني”، قال: عمرو بن ود مستخفاً بعلي بن أبي طالب: ولكني لا أريد أن أقتلك، أنت ضعيف، أنت لن تستطيع أن تثبت أمام قوتي، كيف تستطيع أن تصمد أمام طائرات وأمام مدفعيات، قال: لا أريد أن أقتلك، فقالها علي بن أبي طالب: “ولكني أريد أن أقتلك”، وفي مبارزة سريعة أطاح علي بن أبي طالب بعمرو بن ود فقتله وهرب البقية لا يلوون على شيء إلى الضفة الأخرى كما جاءوا مرة أخرى، صور البطولة لا تكون على الشاشات ولا تكون في المفاوضات وإنما في ميدان القتال.
نسأل الله عز وجل أن ينزل نصره على إخواننا، أن يربط على قلوبهم ويثبت أقدامهم ويرفع بالعز جباههم ويقوي بالرمي سواعدهم وينيلهم نصره عاجلاً غير آجل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
الخطبة الثانية:
معاشر المؤمنين..
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله فإنها أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه.
وإن من أعظم التقوى اليقين الجازم بحقائق الإيمان وآيات القرآن وما ثبت من هدي وسيرة المصطفى العدنان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والومضات كثيرة والمقام قصير، ومضتان سريعتان حتى نتمم الصورة ونرى رسائل السيرة التي تُرسل إلينا تجاه نظرنا وتفكيرنا، تجاه مشاعرنا ويقيننا إزاء الأحداث والعدوان على إخواننا في فلسطين:
قال رجل كما روى محمد بن كعب القرظي لحذيفة بن اليمان: لقد صحبتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنتم معه فكيف كان ذلك؟ فقال حذيفة: “كنا والله نجهد، نتعب لم يكن الأمر سهلاً، لم تكن صحبة النبي صلى الله عليه وسلم نزهة، ولا إقامة في الفنادق ولا ترفهاً بالأموال والأولاد والنساء”، فقال الرجل وهو محب: “والله لو أدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا”، فقال حذيفة: لو كنت معنا يوم الأحزاب، حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من يذهب ويأتيني بخبر القوم ويرجع”-يضمن له النبي صلى الله عليه وسلم العودة- فما تحرك أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كرب شديد، {إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} (الأحزاب: 10)، كرب شديد، لم يستطع أحد أن ينبعث والقائل الرسول صلى الله عليه وسلم، ووعده جازم، قال: حتى قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قم يا حذيفة”، فلم أجد بداً حين سماني، قال: “اذهب وائتِ بخبر القوم ولا تحدث شيئاً حتى ترجع”، لا أطيل القصة، قال: ورجعت ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي والحديث في هذه اللفظة عند مسلم في صحيحه، فدخلت بين رجليه أستدفئ والرسول قائم يصلي يستدفئ بلباس النبي صلى الله عليه وسلم من شدة ما كان فيه من الكرب، هكذا كانت الأمور عصيبة وشديدة ولكن الفرج يأتي بعدها، إذ في هذه الغزوة بكل شدتها وضراوتها بكل الأحزاب المتآمرين فيها قال النبي صلى الله عليه وسلم: “اليوم نغزوهم ولا يغزونا” سيتغير ميزان القوى كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، بعد هذه الغزوة سنكون نحن القادرين بعون الله على أن نغزوهم وعلى أن ندخل الرعب في قلوبهم، وعلى أن نثخن فيهم جراحاً وقتلاً حتى يكون للإيمان والإسلام عزته.
وقفة ثالثة لابد منها أيضاً: لما انتهت المعركة وانتهت كما تعلمون بالريح، جند من جند الله عز وجل، أطفأت النيران وأكفأت القدور وقلعت الخيام، وقال أبو سفيان: لا مقام لكم فإني راحل فارتحلوا، ووضع النبي صلى الله عليه وسلم السلاح ونزل جبريل: هل وضعتم السلاح؟ قال: نعم، قال: فإن الملائكة لم تضع سلاحها حتى تفرغ من قريظة، من أولئك الناقضين للعهد، الخائنين للمواثيق، الذين فعلوا في هذه الموقعة أرذل وأخس وأجبن فعل، فمضى إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عجلاً وقال: “لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة”، لا أطيل عليكم، لما جاء الحصار كعب بن أسد دعا قومه إلى ثلاثة خيارات، قالوا: اعرض علينا، قال: تؤمنون بالله، وتتبعون محمداً فإنكم تعلمون أنه رسول الله حقاً، قالوا: ما نترك التوراة ولا نتبدل بديننا بدلاً عنه، قال: إذاً فنميل على النساء والذرية فنقتلهم – نساؤنا وذرارينا- فنخرج إلى محمد رجالاً فإن انتصرنا ما أسهل أن يأتي نساء وذراري، وإن هُزمنا لم يكن وراءنا نساء وذراري، قالوا: نقتل هؤلاء المساكين بئس الرأي ما رأيت، قال: إذاً فالليلة ليلة سبت وهم مطمئنون إلى أننا لا نقتل أو نقاتل يوم السبت، فنكُرُّ عليهم، قالوا: لا نخفر سبتنا، فقال: ما أجمعتم يوماً أمراً حتى حكّم فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بناءً على طلبهم سعد بن معاذ فحكم فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات.
وقفة أخرى: استرعتني بما فيها من الرواية وإن كنتم جميعاً تعرفونها لكن تفاصيل الرواية يدعوني أن أعجل في ذكرها، الحصار الذي كان في الشعب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى بني هاشم، فكُّهُ كما نعلم جميعاً كان من كفارٍ من قريش نفسها، لكن كيف بدأ ذلك في عجالة سريعة، أول من بدأ هذا هشام بن عمرو وهو ليس من بني هاشم ولا من بني عبد المطلب لكنه إنسان تحركت فيه الإنسانية وكان يذهب ببعض الطعام سراً ويعطيهم لكنه لم يكتف بذلك فأراد أن يتحرك ففكر قال: أذهب إلى بني مخزوم فإنهم قبيلة كبيرة لعلهم إن وافقوني، ففكر فيمن يذهب إليه منهم، فذهب إلى واحد منهم وهو زهير بن أمية المخزومي فتكلم معه في الأمر وفي نفسه ميلٌ لذلك فقال: ولكني وحدي وما عسى أن أفعل، قال: أنا معك، فقال: ابغنا ثالثاً، وكان هشام مستعداً فقال: عندي ثالث، فمضى إلى المطعم بن عدي الذي أجار النبي صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه من الطائف فحدثه في ذلك، قال: ولكني وحدي، قال: وأنا معك، قال: ابغنا ثالثاً، قال: هو موجود، قال: إذاً فابغنا رابعاً، فذهب أيضاً وابتغى الرابع ثم ابتغى الخامس ثم توافقوا على أن يذهبوا إلى منتدى قريش وأن يعلنوا بذلك، فتكلم الأول فقال: نحن في أهلنا نعافس نساءنا ونلبس ثيابنا ونأكل طعامنا ونشرب شرابنا وبنو هاشم لا يبتاعون وكذا وكذا، فقام أبو جهل وأخرسه، فقام زهير بن أبي أمية المخزومي فصدقه ثم قام المطعم ثم تعاضدوا على ذلك، فسبحان الله نرى اليوم الصورة وأكتفي بذلك حتى لا أطيل عليكم.
نحن أيها الإخوة نحن في أمس الحاجة إلى أن نراجع أنفسنا، وأما إخواننا في أتون المعارك فقد اختارهم الله أن يكونوا في مقدمة الأمة دفاعاً عن دين الله وعن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي مواجهة ألد أعداء الأمة الذين يواجهونها في كل ميدان وساحة: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ} (المائدة: 82)، فقد فرغوا من أمرهم، والحال حالنا فينبغي أن نتفقد إيماننا وفهمنا واستمساكنا بكتاب ربنا واتباعنا لهدي رسولنا صلى الله عليه وسلم ولغة الإيمان ومنطق الإسلام وحقائق القرآن وهدي المصطفى العدنان أولى بنا من أراجيف السياسة وأباطيل الإعلام التي تروج.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهلك أعداء الله المحاربين لدينه ولأوليائه من اليهود المجرمين، ومن أعانهم من غيرهم يا رب العالمين، اللهم رد كيدهم في نحرهم وأشغلهم بأنفسهم واجعل بأسهم بينهم، اللهم اقذف الرعب في قلوبهم واجعل الخلف في صفوفهم واجعل تدبيرهم تدميراً عليهم، لا ترفع لهم راية ولا تبلغهم غاية واجعلهم لمن خلفهم عبرة وآية، اللهم اجعلهم نكالاً للمجرمين وعبرة للمعتبرين، اللهم عجل بهزيمتهم وذلهم وخذلانهم يا رب العالمين.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: