من تجفيف المنابع إلى إغلاق الجوامع ( بقلم د.مجمد ضيف الله)

خلية الأزمة لحكومة التكنوقراط فكرت فقدرت ثم قررت أن الإرهاب يمكن القضاء عليه بإغلاق الجوامع. مصداقا للمثل الذي يقوم مقام فصل في الدستور والذي يقول حرفيا “الباب اللي جايك منه الريح سده واستريح”. وطز بعد ذلك -على الطريقة الليبية- في أي فصل من دستور الجمهورية الثانية سواء تعلق بحرية ممارسة الشعائر الدينية (ف6) أو بالعقوبة الفردية (ف 27)…

وعلى أية حال يتضح الآن أن في الأمر نزولا عن رغبة أو ضغط طرف في الساحة السياسية يقتنص الإرهاب ليدفع نحو التضييق من الحريات، وفي هذا الإطار الأمر يبدأ بأضعف الحلقات، وصولا في الأخير إلى هدف أسمى وهو مقايضة الحرية بالأمن والأمان. وبذلك تكون خلية الأزمة تسير على نفس نهج لجان التفكير التجمعية التي التقى فيها تجمعيون ويساريون في مطلع التسعينات وتوصلوا معا إلى ابتداع أو إبداع سياسة تجفيف المنابع، وهي سياسة تلصق ظلما في اعتقادي بالوزير محمد الشرفي، في عملية تمويه على بقية المجموعة من مثقفين ناطقين رسميين باسم “المجتمع المدني” وأحزاب كرتون كانت تصفق وحتى أحزاب ثورية كانت تراهن على أن تلك السياسة ستقود إلى صفوفها شباب الإصلاح التربوي لعام 1991، فإذا بمن أفلت من منظمة طلبة التجمع، ذهب إلى الفيراجات، ومن أفلت منهما ذهب إلى الحركات المتطرفة، وقد بان دور الشباب التونسي  مبكرا في الساحات الساخنة في العالم. نتذكر هنا إقدام أحدهم على مقتل أحد زعماء الأفغان قبل يومين من أحداث 11 سبتمبر، فضلا عن تفجير كنيس جربة في 11 أفريل 2002 والذي أدى إلى مقتل 14 نصفهم من السياح الأجانب، ولا ننسى في هذا الإطار أحداث سليمان على مشارف العاصمة في 2006…

خلية الأزمة لم تتذكر ذلك، وإنما خضعت كما هو واضح لمغالطة بعض المحللين السياسيين ممن لا باع لهم ولا ذراع ولا خبرة، زائد تنبير بعض الأحزاب السياسية ممن لا يهمها مما وقع في الشعانبي إلا القدر الذي يمكن أن تجنيه في الانتخابات القادمة.

قررت إذن “خلية الأزمة” غلق الجوامع، وهو قرار غير مسبوق في تاريخ هذا القطر العزيز، حتى الاستعمار الفرنسي نفسه لم يقدم على مثله رغم أن الجوامع كانت تتم فيها حتى الاجتماعات الحزبية، كما لم يتجرأ المخلوع نفسه على القيام بمثل ما قامت به حكومة التكنوقراط. وعلى أية حال فإن قرارها هذا أظهرها في وضع العاجز، حيث لم تستطع إيقاف من يخترق القانون ممن يدعو أو يمجد الإرهاب والأعمال الإرهابية، زائد أنها تمارس العقاب الجماعي على المصلين من جيران أو رواد الجوامع المغلقة، وهو ما يؤدي في آخر المطاف إلى تغذية تربة التطرف والإرهاب، وإظهار المتدين في وضعية المستهدف. وبذلك فإن خلية الأزمة تخدم في الأخير التطرف.

لقد أحس التونسيون بالخطر الذي يشكله الإرهاب على حياتهم، ولعل ردود أفعالهم إثر كل عملية إرهابية خير دليل على ذلك، ولكن ليس إلى الحد الذي يجعلهم يتخلون عن أعز مكسب تحقق لهم بعد الثورة ألا وهو الحرية.

محمد ضيف الله

24 جويلية 2014

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: