5104298_535422s

من دروس ثورات التحرّر العربية.. مقال / الكاتب عبد الفتاح ماضي

من دروس ثورات التحرّر العربية.. مقال / الكاتب عبد الفتاح ماضي

مرت خمس سنوات على اندلاع ثورات الشعوب العربية المستمرة من أجل الكرامة والحرية والعدالة، فكيف يمكننا فهم ما جرى في السنوات الخمس الماضية؟ في ما يلي بعض الأمور والدروس التي قد تعيننا على الفهم وتصويب المسار.

حتمية الثورة على الاستبداد

أولا- أثبتت ثورات العرب أن الاستبداد ومشكلة الحكم في مجتمعاتنا العربية هي أهم المشكلات التي تشهدها هذه المجتمعات، بل لا أبالغ إن قلت إنها “أم المشكلات”؛ لأن الاستبداد هو سبب نشأة -أو تفاقم- الأزمات الأخرى، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والخارجية. ولقد كان العلامة عبد الرحمن الكواكبي محقًا عندما كتب أن الاستبداد هو أصل الداء، وعندما أوضح مشكلات الحكومة الاستبدادية في كتابه “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” منذ أكثر من مئة عام.

لقد فهمت الشعوب العربية هذا ونادت بإسقاط الأنظمة المستبدة وتغيير نمط الحكم، باعتبار أن هذا الهدف هو جوهر عملية النهوض واسترداد العزة والكرامة، إلا أنه مع استمرار نفوذ الأنظمة القديمة والتقليدية، تحوّل مسار الثورات العربية سريعا إلى الحديث عن مطالب ما قبل الثورات، أي الإصلاح وتعديل الدساتير والقوانين أو تبديلها وإجراء الانتخابات في أسرع وقت، وذلك بدلا من بذل كل الجهد الممكن لتحويل مطالب الثورات إلى واقع ملموس من خلال تغيير نمط السلطة القائم وتغيير طبيعة علاقات السلطة داخل المجتمع من خلال تفكيك عُرى الاستبداد داخل كافة المؤسسات والقطاعات، وتمكين قطاعات أوسع من ممارسة هذه السلطة.

والدرس هنا هو أن أي حلول جزئية لن تعالج مشكلاتنا، وأي جهد وطني لا بد أن يتجه لهدف مركزي هو بناء نمط جديد للحكم يحمي الحريات والحقوق، ويقيم دولة القانون والمؤسسات والشفافية، ويدير الثروات لصالح الشعوب، ويحقق العدالة الاجتماعية.

ثانيا- صحيح أن مسار هذه الثورات صعب، وتكلفته البشرية مرتفعة، لكنه كان مسارا حتميا ولم يختاره أحد؛ فلقد سدت الأنظمة الحاكمة كل سبل الإصلاح التدريجي الذي يحمي شعوب ودول المنطقة، وارتضت أن تحارب شعوبها.

كانت الثورات حتمية، لأن تاريخ الدول والنظم السياسية يؤكدان لنا أن نمط الأنظمة السياسية هو أحد أهم العوامل المحددة لطريقة تغيير هذه الأنظمة؛ ففي المجتمعات التي لا يمكن فيها التمييز بسهولة بين “الدولة” و”النظام” و”الحكومة”، كما كان الأمر في معظم الدول الأفريقية وبعض دول آسيا وأميركا اللاتينية والوسطى (وكثير من الدول العربية)، لا يكون الصراع بين الحكام والمعارضة، وإنما بين الحكام ومنافسيهم على السلطة، إذ لا يظهر إصلاحيون داخل النظام من جهة، ولا يمتلك خصوم النظام القدرة على الاتفاق أو التكتل ضده استنادا إلى أجندة وطنية جامعة من جهة أخرى.

وهنا يكون مصير النظام هو إمّا الاستمرار بفعل القبضة الحديدية وغياب أو انقسام الخصوم، أو بفعل العوائد المالية التي يحصل عليها من مورد طبيعي أو داعم خارجي، وإمّا الانهيار والثورة ضده إذا تغيرت موازين القوة بين النظام ومنافسيه، كما حدث في دول أفريقية عدة، وكما حدث في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا.

والدرس المستفاد هنا هو أن المستبد لا يتغير وهو سبب الفساد وانهيار الدول وجلب الغزاة، وأن كل نظم الحكم الفردية والبوليسية مآلها الفشل والانهيار؛ هذه سنة كونية.

ثالثا- تغير عمليات الانهيار هذه المعادلات السياسية السائدة. ولعل أهم تغيير هنا هو دخول فاعل جديد في المعادلة السياسية بالمنطقة؛ ففي السابق ظلت الحكومات العربية الفاعل الأساسي في التعامل مع التحديات التي تواجهها المنطقة، وظلت هي المسؤولة عن كل الهزائم العسكرية والكوارث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، أما اليوم فقد ظهرت الشعوب كفاعل أساسي، وهذه الثورات مثلها مثل كل الثورات لن تحقق أهدافها في فترة زمنية قصيرة، ويكفي أنها حتى الآن حررت الإنسان العربي من الخوف من حكامه، ووفرت له مثلا حيا على قدرة الشعب على التغيير مهما كانت هيمنة وسطوة الحكومات.

بل فتحت هذه الثورات أيضا الباب أمام إعادة النظر في كافة الترتيبات التي فُرضت على العرب منذ الاستقلال، بدءا من الحدود المصطنعة، مرورا بالأدوار التي تقوم بها الأجهزة الأمنية والأقليات الحاكمة في تدمير دول المنطقة، وانتهاءً باستهداف المنطقة عسكريا وتهافتها أمام تدخلات دول إقليمية وعالمية.

والدرس هنا هو أن الثورات نجحت نسبيا في بعض الأهداف، ويكفي أن تكون الشعوب في معادلة السياسة حتى تستكمل الثورات مسارها.

رابعا: رغم أن عملية التغيير الثوري تمثل فرصة للتغيير الشامل، فإنها عملية صعبة ومعقدة؛ لأنها تشهد في معظم الحالات فتحًا للعديد من الملفات وارتفاعا في حجم التوقعات. ولم تتمكن قوى الثورات العربية والحالمة بالتغيير والتي لا خبرة لها بدهاليز السياسة من إدراك الفروقات الجوهرية بين مهمة إسقاط الأنظمة وبين متطلبات وسنن بناء الأنظمة البديلة، ولم تتمكن من تثوير قطاعات واسعة من الجماهير وتعبئتها وراء مطالب الثورات، ولم تهتم بالتنظيم الداخلي لها وتشكيل كيان أو كيانات قوية تعبر عن الثورة ومطالبها وتفرز قيادات وطلائع تقود الشعوب نحو تحقيق أهدافها. والمطلوب هنا هو إدراك أنه لا ثورة بلا مشروع وطني جامع وقيادة واعية وكيان قوي يعبر عنها.

الثورة والثورة المضادة

خامسا- كان من الطبيعي أن توقظ الثورات العربية الخصوم في الداخل والخارج، ولهذا استمر الصراع بين قوى الثورة وقوى الثورة المضادة، لكن كان تنافس بعض قوى الثورة مبكرًا على مكاسب الانتخابات خلال مرحلة البناء والتأسيس في بعض الدول من الأخطاء القاتلة التي أوجدت أوزانًا حزبية نسبية، وقسّمت المجتمع إلى حكومة ومعارضة، وأحيت الخلافات القديمة، وسمحت لقوى الثورة المضادة باختراق الثورة في مرحلة انتقالية تأسيسية كانت تتطلب قدرًا أكبر من المشاركة والتوافق، فتحولت الثورات الشعبية إلى “ثورات انتخابية”.

وهذه الثورات الأخيرة معروفة في أدبيات السياسة، وتكون وظيفتها في الواقع “إجهاض” الثورات والالتفاف على مطالبها.

وبعد أن شهدت الميادين في كل دولة من دول الثورات العربية تحالفًا قويًا عابرًا للأيديولوجيات والانتماءات الضيقة للقضاء على النظام القديم، شهدت الميادين افتراق الثوار وتركهم الميدان للقوى التقليدية الممثلة في الأحزاب والحركات السياسية التي كانت تعارض الأنظمة القديمة في السابق، غير أنها لم تمتلك يومًا رؤى ثورية للتغيير الجذري.

لقد كان المطلوب -ولا يزال- بناء التوافقات الكبرى على موائد حوار شاملة حول المسائل الكبرى، أي حول أنسب الطرق لتمكين قطاعات أوسع من المشاركة وتغيير نمط السلطة وتعزيز حكم القانون ودولة المؤسسات والمواطنة والعدالة الاجتماعية وزرع ثقافة المساءلة والمسؤولية ومواجهة الفساد والاستبداد.

سادسا- ومع انقسام قوى الثورة وجدت الثورات المضادة حلفاء جددا لها مع بعض رجال الأعمال والقوى التقليدية في المجتمع، واستخدمت أدوات الإعلام لتشويه الثورات والثوار وحشد الناس مع استخدام مفردات النظم القديمة في الحديث عن الاستقرار والأمن. وازداد الأمر صعوبة مع قيام قوى الثورة المضادة بإقامة تحالفات قوية مع الخارج، إذ لم تجد القوى الإقليمية والدولية مصالحها مع قيام نظم وطنية ديمقراطية بمؤسسات قوية في الدول العربية.

ولهذا حصلت قوى الثورة المضادة على دعم إقليمي ودولي قوي أو على الأقل على حياد هذه القوى وعدم تدخلها لإدانة انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت قبل وبعد الثورات، وعادت الحكومات الغربية إلى سياسة المعايير المزدوجة في تعاملها مع دول المنطقة بعد تصاعد خطر الحركات العنيفة، وما يسمى الحرب على الإرهاب.

والدرس المستفاد هنا هو أن انقسام قوى الثورة وعدم ظهور كيان قوى يعبر عنها مكّنا خصوم الثورة في الداخل والخارج من التكتل ضدها.

سابعا- اقترن ما سبق مع تحويل الثورات العربية من أجل الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية إلى صراع بين تيارين: أطلق على أحدهما التيار الإسلامي، وعلى الآخر التيار المدني. وأسهمت عوامل كثيرة في تعميق هذا الصراع، كأخطاء الأطراف التي تمثل هذين التيارين وحملات التضليل الإعلامية وغير ذلك.

وتطور هذا الأمر ليصل إلى قيام قوى الثورة المضادة بخلط الأوراق واستخدام مصطلح “الحرب على الإرهاب” لمواجهة الثورات، وتصوير الصراع في أكثر من بلد عربي على أنه صراع ضد قوى الإرهاب والظلام والتشدد، وكانت مصر المكان الأهم، والأول، الذي حدث فيه هذا الاختراق.

ثم تطور الأمر على المستوى الدولي، إذ صارت هناك دوائر رسمية وبحثية تضع كل الإسلاميين في سلة واحدة هي سلة الإرهاب والتطرف. وهذا تطور جديد؛ ففي أعقاب أحداث سبتمبر/أيلول 2001 جرى التمييز بين ما عُرف بالمتطرفين والمعتدلين، بل وتمت الاستعانة بالفريق الثاني في مواجهة الأول. اليوم المنطقة كلها يتم تسليحها وعسكرتها لمواجهات عسكرية متعددة، اختير لها أن تكون مذهبية وطائفية.

أخيرا- ما يحدث في مسار الثورات العربية ليس غريبًا، فما من ثورة إلا تصحبها ثورة مضادة، ولا تغيير بلا ثمن، وهذه الثورات ثورات تحررية في المقام الأول، وتمثل حراكا لا مفر منه لمعالجة مشكلة الاستبداد من جذورها وتحرير الإنسان من كل صور الهيمنة وهزيمة كل خصوم الثورات.

وعلينا تذكر أنه على الرغم من أن انتصار الثورات وحركات التغيير السياسي يبدو بعيد المنال الآن في بعض دولنا العربية، فإنه كان أيضا بعيد المنال في يوم من الأيام في دول أخرى مثل جنوب أفريقيا وجنوب كوريا وبولندا والبرتغال وتشيلي وغيرها.

أترك تعليقا

تعليقات

%d مدونون معجبون بهذه: