من المسؤول عن مجازر العرب؟(بقلم: عبد الفتاح ماضي)

يطرح هذا المقال سؤال من المسؤول عن الدماء التي تسيل في دولنا العربية في زمن اختلط فيه الحابل بالنابل وسيطر فيه أشباه المتعلمين على وسائل الإعلام والصحافة وراحوا يقومون بعمليات غسيل مخ ممنهجة تستهدف تزييف الوعي ومحو الذاكرة، بينما قوى الهيمنة والعدوان في العالم تسيطر على مجريات الأمور في السياسة الدولية؟

الثقافة والدين
هذه المذابح ليست نتاج عوامل ثقافية، ولا علاقة لها بالإسلام وقيمه، وذلك برغم استخدام أطراف معينة الإسلام وخطابه.

فرغم أن الكثير من الحروب المشتعلة حاليا أطرافها دول أو حركات إسلامية، فتاريخ القرنين السابقين على الأقل يثبت أن أوروبا وأميركا كانتا ساحة للحروب الأهلية والثورات وانتهاكات حقوق الإنسان.

وحسب بعض التقديرات، فقد لقى أكثر من ستمائة ألف إنسان حتفهم في الحرب الأهلية الأميركية، وأكثر من مليون خلال الثورة الفرنسية، وسبعة ملايين في الثورة البلشفية، وما بين 15-18 مليونا في الحرب العالمية الأولى، وستون إلى ثمانين مليونا في الحرب العالمية الثانية، وأربعون مليونا في الثورة الصينية الماوية (1947-1957).

وفي الهند سقط نحو نصف مليون قتيل في صراع غاندي “غير العنيف” من أجل الاستقلال، وخلال خلال الأربع سنوات (1990-1994) للانتقال في جنوب أفريقيا وبعد إطلاق سراح مانديلا سقط نحو 1500 قتيل في عنف سياسي، وفي كينيا بعد الانفتاح السياسي وخلال عقد كامل قتل نحو ألفي شخص وشُرّد نحو نصف مليون. وهذه الحروب كلها لم يكن المسلمون ولا العرب أطرافا فيها.

وفي المقابل، عاشت شعوب المنطقة لقرون طويلة برابط إسلامي قوي، إذ مثل الإسلام -كإطار حضاري- الوعاء الذي أَخرَجَ الوطنية والعروبة من محاور القبيلة واللون والعرق والمكانة الاجتماعية إلى رحاب الانتماء الثقافي والحضاري الواحد الذي أرسى دعائمه عرب الجزيرة العربية المسلمون، ثم ساهم فيه مسلمون غير عرب من الفرس والأكراد والأتراك والبربر، ومسيحيون ويهود عرب وغير عرب.

وهذا الانتماء العربي الإسلامي هو الذي شيد حضارة زاهرة، امتدت من الصين إلى الأندلس، قدمت للبشرية نماذج ساطعة من التعايش بين شعوب تميزت بتنوع عنصرها البشري، وتعدد لغاتها ولهجاتها، واختلاف تقاليدها وثقافاتها، فضلا عن الكثير من المنجزات العلمية والفكرية والأدبية.

يجب إذن النظر إلى التاريخ قليلا قبل الحديث عن حروب المسلمين والعرب.

ليست صراعات داخلية
والحروب المشتعلة الآن في بلاد المسلمين ليست نتيجة تفاعلات داخلية صرفة، فمعظم هذه الحروب لها أطراف غير إسلامية (مسيحية أو يهودية أو بوذية أوكونفوشيوسية أو غيرها)، كما أن كل السلاح تقريبا يأتي من الدول الكبرى. وتجارة السلاح تمثل مصالح كبرى، وتكفي الإشارة هنا إلى أنه حسب بعض التقديرات فإن كل عام يشهد مبيعات سلاح بمبالغ تقدر من 45 إلى ستين مليار دولار، منها نحو 75% توجه لدول العالم النامي، وتستحوذ الدول الخمس الدائمة بمجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا وإيطاليا على نحو 85% من هذه المبيعات بين 2004-2011.

لابد إذن من معرفة القوى ذات المصلحة في إشعال الحروب، ومعرفة تاريخ كل صراع وتفاصيله بدلا من إصدار تعميمات لا أصل لها.

والأخطر من هذا هو العلاقة العضوية التي تربط الدول الكبرى بأنظمة وحكومات العالم الثالث، فقد ظلت مصالح الولايات المتحدة في المنطقة العربية مرتبطة بضمان تدفق النفط بأسعار مقبولة، وأمن الكيان الإسرائيلي، وبقاء الحكام الموالين لها ومنع وصول حكومات وطنية. ولهذا تغاضت أميركا عن كل انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها الحكومات ضد شعوبها، ومارست سياسة المعايير المزدوجة لعقود من الزمان.

ولئن اعترفت الولايات المتحدة في عهد بوش الابن وبعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001 بقصور سياستها الخارجية، وأعلنت أن ستين عاما من دعم نظم الاستبداد كانت سببا أساسيا لظهور حركات الإرهاب ووصول عملياتها إلى أميركا وأوروبا، إلا أنه سرعان ما استطاعت جماعات المصالح داخل دوائر صنع القرار في أميركا إعادة السياسة الخارجية الأميركية إلى سابق عهدها.

ولهذا لم تحصل حركات التغيير السلمية المنادية بالتغيير في معظم الدول العربية على أي مساندة من الخارج، ولو برفع يدها عن حلفائها من حكام المنطقة وترك الأمور للتفاعلات الداخلية. وفي الواقع، لم تحسم الولايات المتحدة موقفها لصالح الديمقراطية في البلاد العربية، ولم تقف قولا وعملا مع الديمقراطية وحقوق الإنسان كما فعلت مع دول أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية من قبل.

وبعد اشتعال الثورات العربية من أجل الديمقراطية نهاية العام 2010، ترددت السياسة الخارجية الأميركية ولم تحسم موقفها مرة أخرى، بل وراحت تتحالف بشكل غير معلن مع قوى الثورات المضادة في معظم الدول العربية.

ستؤدي هذه السياسة إلى تصاعد الأزمات والمشكلات في أكثر من دولة عربية، وإلى ظهور حركات راديكالية عنيفة لن تقف حدود عملياتها عند محاربة خصومها داخل الدول العربية. وفي ظل انتشار السلاح وسهولة الاتصالات، فقد تمثل هذه الحركات خطرا حقيقيا على بنية المجتمعات والدول في المنطقة كلها. وسيكون من الصعب التعامل معها في المستقبل.

طبيعة نظم الاستبداد
ويأتي بعد كل هذا طبيعة الأنظمة القائمة بالمنطقة، فقد كانت، ولا يزال من تبقى منها، شبيهة بالنظم التسلطية الأفريقية، حيث الانقسام الأبرز في النظام ليس بين الإصلاحيين والمحافظين أو بين النظام والمعارضة، وإنما هو بين من هم داخل دائرة الحكم -بمنافعها المادية والمعنوية أي رأس السلطة ومساعديه والمقربين والمنتفعين منه- وبين من هم خارج تلك الدائرة، أي من استبعدهم النظام. والصراع بين الخصمين صراع وجودي، والمباراة مباراة صفرية.

وتتسم هذه الأنظمة بأنه كلما حُرم المستبعدون من المزايا والعطايا، ازدادت دوافعهم لدعم الانقلاب على النظام والمستفيدين منه، ليس لتبني نظام حكم القانون والمواطنة، وإنما بهدف الوصول إلى السلطة والحصول على منافعها.

وفي الواقع، ينتج عن الإرث التسلطي وسياسات الترهيب وشراء ذمم الناس ظهور نوع جديد من البشر (غير متسق مع الطبيعة الإنسانية والاجتماعية للبشر ومُعيق لنهضة المجتمعات وتقدمها) يستهدف تحقيق أهدافه الذاتية دون النظر إلى المصلحة العامة، ولا يطالب بحكم القانون ولا بالشفافية ولا بإلغاء الامتيازات التي تحصل عليها بعض الفئات، وإنما يتطلع إلى امتيازات مماثلة. وفي ظل هذه الأنظمة، يتم إقصاء كل الفئات المعارضة الحقيقية، وهذا ما تم في دولنا العربية عندما تم إقصاء كافة التيارات الإسلامية والوطنية المعارضة.

وهذه الأنظمة الاستبدادية لا تعيش أيضا إلا بالتحالف مع قوى خارجية قوية. وهذا ما تم في دولنا العربية التي تحالف حكامها مع الولايات المتحدة والغرب وروسيا أيضا. وهذا ما عبر عنه عدد من الباحثين الغربيين، فتوماس كاروثر أكد أن “الولايات المتحدة تدعم الديمقراطية متى كانت هذه الأخيرة في صالحها، وقبل 11 سبتمبر/أيلول كان من النادر أن تتدخل أميركا نحو الديمقراطية وخاصة في وجود عوامل أخرى مثل النفط وإسرائيل والتهديد الإسلامي”.

كما لخص السفير الأميركي الأسبق في مصر، ديفيد وولش، هذه المعادلة قبل ثورة 25 يناير/كانون الثاني بقوله “أن أميركا تعتبر مصر صديقا.. وأميركا لا تضع ضغوطا على أصدقائها”.

وتغيير هذا النوع من أنظمة الحكم، لا يكون بالإصلاح، وإنما غالبا ما تنتهي أعمار هذه الأنظمة عن طريق الانهيار، وفي هذه الحالة إما أن يحل خصوم النظام القديم في السلطة ويقيموا نظاما تسلطيا جديدا كما حدث في دول أفريقية كثيرة، وإما أن ينهار النظام كلية وتنتشر الفوضى وتدخل البلاد في حرب أهلية.

أي غالبا ما يصحب هذا النوع من التغيير أعمال عنف قد تتطور إلى حروب أهلية تستمر لعقود طويلة.. ولنا في الكثير من الدول الأفريقية مثل زائير وأنغولا وموزمبيق وكذا بعض دول أميركا الوسطى كالسلفادور خير مثال على هذا.

وهناك بالطبع دول عانت من مثل هذا النوع من التغيير، إلا أن توفر بعض العوامل ساهم في حمايتها من التفكك والانهيار على النمط الأفريقي. فعوامل الجوار الأوروبي والدعم الخارجي وموقف المؤسسة العسكرية ساهمت في إنقاذ البرتغال في منتصف الثمانينيات من مصير مشابه.

وفي عالمنا العربي وفي زمن تكنولوجيا الاتصال والسماوات المفتوحة، ومع تفرق القوى المحسوبة على الثورة وتنافسها وفشلها في إدارة المراحل الانتقالية، استطاعت قوى الأنظمة القديمة استعادة زمام المبادرة بحكم تحكمها في الاقتصاد والموارد المالية من جهة، وبحكم سيطرتها على وسائل الإعلام وقيامها بعمليات غسيل مخ ممنهجة لتشويه الثورة وتحميلها كل الآثار السلبية التي ترتبت على ممانعة قوى الأنظمة القديمة لمسار التغيير وذلك من جهة أخرى.

وقد لعب العامل الخارجي دورا سلبيا، فقد استمر موقف القوى الكبرى الممانع لدخول الديمقراطية الحقيقية إلى البلاد العربية، واستمر تحالفها مع الحكومات القائمة أو النخب والقوى المحسوبة على النظم التي أسقطتها ثورات الشعوب العربية.

أحسب أن الزمن قد تغير وأن ما كان يمكن إخفاؤه في الماضي لم يعد كذلك اليوم، كما أن فئات واسعة من الشعوب العربية عرفت معنى الحرية ولن تتوقف في النضال من أجلها، وهي تتسلح بالمعرفة والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعية. فهل من عقلاء في الداخل والخارج أم سيستمر مسلسل الدماء وترتفع تكلفة الحصول على الحرية؟

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: