من خطاب “الاستقلال” إلى خطاب “الثورة” ( كتبه البحري عرفاوي )

ظل خطاب “الإستقلال” خطابا رسميا تقدمه السلطة في مناسبات معينة وفي سياق التعبئة الشعبية لخوض معركة التنمية والتحرر من التخلف والجهل والفقر…

الخطاب البورقيبي كان حريصا في خطاباته على كشف البطولات النضالية التي خاضها ضمن حزبه يومها ضد الإستعمار كما كان حريصا على إبراز كون عنوان الإستقلال إنما هو مُنطلق لخوض المعركة الشاملة ضد عدو داخلي هو الفقر والتبعية والأمية…

عنوان “الإستقلال” ظل جامعا لأغلب التونسيين يحتفلون ويعتزون به إلى أن أصبحت مطالب التونسيين أكبر من مجرد “العيش الكريم” ومن مجرد حق التعلم والشغل… أصبح جزء من النخبة التونسية يريد من شعار الإستقلال أن يتحول إلى استقلال القرار الوطني وإلى تحرر إرادة المواطنين من الرأي الواحد والزعيم الأوحد ..

بدأت تتشكل ملامح معارضة جدية تمارس نقدا واضحا للسياسة البورقيبية في المجال الإجتماعي والسياسي والإقتصادي ولم يعد شعار “الإستقلال” في نظر تلك المعارضة يُعبر عن مضمون حقيقي..

بورقيبة الذي يعتبره أغلب التونسيين زعيما وطنيا وبطل التحرير وقائد المعركة ضد الإستعمار أصبح في أعين أطراف سياسية وإيديولوجية من يساريين وقوميين وإسلاميين “أداة” بيد الإستعمار لوأد المقاومة الشعبية ولإبعاد الرموز الوطنية المؤمنة بالمشروع القومي التحرري… لقد حاكم صانع “الإستقلال” قيادات مختلف التيارات وفي حقب متتالية…

ظل وهج “الإستقلال” يبرد سنة بعد أخرى في قلوب النخب المثقفة خاصة في الأوساط الطلابية والتنظيمات السياسية غير المعترف بها قانونا… انتهى الإحتفال في أواخر الثمانينات إلى ضرب من الدعاية الحزبية الممجوجة لا يستهوي إلا المؤمنين فعلا بالبورقيبية كمشروع وطني ناجع أو أصحاب المصالح والمطامع.
بعد أخراج بورقيبة من الحكم أصبحت تلك الذكرى أبرد مما كانت عليه وصُرفت الأنظار والإهتمامات إلى الحدث الجديد “السابع من نوفمبر” .. أصبح ذاك التاريخ أهم من ذكرى 20 مارس 1956 وطغت مفردة “التغيير” على مفردة “الإستقلال” بل أكثر من ذلك رُفعت صور الزعيم الأول من الإدارات والمحلات وأزيلت تماثيله من الساحات العامة لتُستبدل بعلامات جديدة.
بعد 14 جانفي طغى خطاب “الثورة” وتناسل “الثوريون” حتى أصبح التمرد على الماضي بتفاصيله علامة مميزة للسياسيين الجدد : تمرد على تاريخ تونس الحديث برمته وعلى رموزه وعلاماته دون تنسيب أو تفريز، لم يحتفل السياسيون بذكرى “الإستقلال” في ظل حماسة “الثورة” وطغيان الشعارات على القراءات.
اصطدام الأوهام بالألغام جعل خطاب “الثورة” يرتدّ إلى “واقعية” مُكرهة ويعترف ب”الدولة العميقة” ويُقر ببصمات السابقين وبأثر الزعيم السابق الحبيب بورقيبة… ستعود لمفردة “الإستقلال” أسئلتها الجدية: كيف نفعّل الإستقلال وكيف نضيف إنجازاتنا إلى إنجازات الماضي؟
ليس ثمة من شعب يؤسس تاريخه على فراغ وليس ثمة من دولة تبني أركانها على عدم بل وليس بالإمكان أصلا التنكر لجزء من الماضي أو لبعض ملامح وعناوين تاريخنا.. الشعوب الحية لا تتبرّأ من تاريخها ولكنها لا تُقيم فيه ولا تكون أسيرةً له إنما تتفاعل معه بعقل نقدي وبروح تحررية تستفيد من إيجابياته وتتخفف من أعبائه وسلبياته.. الشعوب الحية تَصل حاضرها بماضيها وصلا واعيا مُبدعا خلاقا تعتز بالعلامات المضيئة وتتجاوز الأعطاب والمعايب دون عقد ودون استعلاء.
إن خطاب “الثورة” لا يمكن أن يكون خطابا عدميا استعلائيا ولا يمكن أن يكون خطاب تبرُّئ من أهم محطات تاريخنا… خطابُ “الثورة” مَعنيٌّ بالإجابة عن عديد الأسئلة العملية: كيف نتقدّم في مسار الإستقلال؟ كيف نحقق استقلال القرار السيادي في ظل “العولمة”؟ كيف نكون مستقلين في ظل تبعية اقتصادية؟ كيف نستطيع المواءمة بين القرار السيادي وبين الإرتهان لبنوك النقد الدولية والجهات المانحة والعطاءات الخيرية؟ كيف نكون ثوريين ونحن نتسوّل من الرجعية دعما في أقواتنا ومعاشنا؟ كيف تكون “ثورةٌ” بغير اقتدار على حماية وصايا شهداء “معركة الإستقلال” أو شهداء عنوان “الثورة”؟ حين يظل الوطن مفتوحا على أكثر من جهة تمارس فيه التدخل وتلعب فيه ألاعيبها؟.
يُنتظر من النخبة السياسية والفكرية أن تستفيد من تجاربها هي أولا ثم من تجارب من سبقها ثانيا وأن تُقلع عن ممارسة “العراك” بأساليبه السيئة المسيئة لها وللوطن معا.. السياسي الماهر الحكيم هو الذي يعتني بنفسه يحررها من الأوهام والنرجسية والغنائمية والجشع وهو الذي يتعهد نفسه بالمحاسبة والمراجعة لا يعتز بخطإ ولا يُكابر أمام الحقيقة والحق ولا يدعي أن مشاريع “الإستقلال” و”الثورة” إنما تبدأ من عنده…السياسي الماهر المبدع هو الذي يرى أن بذور التحرر والثورة إنما هي موزعة بمقادير مختلفة بين أبناء الشعب وبين مختلف الأجيال علينا السعي إلى استنباتها بما نُشيعه من أمل وروح تفاؤلية ومن قيم إحيائية ومن فكر نقدي ومن أسئلة جامحة: كيف تكون الثورة طريقا إلى الإستقلال؟ كيف نفلح في ترتيب مُخالفينا وخصومنا وأعداءنا؟ كيف لا نرتدّ من أحلام الثورة إلى كوابيس الإنقلاب؟.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: